وحدة الدراسات الأوروبية

روسيا.. النظام ما زال قويًا

تعرض النظام الروسي لهزة قوية منذ بداية السنة الحالية مع تداعيات ملف المعارض “أليكسي نافالني” والمظاهرات التي تلت اعتقاله. ولكن يبدو واضحًا أنه تخطى هذه الأزمة وخرج منها سالمًا رغم عدد هام من الخسائر “المعنوية”، وازدياد حدة النقمة الشعبية والدولية ضده. “أليكسي نافالني” معارض شاب (من مواليد سنة ١٩٧٦) سطع اسمه في نهاية ٢٠١١ لدوره في تنظيم المظاهرات المعادية للنظام، ثم استمر صعوده مع توليه رئاسة حزب معارض غير اسمه عدة مرات (الاسم الحالي “روسيا المستقبل”). ومع اهتمام الرأي العام الروسي المتزايد بمجهوداته لمقاومة الفساد، ولتحقيق الشفافية في الميزانية والمعاملات الحكومية وفي إدارة الشركات الروسية الكبرى، وهو نضال بدأ سنة…

د. توفيق أكليمندوس
رئيس وحدة الدراسات الأوروبية

تعرض النظام الروسي لهزة قوية منذ بداية السنة الحالية مع تداعيات ملف المعارض “أليكسي نافالني” والمظاهرات التي تلت اعتقاله. ولكن يبدو واضحًا أنه تخطى هذه الأزمة وخرج منها سالمًا رغم عدد هام من الخسائر “المعنوية”، وازدياد حدة النقمة الشعبية والدولية ضده.

“أليكسي نافالني” معارض شاب (من مواليد سنة ١٩٧٦) سطع اسمه في نهاية ٢٠١١ لدوره في تنظيم المظاهرات المعادية للنظام، ثم استمر صعوده مع توليه رئاسة حزب معارض غير اسمه عدة مرات (الاسم الحالي “روسيا المستقبل”). ومع اهتمام الرأي العام الروسي المتزايد بمجهوداته لمقاومة الفساد، ولتحقيق الشفافية في الميزانية والمعاملات الحكومية وفي إدارة الشركات الروسية الكبرى، وهو نضال بدأ سنة ٢٠٠٨ وتميز “نافالني” سريعًا بإجادته استعمال المواقع الاجتماعية، وبتدقيقه في المعلومات التي يذكرها، وبروحه الفكاهية، وبقدرته على توجيه اتهامات محددة لعدد كبير من الشخصيات الكبيرة في النظام، منها من هو قريب جدًا للرئيس “بوتين”.

وبإجماع الخبراء الغربيين، يعتبر “نافالني” المعارض الوحيد الذي له حضور وأنصار في كل أنحاء البلاد، على الأقل في كل المدن. الباقون لهم نفوذ في محافظة أو اثنتين. وهو خطيب مفوه، له قدرة فذة على كسب تأييد الجمهور وعلى إضحاكه. ولا يوجد مثله لا في صفوف النظام ولا المعارضة. ولكن نفوذه هذا لا يعني أنه قادر على منافسة الرئيس “بوتين” في انتخابات. فهذا الهدف ما زال بعيد المنال.

في أغسطس ٢٠٢٠ تعرض لمحاولة قتل بالسم، وتم استخدام نوع من السم لجأت إليه المخابرات الروسية في الماضي، وتم ترحيله إلى ألمانيا حيث تم علاجه، وبعد شفائه وجه “نافالني” الاتهام إلى النظام الروسي والرئيس “بوتين” وجهاز الأمن الفيدرالي، ونجح في خداع ضابط من الجهاز ودفعه إلى سرد تفاصيل العملية في مكالمة تليفونية مسجلة. ولا توجد معلومات حول أسلوب خداع من تكلم مع “نافالني”، ولكن الأرجح أن جهازًا أو أجهزة غربية أو معادية لروسيا ساعدت المعارض الروسي على إجراء المكالمة من خلال خط آمن لأعضاء النظام الروسي تم اختراقه.

وفاجأ “نافالني” الجميع (أنصاره وغيرهم) عندما قرر العودة إلى روسيا رغم المخاطر على حريته وسلامته، وعاد فعلًا في ١٧ يناير 2021، وتم اعتقاله ومحاكمته محاكمة تم التنديد بها ورُفعت ضده قضايا أخرى. وفور اعتقاله قام فريقه المعاون بنشر فيلم وثائقي طويل عن حياة الترف التي يعيشها الرئيس “بوتين” وعن بعض أملاكه، منها قصر فخم وضخم وعن فساده هو وحاشيته، وهذا الفيلم شاهده أكثر من ١١٠ ملايين و٨٠٠ ألف شخص، وبسببه وبسبب اعتقال “نافالني” اندلعت مظاهرات احتجاجية في عموم روسيا يوم ٢٣ يناير 2021.

