وحدة الدراسات الأمريكية

“الحليف المزعج”: هل يغير “بايدن” معادلة العلاقات مع أنقرة؟

استمرت تركيا بوصفها “فاعلًا أوراسيًا” لأكثر من سبعة عقود كحليف مهم للولايات المتحدة، بطريقة ساهمت في جعل العلاقات بين البلدين بمثابة “شراكة استراتيجية”. وعلى الرغم من ذلك، فقد اتجهت العلاقات صوب التوتر منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016، وحوت سجلًا مختلطًا من الخلافات المعلنة والتفاهمات التي تجري تحت الطاولة خلال فترة حكم الرئيس “دونالد ترامب”، الذي جمعته علاقات شخصية بالرئيس التركي “رجب طيب أردوغان”، الأمر الذي دفع بعض التحليلات إلى اعتبار حالة “التقارب الممزوجة بالتوترات” بين البلدين في طريقها للاندثار في مقابل بروز نمط تصادمي شديد، ولا سيما مع وصول الرئيس الديمقراطي “جو بايدن” الذي يبدو -بنظرة أولية– أنه يحمل…

مها علام
باحث بوحدة الدراسات الأمريكية

استمرت تركيا بوصفها “فاعلًا أوراسيًا” لأكثر من سبعة عقود كحليف مهم للولايات المتحدة، بطريقة ساهمت في جعل العلاقات بين البلدين بمثابة “شراكة استراتيجية”. وعلى الرغم من ذلك، فقد اتجهت العلاقات صوب التوتر منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016، وحوت سجلًا مختلطًا من الخلافات المعلنة والتفاهمات التي تجري تحت الطاولة خلال فترة حكم الرئيس “دونالد ترامب”، الذي جمعته علاقات شخصية بالرئيس التركي “رجب طيب أردوغان”، الأمر الذي دفع بعض التحليلات إلى اعتبار حالة “التقارب الممزوجة بالتوترات” بين البلدين في طريقها للاندثار في مقابل بروز نمط تصادمي شديد، ولا سيما مع وصول الرئيس الديمقراطي “جو بايدن” الذي يبدو -بنظرة أولية– أنه يحمل موقفًا معاديًا للرئيس التركي والسياسات التركية. 

الحليف المزعج

جادل “جاليب داليي” Galip Dalay في مقالٍ له بموقع معهد بروكنجز بأن “العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا شهدت تاريخًا طويلًا من التعقيدات، مما يعني عدم وجود عصر ذهبي للعلاقات يُمكن الإشارة إليه. ومع ذلك، حتى وفقًا لهذه المعايير، كانت السنوات الأخيرة سيئة للغاية”. علاوة على ذلك، فقد اتجهت بعض التحليلات إلى اعتبار أن التغير في معادلة العلاقات بين واشنطن وأنقرة اتخذت طريقها نحو التغيير، ولن تعود إلى سابق عهدها.

تعود جذور حالة الخلاف الحالية التي تخيم على العلاقات بين واشنطن وأنقرة -على الأرجح- إلى 15 يوليو 2016، أي مع محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا. فقد توقعت الحكومة التركية حصولها على بيان شديد اللهجة من واشنطن يدين محاولة الانقلاب. ورأى حزب “العدالة والتنمية” في رد الفعل الأمريكي البطيء رغبة باطنة، إن لم تكن دعمًا صريحًا، لمحاولة الانقلاب؛ الأمر الذي عزز من تقارب أنقرة مع موسكو وحفزها على شراء منظومة S-400. 

وفي أكتوبر 2019، شنت تركيا هجمات عسكرية ضد مواقع لقوات سوريا الديمقراطية الحليفة لواشنطن، والتي لعبت دورًا كبيرًا في مقاتلة “داعش” في أعقاب الانسحاب المفاجئ للقوات الأمريكية الذي دعا إليه الرئيس “ترامب”، حيث تعتبر أنقرة وحدات حماية الشعب الكردي (المكون الرئيسي لقوات سوريا الديمقراطية) جماعةً إرهابية على صلة بحزب العمال الكردستاني. وردًا على ذلك، أفادت “دويتش فيلا” الألمانية بأن الجيش الأمريكي أعلن إغلاقه المجال الجوي السوري أمام الطائرات الحربية التركية، كما حذر مسئولون أمريكيون -آنذاك- أنقرة من أي عملية عسكرية كبرى.

