وحدة التسلح

رهان صعب: استراتيجية “الاحتواء” الأمريكية وحل المعضلة اليمنية

على الرغم من انتقاداتها للهجمات الحوثية على السعودية والتي تصاعدت في الآونة الأخيرة بوتيرة غير مسبوقة؛ دافعت الخارجية الأمريكية عن طلبها من الكونجرس شطب الحركة الحوثية من على قائمة الإرهاب بهدف استئناف عمليات الإغاثة الإنسانية في البلاد التي تؤكد تقارير أممية ودولية أن الحوثيين يعملون على عرقلة وصولها إلى البلاد، بالإضافة لتبينها إدماج الحوثيين في عملية التسوية السياسية مستقبلًا في ضوء تعيين “تيم ليندركينغ” كمبعوث أمريكي خاص إلى اليمن. وفي المقابل، تؤكد الإدارة الأمريكية على مساعيها تعزيز الدفاعات السعودية لاعتراض الهجمات القادمة من اليمن، كما أطلقت القيادة المركزية الوسطى برنامج تدريب مشتركًا مع الجيش السعودي على اعتراض الدرونز الهجومية. وبشكل…

أحمد عليبة
رئيس وحدة التسلح

على الرغم من انتقاداتها للهجمات الحوثية على السعودية والتي تصاعدت في الآونة الأخيرة بوتيرة غير مسبوقة؛ دافعت الخارجية الأمريكية عن طلبها من الكونجرس شطب الحركة الحوثية من على قائمة الإرهاب بهدف استئناف عمليات الإغاثة الإنسانية في البلاد التي تؤكد تقارير أممية ودولية أن الحوثيين يعملون على عرقلة وصولها إلى البلاد، بالإضافة لتبينها إدماج الحوثيين في عملية التسوية السياسية مستقبلًا في ضوء تعيين “تيم ليندركينغ” كمبعوث أمريكي خاص إلى اليمن. وفي المقابل، تؤكد الإدارة الأمريكية على مساعيها تعزيز الدفاعات السعودية لاعتراض الهجمات القادمة من اليمن، كما أطلقت القيادة المركزية الوسطى برنامج تدريب مشتركًا مع الجيش السعودي على اعتراض الدرونز الهجومية.

وبشكل عام، تعكس المواقف الأمريكية الحالية تجاه اليمن محاولة احتواء الأزمة اليمنية من خلال وقف الحرب التي تبدو هدفًا استراتيجيًا في المقام الأول، بالنظر لتداعياتها الإنسانية الصعبة باعتبارها أصعب أزمة إنسانية في العالم في الوقت الراهن. وبالتالي، يمكن القول إن الإدارة تتبنى -من جانب آخر- الفصل بين “الحرب” و”عملية التسوية” بالنظر إلى أن الاستحقاق المباشر لوقف الحرب هو حل معضلة الوضع الإنساني وليس حل الأزمة السياسية بين الشرعية والمتمردين الحوثيين، والتي قد تستغرق وقتًا أطول زمنيًا في ظل التعقيدات المركبة للحالة اليمنية كحرب أهلية ذات أبعاد إقليمية، وهو منظور مختلف عن السياقات التي طرحتها الإدارة الأمريكية، سواء إدارة الرئيس “باراك أوباما” أو إدارة الرئيس “ترامب”، فالأولى اعتمدت استراتيجية التسوية السياسية كمدخل لوقف الحرب، والأخيرة اعتمدت سياسة ممارسة الضغط على الحوثيين من منظور أن الحرب اليمنية هي حرب بالوكالة تقودها إيران من خلال الوكيل الحوثي ضد خصومها الخليجيين وتحديدًا السعودية. 

