وحدة الدراسات الأفريقية

القمة 34: الاتحاد الإفريقي في مواجهة تحديات جسيمة

حرص القادة الأفارقة على إجراء القمة العادية الـ34 لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الإفريقي، التي عُقدت افتراضيًا يومي 6 و7 فبراير 2021، تحت شعار “الفنون والثقافة والتراث: روافع لبناء إفريقيا التي نريد”. ويأتي انعقاد القمة افتراضيًا تنفيذًا لتوصيات تطبيق قواعد الإجراءات الاحترازية للوقاية الصحية من انتشار فيروس كورونا. ويوضح الشعار مدى مساهمة الفنون والثقافة والتراث كمحفزات لتنمية القارة الاجتماعية والاقتصادية، ويعود قرار اختيار شعار القمة الحالية إلى اجتماعات القمة الإفريقية الماضية في فبراير 2020، حيث شدد رؤساء الدول والحكومات على أهمية الثقافة والفنون والتراث في تحقيق أهداف أجندة 2063 للاتحاد الإفريقي. ونظرًا لأهمية شعار قمة هذا العام، عُقد منتدى افتراضي لوزراء…

هايدي الشافعي
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية

حرص القادة الأفارقة على إجراء القمة العادية الـ34 لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الإفريقي، التي عُقدت افتراضيًا يومي 6 و7 فبراير 2021، تحت شعار “الفنون والثقافة والتراث: روافع لبناء إفريقيا التي نريد”. ويأتي انعقاد القمة افتراضيًا تنفيذًا لتوصيات تطبيق قواعد الإجراءات الاحترازية للوقاية الصحية من انتشار فيروس كورونا. ويوضح الشعار مدى مساهمة الفنون والثقافة والتراث كمحفزات لتنمية القارة الاجتماعية والاقتصادية، ويعود قرار اختيار شعار القمة الحالية إلى اجتماعات القمة الإفريقية الماضية في فبراير 2020، حيث شدد رؤساء الدول والحكومات على أهمية الثقافة والفنون والتراث في تحقيق أهداف أجندة 2063 للاتحاد الإفريقي.

ونظرًا لأهمية شعار قمة هذا العام، عُقد منتدى افتراضي لوزراء الاتحاد الإفريقي المسئولين عن الفنون والثقافة والإرث حول استجابتهم لجائحة كورونا، في وقت سابق في مايو 2020، ركز المنتدى على مناقشة تأثير جائحة كورونا على قطاع الفنون والثقافة والتراث، والإجراءات العاجلة لدعم هذا القطاع في القارة، بما يتماشى مع استراتيجية إفريقيا للاستجابة للجائحة، وذلك تأكيدًا للدور الأساسي الذي يمكن أن يلعبه قطاع الفنون والثقافة والتراث في مساعدة الدول الأعضاء في الحد من تأثير جائحة كورونا على المشهد الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للقارة.

قضايا ملحّة على جدول أعمال القمة 

فرضت ظروف انتشار جائحة (كوفيد-19) على أجندة القمة الإفريقية أولويات معينة، أبرزها:

تطورات فيروس كورونا المستجد:

سيطر ملف فيروس كورونا على القمة الإفريقية الـ34، في ظل وجود أكثر من 3.5 ملايين إصابة بالفيروس في إفريقيا، مع عدم كفاية المسحات المتوفرة للدول الإفريقية، والعديد من الآثار الاقتصادية والاجتماعية السلبية التي عانت منها القارة خلال عام 2020 ولا تزال، ووسط مطالبات بالحصول العادل على اللقاحات، في ظل المآخذ الإفريقية على آليات توزيع اللقاحات عبر العالم، وهيمنة الدول الكبرى على حصة الأسد من اللقاح.

وفي إطار مبادرة الاتحاد الإفريقي لتوفير اللقاحات للدول الإفريقية غير القادرة وضمان عدالة التوزيع بين شعوب القارة، تعاقد الاتحاد على ما يزيد على 300 مليون جرعة، وهو رقم متواضع نسبيًا بالنسبة لاحتياجات القارة التي تتخطى 2.5 مليار جرعة.