أما في نوفمبر 2019، فقد وقّعت تركيا اتفاقية ثنائية مع حكومة الوفاق بليبيا بشأن الحدود البحرية مقابل اتفاق أمني يضم مدربين ومستشارين عسكريين وإمدادات عسكرية، الأمر الذي أثار حفيظة حلفاء واشنطن الأوروبيين قبرص واليونان، بل والاتحاد الأوروبي بأكمله. واستمرت عمليات تسليم الأسلحة الضخمة من تركيا جوًا وبحرًا إلى حكومة الوفاق الليبية بالرغم من التزام أنقرة بمخرجات مؤتمر برلين، يناير 2020، التي تحظر توريد الأسلحة إلى جميع أطراف الليبية.

كما قامت أنقرة بنشر قواتها البحرية لدعم أنشطة البحث والتنقيب في المياه المتنازع عليها بشرق المتوسط، مما تسبب في وقوع حادث كبير مع فرقاطة يونانية في أغسطس 2020، أعقبته جهود الناتو لإنشاء آلية لفض الاشتباك بين أثينا وأنقرة. وفي سياق موازٍ، أعلنت تركيا، في نوفمبر 2020، أن الجهود المبذولة للتفاوض على اتفاق شامل لقبرص أصبح بلا جدوى، معتبرة أن حل الدولتين هو خيارها المفضل، رافضة النموذج الفيدرالي. وتعقيبًا على ذلك، نددت جمهورية قبرص بالزيارة التي قام بها “أردوغان” لقبرص الشمالية، معتبرة إياها “استفزازًا غير مسبوق”.

خلال فبراير ومارس 2020، سمحت وزارة الداخلية التركية بوصول حوالي 135 ألف مهاجر إلى حدودها البرية مع اليونان، عبر وعد كاذب بحدود مفتوحة مع الاتحاد الأوروبي؛ الأمر الذي بدا كوسيلة ضغط بسبب تضامن الاتحاد الأوروبي مع اليونان. في غضون ذلك، قال ثلاثة دبلوماسيين من حلف شمال الأطلسي، في 17 يونيو 2020، إن تركيا تواصل عرقلة خطة دفاعية للحلف من أجل بولندا ودول البلطيق بالرغم من الاتفاق الذي أٌبرم العام الماضي. وقال الدبلوماسيون إن أنقرة وافقت على خطة “النسر المدافع”، لكنها لم تسمح للقادة العسكريين في الحلف بالشروع في التنفيذ.

إدارة “بايدن”.. تبدو أكثر حسمًا

على الرغم مما بدا كحالة توتر في العلاقات بين واشنطن وأنقرة خلال إدارة “ترامب”؛ إلا أن بعض التحليلات تؤكد أن العلاقات الشخصية بين “ترامب” و”أردوغان” لعبت دورًا كبيرًا في تقليل الضغط على أنقرة، وإفساح المجال أمامها للتحرك بحرية. فقد أفاد “جون بولتون” -المستشار السابق للأمن القومي الأمريكي- في كتابه “الغرفة التي شهدت الأحداث” بأن “ترامب” قال لـ”أردوغان” إنه “صديقه الحميم”. كما قدم الكتاب صورة مفصلة عن التفاهمات التي جمعت الرئيسيين، وعن نجاح “أردوغان” في توظيف هذه التفاهمات لتحقيق أهدافه. الأمر الذي يحمل افتراض عامًّا مفاده أن تغير الإدارة الأمريكية يحمل تغيرًا مماثلًا في سياسة واشنطن تجاه أنقرة؛ غير أن إدارة “ترامب” كانت قد اتّجهت صوب التشدد في موقفها أكثر تجاه تركيا في أيامها الأخيرة. في 14 ديسمبر 2020، أعلنت واشنطن فرض عقوبات على أنقرة عبر قانون مكافحة خصوم أمريكا من خلال العقوبات (CAATSA) بسبب شرائها منظومة S-400. لذا، يتضح أن الأزمة المرتبطة بمنظومة S 400، هي أبرز قضية خلافية بين البلدين تتطلب مزيدًا من التراجع من الجانب التركي.