في موسكو مثلًا تجمع أربعون ألف شخص وفقًا لوكالة رويتر، ونشبت مظاهرات أصغر حجمًا في مائة وثلاثين مدينة روسية. ويمكن القول إن مئات الآلاف من الروس تظاهروا يومي ٢٣ يناير و٣١ يناير، وتم القبض على ٤٨٠٠ منهم.

أعداد المتظاهرين وعدد المدن التي تم التظاهر فيها ليس المؤشر الوحيد اللافت للنظر، كون هذه المظاهرات تمت في يناير رغم البرد القارص [سالب ٥٠ درجة مئوية في إيركوتسك مثلًا]. انطلاق عشرات الآلاف من الكلاكسات والأبواق تأييدًا للمتظاهرين في عدد من المدن هو ظاهرة جديدة توحي بأن الشارع المديني مع “نافالني”. نسبة “المستجدين في التظاهر” -ناس منها عدد كبير من أصحاب الأربعينيات- تشارك في مظاهرة لأول مرة في حياتهم نسبة مرتفعة. وأخيرًا وليس آخرًا ما جمع المتظاهرين ليس مطالب فئوية بل قضية سياسية.

أغلب من تحدث مع الصحافة الغربية من بين المتظاهرين قالوا إنهم صُدموا من فيديو القصر ومن مظاهر الفساد، في حين أن القدرة الشرائية للبسطاء ولأبناء الطبقة الوسطى في تراجع حاد وتآكل مستمر، وفي وضعٍ عادت فيه بعض المظاهر المرتبطة بالفقر.

ولكن هناك أيضًا تغييرات هامة في مدركات الجمهور، صورة المعارض الذي يعود إلى أرض الوطن رغم المخاطر ورغم العروض الغربية السخية، ويعود إيمانًا برسالة وبحقوق المواطنين التي خاطبت المخزون الأرثوذكسي للوعي الجمعي، فأصبح “نافالني” بطلًا بعد أن كان معارضًا هامًّا. وفي المقابل لم يعد “بوتين” رجل دولة من الطراز الأول، يجيد الدفاع عن مصالح روسيا، لم يعد ضابط المخابرات الوطني الساهر الذي لا ينام؛ بل جلادًا وطاغية وفاسدًا معزولًا عن الجماهير.

من الواضح أن النظام فقد تأييد الطبقات الوسطى المدينية، وأنه لن يسترده دون تغيير سياساته تغييرًا لا يريده وقد لا يقدر عليه، ومع ذلك يمكن القول إن النظام خرج منتصرًا من المواجهة وأنه ما زال قويًا، وإن تطورت سلطته من سلطة تستند إلى القوة المادية والشعبية وخطاب مقنع ونجاحات اقتصادية، إلى سلطة تستند إلى القوة المادية وخوف الجماهير من البطش من ناحية، ومن المجهول من ناحية أخرى، ومن الفوضى التي عرفتها روسيا أيام “يلتسين”. طبعًا يحقق النظام بين حين وآخر نجاحات هامة، منها سرعته في التوصل إلى مصل يبدو أنه ذو فاعلية مرتفعة، وهو نجاح سمح لبعض الغربيين بإطلاق تكهنات حول عمق ومتانة التعاون العلمي بين روسيا والصين. ولكن رغم ذلك يمكن القول إن إنجازاته ليست بالكم الذي يسمح أساسًا للشرعية.

نجح النظام في إدارة قمع المظاهرات تحت إشراف الجنرال “زولوتوف” صديق “بوتين” القديم وقائد الحرس الوطني وأحد رجال الكرملين الأقوياء، والمعروف عنه أنه قادر على المواجهات الأمنية الحاسمة، وعلى ممارسة قمع يعتقل ويسكت ولا يقتل. وأنه يكره “نافالني” كراهية عميقة دفعته إلى تحديه إلى “مبارزة”، وذلك في فيديو نشر في سبتمبر ٢٠١٨، ويبدو أنه قرر استخدام عصا غليظة خوفًا من تكرار سيناريو بيلاروس.

قبل المظاهرات أُلقيت تهديدات وتحذيرات من الاشتراك فيها في المدارس والمصانع وما إلى ذلك، ثم تم التعامل مع المتظاهرين بعنف، وبعد المظاهرات كثرت المحاكمات والعقوبات، بعضها مضحك الغرض منها التخويف، منها الحكم بالسجن على متظاهر لأنه ردد شعارات مناهضة للنظام بصوت عالٍ، وتم النطق بالحكم رغم إدراك الجميع أن هذا المتظاهر أصم أبكم. ورصد كل المراسلين فعالية السياسات والإجراءات القائمة على التخويف، وتحدثوا عن جو عام لم يُعرف منذ انهيار الاتحاد السوفيتي مظاهره متعددة ومتنوعة.

وبصفة عامة، يمكن القول إن الاحتجاج ما زال ظاهرة مدينية، وإن الريف لا يشارك فيها. وقد يتحدث البعض عن إرث عصور القهر والخوف، ولكن هناك تفسير يبدو أكثر واقعية، “نافالني” ورجاله يعتمدون أساسًا على المواقع الاجتماعية، وبالتالي على الإنترنت، بينما يتحكم النظام في الصحافة وفي الإعلام المرئي والمسموع، والإنترنت ليس متوافرًا في القرى كما هو في المدن. أي إن رواية النظام هي الوحيدة المتاحة في الريف. في السنوات الأولى تم تجاهل “نافالني” ولكن النظام اضطر إلى التعامل معه وإلى بث خطاب يصوره وكأنه عميل أمريكي.

ما هو غير معروف هو مدى إدراك الرئيس “بوتين” لحقيقة الصورة العامة، فهو معزول عن الجماهير وعن أغلب الكوادر، وهناك عدد كافٍ من الأنباء الطيبة (تلك المتعلقة بالمصل مثلًا، أو بعدم وقوع قتلى) ليقنعه معاونوه بقدر من المصداقية بأن كل شيء على ما يرام.

وعلى العموم فكل مبادرات وتحركات وتصريحات الرئيس الروسي توحي بأنه لا يريد أو لا يقدر على تغيير الخطوط العامة لسياساته رغم المأزق، تعدد الأزمات واستمرارها وتكلفتها، في القوقاز حيث تنافسه تركيا وربما إيران، وفي أوكرانيا وبيلاروس، وفي أنحاء البلاد والوجود المكلف جدًّا في سوريا، كل هذا مع استمرار العقوبات ضد نظامه وضد رموزه.

والطريقة المهينة التي تم التعامل بها مع السيد “جوزيف بوريل” -المسئول عن العلاقات الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي- دالة على رغبة في المواجهة. ففي أثناء زيارته إلى موسكو وهي الأولى لمسئول من الاتحاد الأوروبي منذ ثلاث سنوات، تم طرد ثلاثة دبلوماسيين أوروبيين (بولندي وألماني وسويدي) بزعم أنهم اشتركوا في المظاهرات المؤيدة لنافالني.

وكان المؤتمر الصحفي المشترك بين “بوريل” ووزير الخارجية الروسي “سيرجي لافروف” متوترًا ومهينًا. وصف موقع “بوليتيكو” أداء “بوريل” فيه بالكارثي، إذ يبدو أنه فوجئ بضراوة الهجوم، وبلهجة “لافروف”، وحدة أسئلة الصحفيين الروس وتنوعها. فقد استخدم “سيرجي لافروف” لغة بالغة الحدة لم يرد عليها “بوريل” بمثلها. اتهم “لافروف” الاتحاد الأوروبي بأنه “شريك لا يُعتمد عليه”، واتهم القادة الأوروبيين بالكذب فيما يتعلق بنافالني وبأوكرانيا وغيرها من القضايا، ودعاهم إلى بناء علاقات مع روسيا تتسم بالمهنية والواقعية والروح البناءة، وإلى عدم اللجوء إلى العقوبات وغيرها من أساليب “العصر الاستعماري”. وبعد عودته إلى بروكسل عبر “بوريل” عن استيائه، وقال إن روسيا غير مهتمة بوقف تدهور العلاقة بينها وبين أوروبا، وقال إن على أوروبا استخلاص النتائج من جراء هذا الموقف. وتحدث كثيرًا عن خيبة أمله لأنه اكتشف أن روسيا تعتبر الديمقراطية “خطرًا وجوديًّا” وقررت الابتعاد عن أوروبا.

وبتلافي التعليق على حديث “بوريل”، فمن الواضح أن الغربيين لا يدركون أن هناك من لا يقبل التدخل الفج في الشئون الداخلية، وأن حجة الأوروبيين في ذلك المسلك –أن الروس وغيرهم التزموا في مواثيق دولية باحترام حقوق الإنسان، وبالتالي أصبحوا ملتزمين بهذا تجاه الآخرين- لا تلقى قبولًا. وحرصهم على لقاء ودعم النشطاء يثير غضب المسئولين في عدد من الدول، ويبدو أن المسئولين الروس قدروا أن أوروبا تحتاج إليهم أكثر من حاجتهم هم إليها، لا سيما في ظل استمرار العقوبات (تحتاج إليهم مثلًا في ملفات المصل والمحيط المتجمد الشمالي وفي ليبيا وفي النووي الإيراني وفي سوريا)، وقد يكونون محقين في هذا التشخيص وقد لا يكونون. وأيًا كان الأمر فسلوكهم مع “بوريل” أحرج القادة الأوربيين (الفرنسيين والألمان تحديدًا) الذين حثوا “بوريل” على زيارة موسكو، وعلى بناء جسور تفاهم وتعاون والذين حرصوا على استمرار الحوار مع موسكو. ويرى أغلب المراقبين الأوروبيين أن السلوك الروسي مع “بوريل” رسالة إلى الرئيس الأمريكي الجديد، مفادها أنهم لا يخشون مواجهة معه، ولكنها قد تفهم هذه الرسالة بعكس ما يبتغون، وهي أن سياسة القوة معهم ضرورية.

د. توفيق أكليمندوس
رئيس وحدة الدراسات الأوروبية