وبالرغم من ذلك فمن غير المرجح الوفاء بتلك التعاقدات كاملة خلال العام الجاري، نظرًا لقيود التصدير التي فرضتها الدول المصنعة للقاحات، مما يدفع بملف فيروس كورونا ليكون حاضرًا كأولوية لدول القارة خلال عام 2021 لاتخاذ ما يلزم من إجراءات بشأنه، حيث التزم مؤتمر رؤساء الدول والحكومات خلال القمة بتعزيز الاستجابة الجماعية للأزمة، وحشد الموارد لصالح الجميع، والسعي لضمان عدم ترك أي دولة في الخلف.

منطقة التجارة الحرة الإفريقية:

كما ناقشت القمة الآليات والخطوات اللازمة لتسريع عملية المضي قدمًا في التعامل داخل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية التي بدأ العمل بها رسميًا في الأول من يناير 2021، وذلك نظرًا لما ستوفره المنطقة من مزايا لدول القارة، كخطوة أساسية في عملية التكامل الاقتصادي المنشود للدول الإفريقية، ويذكر أن هذا الإطلاق لا يزال رمزيًا، حيث إن أكثر من نصف الدول الإفريقية لم يودع صكوك التصديق على اتفاقية منطقة التجارة الحرة في الاتحاد الإفريقي بعد، ومن المتوقع أن يستغرق التنفيذ الكامل للاتفاق سنوات عديدة.

أزمة سد النهضة:

شغلت أزمة سد النهضة الاثيوبي حيزًا هامًا في مناقشات القمة الإفريقية الرابعة والثلاثين، فإلى جانب المناقشات في الجلسات المغلقة ظهرت أزمة السد بشكل واضح في الجلسة الافتتاحية والختامية من خلال كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسي الذي أكد خلالها ثقته في قدرة الاتحاد الإفريقي على المساهمة في دفع المساعي الرامية للتوصل إلى اتفاق قانوني شامل وعادل ومتوازن ومُلزم حول ملء وتشغيل سد النهضة، قبل تنفيذ المرحلة الثانية من عملية الملء، وبما يراعي مصالح وشواغل الدول الثلاث. كما أشار رئيس وزراء السودان عبدالله حمدوك في كلمته إلى خطورة أزمة سد النهضة، خاصة وأن السد يقع على مرمى حجر من الحدود السودانية، وهو ما يشكل تهديدًا لأمن وسلامة أكثر من عشرين مليون سوداني على ضفاف النيل الأزرق، بجانب الآثار الأخرى.

 الصراعات ومكافحة الإرهاب

برزت قضايا معتادة مثل الإرهاب في منطقة الساحل وخليج غينيا والقرن الإفريقي، والأزمة في ليبيا، بالإضافة إلى الأزمة الحدودية بين السودان وإثيوبيا، في مناقشات القادة الأفارقة خلال القمة العادية الـ34. وبصورة مستمرة تنشد دول الاتحاد الإفريقي تحقيق الأمن والاستقرار والازدهار والانطلاق نحو آفاق التقدم، فيما تعيقها أصوات البنادق التي تخرج من بين ثنايا الصراعات والنزاعات والإرهاب، حيث جاء شعار القمة الماضية “إسكات البنادق”، وهو الشعار الذي ظل مستمرًّا في نقاشات أجندة قمة 2021، نتيجة استمرار الصراعات والنزاعات وانتشار الإرهاب على نطاق واسع، وضاعفت ظروف جائحة انتشار فيروس كورونا من حدة الأزمة، على الرغم من الجهود المبذولة لإسكات البنادق، فلا تزال تلك الجهود غير كافية وربما ستحتاج القارة الإفريقية إلى عدة سنوات إضافية للسيطرة على الأوضاع المشتعلة في الداخل، وصولًا إلى حالة الاستقرار والأمان المنشود، والذي يعد ركيزة أساسية لتحقيق التنمية للقارة الإفريقية.

فعاليات على هامش القمة

كما شهدت القمة إلى جانب الجلسات المفتوحة والمناقشات المغلقة، عددًا من الأحداث البارزة، تمثلت في: 

انتقال رئاسة الاتحاد الإفريقي إلى الكونغو الديمقراطية:

شهد اليوم الأول للقمة الإفريقية مراسم تسلم الكونغو الديمقراطية رئاسة الاتحاد الإفريقي خلفًا لجنوب إفريقيا، ليجد الرئيس تشيسيكيدي في انتظاره مجموعة من الملفات الملحة على رأسها أزمة انتشار جائحة (كوفيد-19)، بالإضافة لأزمات مشتعلة في دول عديدة، منها ليبيا والصومال، والحركات الإرهابية في منطقة الساحل، يُضاف إلى ذلك ملف النزاع الحدودي بين إثيوبيا والسودان، فضلًا عن أزمة سد النهضة التي تحتاج إلى حل قبل موعد الملء الثاني في يوليو القادم حسبما أعلنت أديس أبابا، وذلك وسط تحديات داخلية عديدة تواجهها بلاده، أهمها المشكلات الأمنية وعدم الاستقرار السياسي، بجانب التحديات الاقتصادية، ومحاولات الإصلاح ومواجهة الفساد.