أما فيما يتعلق بــــ”بايدن” فهو يتبنى نبرة معادية لتركيا، إذ أدلى بتصريحات لصحيفة “نيويورك تايمز” -خلال الاستعداد للانتخابات الرئاسية الأخيرة- وصف فيها “أردوغان” بالمستبد، منددًا بسياسته تجاه الأكراد، وداعيًا إلى دعم المعارضة. علاوة على ذلك، فقد أدلى بتصريحات -أثناء تقلده منصب نائب الرئيس- في أكتوبر 2014، أشار فيها إلى أن أنقرة ساعدت في بناء (داعش). وخلال حملته الانتخابية، أدان “بايدن” قيام “ترامب” بسحب القوات الأمريكية من شمال سوريا، واصفًا هذا التحرك بكونه خيانة للأكراد. ولفت إلى أن أنقرة “يجب أن تدفع ثمنًا باهظًا” لحملتها العسكرية على الأكراد في سوريا، معربًا عن قلقه بشأن احتفاظ واشنطن بأسلحة نووية في تركيا. 

علاوة على ذلك، فقد انضم “بايدن” إلى عدد من النواب الديمقراطيين الذين أدانوا قيام أنقرة بشن عملية “نبع السلام”. وفي تصريحاته لصحيفة “نيويورك تايمز” لفت “بايدن” إلى إمكانية التعاون مع حلفاء واشنطن لعزل تركيا في المتوسط بسبب المناوشات المتكررة التي تقوم بها ضد قبرص واليونان، وتدخلها في ليبيا طمعًا في ثروات غاز المتوسط.

وفي جلسة الاستماع الخاصة التي عُقدت في 19 يناير، أشار وزير الخارجية الأمريكي “أنطوني بلينكن” إلى تركيا باعتبارها “شريكًا استراتيجيًا مزعومًا” ردًا على سؤال حول شراء تركيا لمنظومة S-400. وفي هذا السياق، أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية بيانًا خلال الأسبوع الأخير من شهر يناير انتقدت فيه الإجراءات التركية المخالِفة لحقوق الإنسان، لا سيما واقعة إعادة القبض على عدد من المعارضين بعد تبرئتهم من قبل المحكمة.

كما زاد من حرج الموقف التركي، تعيين “بريت ماكجورك”، المقرب من الأكراد، منسقًا لشئون الشرق الأوسط وإفريقيا في مجلس الأمن القومي؛ كونه عمل في عهد الرئيس “أوباما” منسقًا للتحالف الدولي ضد “داعش”، وأيَد مسألة تسليح الأكراد التي أثارت غضب أنقرة، ودفعتها للقيام بحملة ضده انتهت باستقالته في نهاية 2018. 

وفي 6 فبراير الجاري، أعلن “جون كيربي”، المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية، أن إدارة الرئيس “بايدن” لن ترفع الحظر الذي فرضته إدارة سلفه “ترامب” عن شراء تركيا مقاتلات “إف-35″، ردًا على شرائها منظومة S400. مضيفًا أن تركيا حليف قديم في “الناتو”، لكن قرارها شراء “S 400” لا يتوافق مع التزامات تركيا كحليف لواشنطن وحلف “الناتو”.

ولعل كل هذه الأمور هي السبب الرئيسي الذي دفع تركيا إلى إعادة النظر في سياساتها المحفزة للخلافات، وبدا أول ملامح التغير في وقف عمليات التنقيب بالمناطق المتنازَع عليها مع قبرص، وبدء مباحثات مع اليونان في 25 يناير الماضي. علاوةً على ذلك، دعا “أردوغان” لفتح صفحة جديدة من العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وإحياء فكرة انضمام تركيا إليه.

هل تتشكل ملامح نهج جديد؟

استنادًا إلى المؤشرات السابقة يتضح –عبر نظرة أولية– أن العلاقات بين واشنطن وأنقرة على شفا مرحلة جديدة تتخذ فيها واشنطن موقفًا أكثر تشددًا تجاه أنقرة لثنيها عن الاستمرار في مواقفها العدوانية وسياستها المثيرة للخلافات. وانطلاقًا من ذلك، تعني رئاسة “بايدن” ترسيخ الخطاب المعادي لتركيا، وبالأخص مع سيطرة الحزب الديمقراطي على الكونجرس والبيت الأبيض على السواء؛ إذ تبدو إدارة “بايدن” أكثر ميلًا للأكراد في شمال سوريا، وأكثر تعاطفًا مع اليونان وقبرص في شرق المتوسط، وأكثر اقتناعًا بضرورة فرض عقوبات على تركيا، كما تبدو أكثر تنديدًا بالخطى غير الليبرالية والمناهضة للديمقراطية التي تسير عليها أنقرة، كانتهاكات حرية الصحافة، وقانون وسائل التواصل الاجتماعي.. وغيرها.

بالنظر إلى العلاقات تاريخيًا، يتضح أن العلاقات بين البلدين لم تكن على وئام دائم، فمتلازمة الشد والجذب قد غلفت العلاقات بين واشنطن وأنقرة في أكثر من مناسبة؛ إذ سحبت إدارة “جون كينيدي” صواريخ “جوبيتر” من تركيا في أبريل 1963. وبعد احتلال تركيا لقبرص، حظرت واشنطن السلاح الأمريكي على أنقرة؛ كما ساهمت المساعدات العسكرية الأمريكية لليونان في التصدي لطموحات أنقرة في بحر إيجه؛ إلا أن التهديد السوفيتي أدى إلى تجاوز كل هذه الخلافات، وساعد على تقوية العلاقات. 

لذا، يصعب الافتراض بانتهاء الشراكة الاستراتيجية وتحول العلاقات بين البلدين إلى حالة من العداء التام بسبب فوز “بايدن”. وفي هذا السياق، يتضح أن سياسة إدارة “بايدن” تجاه أنقرة ستسير وفقًا لمعادلة تحكمها عدد من العناصر:

ينصرف أولها إلى عناصر قوة الدولة التركية: تتمتع تركيا بمقومات كبيرة تجعل من الصعب استبدالها بحليف آخر؛ إذ تمتلك تركيا موقعًا جيوسياسيًّا يمكّنها من ربط آسيا بأوروبا، كما يسمح لها بمد نفوذها داخل أغلب الساحات المهمة بالشرق الأوسط، والبلقان، والقوقاز، والبحر الأسود، وآسيا الوسطى، وتتحكم في مضيقي “البوسفور” و”الدردنيل”. علاوة على ذلك، تمتلك تركيا حدودًا مع كل من سوريا والعراق وإيران، كما تعد فاعلًا رئيسيًّا في معظم الساحات الساخنة بالشرق الأوسط، سواء في العراق، وإيران، ولبنان، والقضية الفلسطينية، وسوريا، وليبيا، وشرق المتوسط. كما تعد أنقرة القناة المناسبة لتحقيق التقارب في الرؤى بين واشنطن وطهران، ولا سيما مع تزايد رغبة “بايدن” في اتباع نهج أكثر تعقلًا وبراجماتية مع طهران، ويرجع ذلك إلى كون أنقرة الساحة التي تعتمد عليها طهران –بقدر ما– للالتفاف على العقوبات الأمريكية.

إضافة إلى ذلك، فإنها ليست فقط الدولة المسلمة الوحيدة في “الناتو”، ولكنها تملك ثاني أكبر جيش في “الناتو”، وتضم قواعد عسكرية ومراكز للرصد والإنذار المبكر والاتصالات اللا سلكية، ونظم التجسس وجمع المعلومات، أهمها القاعدتان الجويتان “إنجرليك” و”قونيا”، وقيادة القوات البرية التابعة لحلف الناتو في “أزمير”، ونظام رادار الإنذار المبكر الأمريكي في “كوريسيك” الذي يعد جزءًا من نظام الدفاع الصاروخي لحلف الناتو في أوروبا، وقاعدة “سينوب” التي تحوي رادارات بعيدة المدى ونظم اتصال متطورة،”. 

يتصل ثانيها بسردية الدولة التركية القوية: استطاع حزب العدالة والتنمية منذ وصوله للحكم تحفيز المشاعر القومية لدى الشعب التركي؛ وحتى القطاعات العلمانية التي ترفض الصبغة الإسلامية لمشروعه تؤمن وتعتز بالدولة التركية القوية ذات الكلمة المسموعة على الساحة الدولية. لذا، اتجهت بعض التحليلات إلى اعتبار أن الإخفاقات التي تواجهها السياسة الداخلية قد دفعت أنقرة إلى تركيز خيارات سياستها الخارجية على الموضوعات التي تشهد إجماعًا داخليًّا، مثل: التمرد الكردي، وحقوق تركيا في شرق المتوسط، وحقوق القبارصة الأتراك، وحقوق أذربيجان في إقليم ناجورنو كاراباخ؛ مما يعني أن أحزاب المعارضة التركية لا تحمل مشروعًا خارجيًا بديلًا لمشروع “أردوغان” من حيث المضمون، لكنها تحمل المشروع نفسه بملامح متمايزة. 

ويأتي هذا التأثير انطلاقًا من التسويق للمكانة الدولية الكبرى التي باتت أنقرة تتمتع بها. في حديثه بيوم النصر 2020، قال “أردوغان”: “نحن مصممون على الترحيب بعام 2023، الذكرى المئوية للجمهورية، كدولة أقوى اقتصاديًا وعسكريًا وسياسيًا وأكثر استقلالًا وازدهارًا”؛ مشيرًا إلى الإنجازات الحاسمة “من سوريا إلى ليبيا، ومن البحر الأسود إلى البحر المتوسط”. وعليه، يتضح أن سعي الإدارة الأمريكية لدعم المعارضة في وجه “أردوغان” لن يعدل بالضرورة من السياسة الخارجية التركية في ظل إدارة جديدة، وإنما قد يدفعها فقط إلى تغيير إطارها الإسلامي.

يستند ثالثها إلى خصوم واشنطن: من جانب، يُمكن النظر لأنقرة بوصفها “موازنًا استراتيجيًّا” لمواجهة الدور المتزايد الذي يسعى خصوم واشنطن للعبه، لا سيما روسيا والصين، وتزداد أهمية هذا الدور مع اتساع رغبة واشنطن في تقليل انخراطها الخارجي بطريقة تتطلب الاستناد إلى وكيل موثوق فيه يستطيع ملء هذا الفراغ. وعليه، تدرك واشنطن أن تزايد الهوة بينها وبين أنقرة قد يدفعها لمزيد من التقارب مع خصوم واشنطن بطريقة تضر بالمصالح الأمريكية.

وفي هذا السياق، يتضح أن الوجود التركي في الساحات المشتعلة التي تتواجد بها موسكو، تعني –بشكل أو بآخر– وجود فاعل غربي في وجه موسكو، حتى وإن سعت أنقرة للتفاهم مع موسكو بشأن مصالحها الخاصة. علاوة على ذلك، يبدو أن أنقرة تسعى لاستخدام “كارت” التقارب مع الصين، من أجل الضغط على واشنطن بشكل خاص، والغرب بشكل عام؛ عبر إرسال رسالة مفادها أنها لا تزال تملك البديل الذي سيدعمها اقتصاديًا، بل ويدعم دورها الإقليمي في آسيا. 