استراتيجية الاحتواء

في هذا السياق، يمكن تصور أن اعتماد واشنطن استراتيجية الاحتواء مبني على دوافع وأسس ضمن تقييمها للحالة اليمنية بشكل عام، ومنها على سبيل المثال:

  • إنهاء حرب بلا نهاية: يبدو أن تقييم الإدارة الأمريكية للحرب في اليمن بعد 7 سنوات من اندلاعها أنها حرب بلا نهاية، في ظل قدرة أطرافها على مواصلة المعارك بلا توقف. بل على العكس فإن منحنى مستوى المعارك في تصاعد دائم، ويعكس قدرة الأطراف على تطوير قدراتهم الهجومية من مرحلة لأخرى، بما يجعل أي طرف غير قادر على تحقيق اختراق نوعي يحسم هذه الحرب، وبالتالي لن يخرج منها في النهاية طرف منتصر وآخر مهزوم. ولا يختلف سياق معركة الحرب عن سياق معركة التسوية، فعبر جولات متعددة في عواصم عديدة من جنيف إلى الكويت إلى استكهولم لم يحدث اختراق حقيقي في مسار التسوية يترجم ما يتم التوصل إليه من تفاهمات وصفقات سياسية إلى الميدان، وبالتالي هناك تعادل في المسارين يفاقم الأزمة ويجعل تبني خيار مقابل الآخر أمرًا من الصعب حسمه أو ضمان نتائجه.
  • محاولة تقويض الانخراط الإقليمي في الصراع: بإقصاء القوى المنخرطة عسكريًا في الأزمة عن الساحة اليمنية، فقد دعت الإدارة الأمريكية طهران إلى وقف دعمها العسكري للحوثيين، باعتباره يشكل تهديدًا لمصالحها ومصالح حلفائها في الخليج، وتلوح بحافز استنئاف التواصل مع طهران بشأن حل أزمة الملف النووي والعقوبات. وعلى الجانب الآخر، تمارس واشنطن ضغوطًا على التحالف لوقف العمليات العسكرية في اليمن، منها: إنهاء الدعم اللوجستي للتحالف، وتجميد صفقات الأسلحة الأمريكية، ودفع الحلفاء الأوروبيين إلى حذو النهج ذاته. وفي المقابل، تقدم واشنطن أيضًا حافزًا لقوى التحالف بأخذ مخاوفهم من المهددات الإيرانية في الإقليم في الاعتبار، إلى جانب تحسين الدفاعات العسكرية السعودية باعتبارها المتضرر الرئيسي من الهجمات الحوثية، وهو ما يعني التعامل مع هذا الملف باعتباره أمن حدود، كما يعكس -من جانب آخر- أنه لا ضمانات محتملة لوقف تلك الهجمات بشكل مستدام. 
  • إدارة الأزمة السياسية: على الأرجح لا تمتلك الإدارة الأمريكية حلًا سياسيًا للأزمة اليمنية، على الرغم من تعيين مبعوث خاص. وعلى الرغم من الزيارة التي قام بها ليندركينغ إلى الرياض، والحديث عن تناول إمكانية الحل السياسي، لكن لا يزال من المبكر القول إن هناك رؤية تبلورت في هذا الصدد. وبالتالي، المتصور أنه في المدى القريب والمتوسط ربما ستسعى الإدارة الأمريكية إلى إدارة الأزمة سياسيًا من خلال دور المبعوث الأمريكي، ولكن على المدى البعيد من الممكن أن تساهم جهود وقف الحرب في طرح عملية تسوية بالمشاركة مع جهود الأمم المتحدة وعبر الوساطات مع القوى الإقليمية، ودفعهم إلى تحويل فائض الانخراط العسكري على الساحة اليمنية إلى جهود الوساطة من أجل التهدئة ومن ثم التسوية.

معالجة إشكالية 

ينطوى الطرح الأمريكي للأزمة اليمنية على معالجة إشكالية للأزمة اليمنية، فلا يمكن المجادلة في تداعيات المأساة الإنسانية التي خلفتها الحرب في اليمن، لكن حتى الآن لا يزال قرار وقف الحرب هو قرار سياسي نابع في المقام الأول من معطيات سياسية خاصة بموقف الإدارة الحالية من الإدارة السابقة، واستثمار العنوان الإنساني ووقف الحرب داخليًا في معترك سياسي بين إدارتين، على الرغم من أن الولايات المتحدة ليست منخرطة بشكل مباشر في الحرب على نحو ما كان عليه الأمر -على سبيل المثال- في العراق.