وحدد تشيسيكيدي رؤيته لرئاسة الاتحاد الإفريقي تحت شعار “اتحاد إفريقي في خدمة الشعوب الإفريقية”. كما عيّن في أغسطس 2020، لجنة رفيعة المستوى استعدادًا لتوليه رئاسة الاتحاد، ومساعدته خلال رئاسته، تشارك فيها عدة وزارات، وتم تقسيم اللجنة إلى عدة إدارات تتولى متابعة مختلف الموضوعات، وفقًا للمجالات ذات الأولوية في رئاسته للاتحاد الإفريقي، مثل: منطقة التجارة الإفريقية الحرة، والتكامل الاقتصادي، وأجندة إفريقيا 2063، والشراكات الخارجية للاتحاد الإفريقي؛ والصحة (خاصة جائحة كورونا)؛ فضلًا عن التعاون الثقافي بما يحقق شعار القمة “الفنون والثقافة والتراث: روافع لـبناء إفريقيا التي نريد”.

انتخابات مفوضية الاتحاد الإفريقي:

شهدت اجتماعات القمة الإفريقية في دورتها العادية ٣٤، عقد انتخابات مفوضية الاتحاد الإفريقي، عن طريق التصويت الإلكتروني، حيث فاز التشادي “موسى فكي محمد” بولاية ثانية كرئيس لمفوضية الاتحاد الإفريقي، خلال السنوات الأربع المقبلة، بعد أن حصل على 51 صوتًا، كما فازت الرواندية “مونيك نسانزابجانوا” بمنصب نائبة رئيس المفوضية.

وبالإضافة لرئيس المفوضية ونائبه، فاز بمنصب مفوض السياسة والسلم والأمن مرشح نيجيريا “بانكول أديوي” بواقع 55 صوتًا هي كل أصوات دول القارة، وحصلت مرشحة أنجولا “جوزيفا ليونيل” على منصب مفوض الزراعة والتنمية بـ51 صوتًا، بينما حصلت مرشحة مصر “أماني أبو زيد” على منصب مفوض البنية التحتية والطاقة بـ50 صوتًا، وحصل مرشح زامبيا “ألبرت موتشانجا” على منصب مفوض التنمية الاقتصادية والتجارة والصناعة والتعدين بـ44 صوتًا.

من جهة أخرى، تم تأجيل الانتخابات لمنصبي مفوض التعليم والعلوم والتكنولوجيا والابتكار، ومفوض الصحة والشئون الإنسانية والتنمية الاجتماعية، إلى الاجتماع المقبل للمجلس التنفيذي، على أن يستمر المفوضان الحاليان السيدة أميرة الفاضل محمد (السودان) والبروفيسور سارة أغبور (الكاميرون) في منصبيهما الحاليين حتى إجراء الانتخابات.

وطبقًا لقواعد الإصلاح المؤسسي الجديدة المنظمة لانتخابات مفوضي الاتحاد الإفريقي، التي تهدف إلي التوزيع المتساوي بين المناطق الجغرافية الإفريقية الخمس، والتقسيم العادل في المناصب الرئيسية في الاتحاد بين الذكور والإناث، سيسمح فقط لدول الشمال بالتقدم بمرشحين من الإناث فقط، ودول الغرب بمرشحين من الذكور فقط، للتنافس عند فتح باب الترشيح.

اختيار مصر عضوًا بهيئة مكتب قمة الاتحاد الإفريقي:

للعام الثالث على التوالي، تم اختيار مصر لعضوية هيئة مكتب الاتحاد الإفريقي ممثلًا عن دول إقليم شمال إفريقيا لعام 2021، وبذلك يتكون هيئة مكتب قمة الاتحاد الإفريقي من الكونغو الديمقراطية رئيسًا للمكتب، ومصر والسنغال وجزر القمر نوابًا للرئيس، بالإضافة إلى جنوب إفريقيا مقررًا.