ينطلق رابعها من المصالح الأمريكية في جنوب القوقاز وبحر قزوين والبحر الأسود: على الرغم مما بدا كخلافات بين واشنطن وأنقرة في بعض الساحات كشمال سوريا وشرق المتوسط وليبيا، تبدو منطقتا القوقاز والبحر الأسود محفزًا للتطوير الإيجابي للعلاقات وفتح مجالات أرحب للتعاون. فمنذ تولي “فلاديمير بوتين” رئاسة روسيا بدأت التحركات الروسية تثير حفيظة القوى الغربية بشكل عام، وواشنطن بشكل خاص، بدايةً من أزمة أوكرانيا، والسعي الروسي لاستعادة النفوذ في الدول التي كانت تحت إمرة الاتحاد السوفيتي، ووصولًا لسعيها إلى الاتفاق مع الدول المُطلة على بحر قزوين على عدم إدخال قوى أجنبية (أي قوات حلف الناتو) إلى البحر. وعليه، يتضح أن تركيا هي الحليف الأقرب للمنطقة والأنسب للتدخل في التفاعلات هناك بطريقة تحمي المصالح الأمريكية.

أما في البحر الأسود، فأصبحت المؤشرات تُشير إلى توسع النفوذ البحري لموسكو هناك بطريقة لا تشكل تحديًا لتركيا فقط، بل وللمنظومة العسكرية لحلف “الناتو”. في عام 2010، نشر “الناتو” رادار الإنذار المبكر للمنطقة الجنوبية من الدرع الصاروخي في قاعدة “كورجيك” التركية، وهو ما اعتبرته موسكو تحركًا يهدف إلى التضييق على محاولاتها للضغط على أذربيجان وجورجيا. وبداية من عام 2018، اتخذت واشنطن بعض الخطوات لتعزيز وجودها هناك، إذ تضمنت ميزانية الدفاع الأمريكية لعام 2019 حوالي 27 مليون دولار لتحديث البنية التحتية في رومانيا وبلغاريا. وفي نوفمبر 2018 -ردًّا على حادثة مضيق كيرتش- قامت واشنطن بزيادة مهام المراقبة العسكرية برومانيا، عبر نشر حاملة الطائرات “يو إس إس فورت ماكهنري” للمشاركة في المناورات البحرية المشتركة مع رومانيا. ولكن يبدو أن حلفاء واشنطن الآخرين من الدول المطلة على البحر الأسود لا ترغب في التصادم مع موسكو، ويدور جل أملها في فلك تعزيز أمنها فقط، لذا تظل تركيا هي الفاعل الأنشط هناك، كونها تمتلك قدرات بحرية هائلة، فضلًا عن مسئوليتها عن المرور البحري من خلال سيطرتها على المضائق التي تربط البحرين الأسود والمتوسط.

مجمل القول، إنه على الرغم من تراجع عامل الثقة بين واشنطن وأنقرة وتزايد حدة التوترات بين البلدين، فإنه بالنظر إلى المتغيرات التي ستحكم معادلة العلاقات -السابق الإشارة إليها- يبدو أن واشنطن لن تسعى إلى المواجهة الحادة ضد أنقرة؛ كما سيظل كلا الطرفين يُدرك أهمية علاقته بالآخر، وضرورة تعظيم التفاهمات والمصالح المشتركة، مما يتطلب من كلا الطرفين التخلي عن بعض التشدد في المواقف. 

وعليه، يتضح أن الخلافات التي تتصدر العلاقات بين واشنطن وأنقرة لا تعني وصول العلاقات إلى حالة العداء، بل على العكس ستظل هناك جملة من التفاهمات والمصالح التي توجه بوصلة العلاقات بينهما. وارتباطًا بهذا، دعا “جاليب داليي Galip Dalay” إلى وضع أرضية وسط جديدة بين البلدين لا تقوم على الأدوات المفاهيمية السابقة -مثل التحالف الاستراتيجي أو الشراكة النموذجية- لأن مثل هذه الأطر المفاهيمية تخلق فجوة بين التوقعات والواقع، بل يجب أن يكون الشكل الجديد للعلاقة أكثر تفاعلية، ومرتبطًا بأهداف وحدود محددة بوضوح.

مها علام
باحث بوحدة الدراسات الأمريكية