الأمر الآخر هو أن المقدمات لا تؤدي إلى النتائج، فقد تخلّت الولايات المتحدة عن ورقة ضغط على الحوثيين بقرار الشطب بلا مقابل فعلي. ففي المقابل، اكتفى الحوثيون بالترحيب بالقرار باعتباره “تصحيحًا لوضع مخل”، كذلك فإن الحديث عن أن قرار الشطب سيقابل بتراجع الحوثيين عن عرقلة المساعدات الإنسانية هو أمر غير دقيق، لأن المليشيا عطلت حركة وصول الرحلات الإنسانية إلى مطار صنعاء في مطلع العام الجاري بدافع تعليق “الخدمات الثنائية” في إطار التفاهمات مع البعثة الدولية للسماح لها بوصول المشتقات النفطية عبر ميناء الحديدة مقابل إدخال المساعدات الإنسانية. كذلك فإن الميليشا الحوثية نفسها وباعتراف التقارير الدولية ستُضطر إلى التراجع جبرًا، لأنها تستغلّ نسبةً من تلك المساعدات في إعادة توجيهها الى الجهد الحربي، وبالتالي كان إغلاقها مطار صنعاء هو إغلاق مؤقت، الأمر الآخر الذي استدركته الخارجية الأمريكية في ظل التصعيد الحالي على جبهة مأرب سيدفع 2 مليون يمني إلى النزوح الداخلي، وبالتالي حتى رفع العراقيل عن المساعدات الإنسانية ليس هو الحل، طالما أن الإدارة الأمريكية لا تمتلك أوراق ضغط على الحوثيين لوقف الحرب في الداخل أولًا.

كذلك على المستوى الإقليمي، سحبت الولايات المتحدة دعمها للتحالف في الحرب في اليمن، وفي الوقت ذاته، طالبت إيران بوقف الدعم العسكري للحوثيين، لكنها فعليًا لا تمتلك أيضًا أدوات ضغط على إيران لوقف إمدادات الأسلحة إلى اليمن، حيث لا تزال أدوات الرقابة والسيطرة على محدودة للغاية، ويبدو من حالة التصعيد الحالية أن الحوثيين يمتلكون مخزونًا استراتيجيًا من تلك الأسلحة، وتراهن عليه في تحويل مسار المعركة من عملية الاستنزاف الدائمة للقوات المشتركة والتحالف إلى تحقيق تقديم نوعي على الجبهة الاستراتيجية في المعركة كتكتيك استباقي لفرض أي شروط في المستقبل.

في الأخير، يمكن القول إن قوة الدبلوماسية الأمريكية التي أشار الرئيس “بايدن” لها وكررها أكثر من مرة في خطابه أثناء زيارة مقر الخارجية الأمريكية، والذي احتل الملف اليمني فيه أولوية لافتة للانتباه لدرجة تجاهل ملفات أكثر أهمية في السياسة الخارجية الأمريكية؛ لا تزال قوة هذه الدبلوماسية محل اختبار. كذلك يمكن القول إن هناك شكوكًا في مدى فاعلية استراتيجية الاحتواء التي تنتهجها الإدارة تجاه الأزمة اليمنية، بالنظر إلى غياب أدوات القوة التي يمكنها دفع الأطراف إلى الحل، وعلى الأرجح ستُطور الإدارة الأمريكية موقفها الحالي في صعوبة استجابة أطراف الأزمة للطرح الأمريكية قبل أن يحدث متغير هائل يمثل حافزًا مقبولًا ويدفع كافة الأطراف للحل.

أحمد عليبة
رئيس وحدة التسلح