ويأتي اختيار مصر للسنة الثالثة دليلًا على ثقة دول شمال إفريقيا في مصر، وتقديرًا لدور الرئيس عبدالفتاح السيسي، الذي لعبه أثناء رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي عام 2019، والنجاحات التي حققها على ذلك الصعيد في دفع العمل الإفريقي المُشترك، والوفاء بأهداف أجندة إفريقيا 2063.

دعم من الرئيس الأمريكي جو بايدن:

قبل القمة بيوم واحد بعث الرئيس الأمريكي “جو بايدن” بمقطع فيديو موجه للقمة بثه عبر “تويتر” تعهد خلاله بالعمل مع الأفارقة بشأن أولوياته الرئيسية لمكافحة فيروس كورونا وتغير المناخ، وكذلك لتعزيز الشراكة الدبلوماسية لإنهاء النزاعات بالقارة، مؤكدًا على استعداد الولايات المتحدة لتكون شريكًا في التضامن والدعم والاحترام المتبادل للدول والشعوب الإفريقية، وأنه سيعمل مع الاتحاد الإفريقي من أجل تعزيز رؤية مشتركة لمستقبل أفضل للتجارة والاستثمار يعزز مستقبل كل الدول، ويرسي السلم والسلام والأمن لجميع المواطنين، معربًا عن أمله بحضور القمة المقبلة.

ويعلق العديد من الأفارقة آمالًا على إدارة “بايدن” في تحسين العلاقات الإفريقية مع الولايات المتحدة، ويعتبرون رسالته تلك بادرة على حسن النوايا تجاه القارة، خاصة وأن سلفه “دونالد ترامب” كان أول رئيس منذ “رونالد ريجان” لا يزور إفريقيا خلال ولايته.

مخرجات القمة المتعددة

بعد يومين من المناقشات، تبلورت نتائج القمة الإفريقية في عدد من النقاط، أبرزها: 

 مكافحة فيروس كورونا: أكدت القمة على ضرورة تنسيق جهود الدول الإفريقية لمكافحة فيروس كورونا في إطار الاستراتيجية القارية الموحدة، بالإضافة إلى تعزيز مكانة الصندوق الخاص بجائحة كورونا، والتسريع في الانتهاء من «المنصة الإفريقية» المكلفة بمهمة توفير المعدات الطبية، وتبادل المعلومات. وكذلك منح صلاحيات أكبر واستقلالية أوسع لصالح «المركز الإفريقي لمكافحة الأمراض والوقاية منها» التابع للاتحاد الإفريقي.

مكافحة الإرهاب: كما دعت القمة الإفريقية، إلى تكثيف العمل على مواجهة مخاطر الإرهاب التي تتعاظم في كثير من مناطق القارة، خاصة في منطقة الساحل وخليج غينيا والقرن الإفريقي.

دعم القضية الفلسطينية: من جهة أخرى، أعلن المشاركون في القمة الإفريقية دعمهم الكامل للشعب الفلسطيني في “نضاله المشروع ضد الاحتلال الإسرائيلي من أجل استعادة حقوقهم غير القابلة للتصرف”. بالإضافة إلى تأكيد الزعماء الأفارقة على ضرورة “استئناف مفاوضات ذات مصداقية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي من أجل تحقيق السلام العادل الشامل الدائم في الشرق الأوسط”.

اختيار مالي عاصمة الثقافة: تماشيًا مع شعار القمة لهذا العام “الفنون والثقافة والتراث.. روافع لـبناء إفريقيا التي نريد”، تم اختيار دولة مالي عاصمة للثقافة الإفريقية، وعنوانًا للتراث الإفريقي خلال السنة المقبلة، لما يوجد بها من مدن تاريخية على غرار تمبكتو وسيغو.

وأخيرًا، تسريع العمل في منطقة التجارة: حيث أكدت نتائج القمة على ضرورة المضيّ في تفعيل العمل في «منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية»، والعمل على إطلاق «سوق النقل الجوي الإفريقي الموحد»، واعتماد بروتوكول «حرية الحركة والمبادئ التوجيهية لجوازات السفر الإفريقي»، وتنفيذ خطة البنية التحتية الشاملة للطاقة الزراعية في إفريقيا، والاستجابة لتغير المناخ.

هايدي الشافعي
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية