وحدة الدراسات الأفريقية

شمال إفريقيا 2020: تحديات داخلية وعلاقات بينية متوترة

شهدت منطقة المغرب العربي خلال عام 2020 عددًا من التطورات الداخلية والخارجية، تجلى أبرزها في تعقد مسار التحول الديمقراطي، وتصدع النخب السياسية والحزبية، علاوة على بروز قضايا شائكة مرة أخرى على السطح كما هو الحال بالنسبة لقضايا الحدود، وبصورة أكبر في قضية الصحراء الغربية، وذلك على خلفية تفاقم أزمة معبر الكركرات، إضافة للإعلان الأمريكي الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء. ويمكن تقسيم مسار الاتجاهات إلى مسارين كالتالي: أولًا- اتجاهات التطورات الداخلية في المغرب العربي خلال عام 2020: 1- تطورات الأوضاع الداخلية شهد عام 2020 استحقاقًا دستوريًا هامًا داخل الجزائر، تجلى في الاستفتاء على مسودة الدستور التي أعدتها اللجنة المُشكلة بموجب قرار…

عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at

شهدت منطقة المغرب العربي خلال عام 2020 عددًا من التطورات الداخلية والخارجية، تجلى أبرزها في تعقد مسار التحول الديمقراطي، وتصدع النخب السياسية والحزبية، علاوة على بروز قضايا شائكة مرة أخرى على السطح كما هو الحال بالنسبة لقضايا الحدود، وبصورة أكبر في قضية الصحراء الغربية، وذلك على خلفية تفاقم أزمة معبر الكركرات، إضافة للإعلان الأمريكي الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء. ويمكن تقسيم مسار الاتجاهات إلى مسارين كالتالي:

أولًا- اتجاهات التطورات الداخلية في المغرب العربي خلال عام 2020:

1- تطورات الأوضاع الداخلية

شهد عام 2020 استحقاقًا دستوريًا هامًا داخل الجزائر، تجلى في الاستفتاء على مسودة الدستور التي أعدتها اللجنة المُشكلة بموجب قرار الرئيس عبدالمجيد تبون مطلع ذلك العام، وذلك تحقيقًا لخارطة الطريق التي رسمتها الإدارة الحالية تلبية لتطلعات الحراك الشعبي. وقد جرى ذلك الاستحقاق في الأول من 2020. وعلى الرغم من تمرير تلك المسودة عبر الاستفتاء الشعبي، غير أنه لاقى عزوفًا شعبيًا برز في حجم المشاركة الضئيلة في هذا الاستفتاء، والذي يعود بصورة كبيرة لرفض شريحة كبيرة من الحراك الشعبي لمسار التحول الديمقراطي برمته إلى جانب التخوفات المختلفة. غير أن المشهد السياسي داخل بلدان المغرب العربي، قد شهد جملة من التحولات خلال عام 2020 يمكن توضيحها في الآتي:

1- تواصل الاحتجاجات الشعبية في الجزائر

على الرغم من نجاح الحراك الشعبي في الجزائر والذي تُرجم في إجراء انتخابات رئاسية ديسمبر عام 2019، وما تبعها من تنفيذ بعض الاستحقاقات الأخرى كخطوات إجرائية إصلاحية في خضم المشهد السياسي الداخلي؛ إلا أنه لا تزال الاحتجاجات الشعبية تُلقي بظلالها في الشارع الجزائري. وتحقيقًا لقدر من التماسك لدى ذلك الحراك فقد تم تأسيس مبادرة سياسية تُعرف باسم “مبادرة 22 فبراير” في الثالث والعشرين من أكتوبر 2020، والتي تعتبر مشروعًا سياسيًا للحراك الشعبي في الجزائر يضم الكثير من نشطاء الحراك، وذلك بغرض الوصول لاتفاق سياسي توافقي داخل الحراك يعزز من مسار الانتقال السياسي، خاصة في ظل رؤية هذا التكتل الوليد للتعديلات الدستورية أنها ما هي إلا ترسيخ للسلطة الحاكمة، وتأتي كمرحلة لاستكمال التعديلات التي طرأت على دستور عام 1989 والتي جاء آخرها في عام 2016، دون أي تغيير إيجابي ملحوظ، وهو ما يربك المشهد السياسي مرة أخرى.

2- أزمة سياسية في تونس

إن إحدى المفارقات السياسية في الداخل المغاربي تتمثل في صعوبات تشكيل حكومة ائتلاف وطني تحظى بتوافق جميع الفصائل والأحزاب السياسية. ولعل الأبرز في هذا السياق تجلى في المشهد التونسي الذي لاقى صعوبات جمة في تحقيق قدر من التوازن السياسي وتشكيل حكومة توافقية، منذ مطلع عام 2020. حيث شهدت مطلع ذلك العام صعوبة في تشكيل حكومة توافق وطني، في أعقاب تكليف “إلياس الفخفاخ” بتشكيل الحكومة، بعدما فشل “الحبيب الجملي” -مرشح حزب النهضة- في تشكيل الحكومة في أعقاب إخفاقه في الحصول على ثقة البرلمان.

غير أن “إلياس الفخفاخ” نجح في الحصول على ثقة البرلمان، غير أنها لم تبقَ كثيرًا، فقد تعالت الأصوات المطالِبة بإسقاط الحكومة وذلك عبر الممارسات المختلفة لحركة النهضة التونسية والأحزاب الموالية لها، لجمع توقيعات لسحب الثقة من الحكومة، مما أدى إلى تقديم حكومة الفخفاخ استقالتها في يوليو 2020، وتبعها أيضًا تسمية وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال “هشام المشيشي” رئيسًا للوزراء. وتعقيدات ذلك المشهد تُنذر بصورة كبيرة بحل البرلمان، وربما إحداث فراغ تشريعي وسياسي داخل تونس التي لا تزال تعاني من اضطرابات سياسية متعددة.

3- تحول نخبوي في موريتانيا

جاء تشكيل لجنة برلمانية للتحقيق في عدد من الصفقات والملفات الاقتصادية خلال عهد الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبدالعزيز واستدعائه من جانب شرطة الجرائم الاقتصادية والمالية للتحقيق في شبهات فساد، إلى جانب إقالة كافة مستشاري رئاسة الجمهورية الشاغلين لتلك الوظائف قبيل قدوم “ولد الغزواني” رئيسًا للجمهورية، وإبعاد النخب العسكرية الموالية لولد عبدالعزيز، وتُعد جميعها بمثابة مؤشرات هامة لحالة التخبط بين النخب في موريتانيا، وخطوة للإصلاحات الداخلية المختلفة. وقد لاقت تلك الخطوات اهتمام الإدارة الأمريكية، حيث عبرت على لسان وزير خارجيتها “مايك بومبيو” وكذا السفير الأمريكي في نواكشوط “مايكل دودمان”، عن دعمها لذلك المسار الإصلاحي، ووصفت العلاقات بأنه أفضل مما كانت عليه.

4- تصاعد دور التيار الإسلامي في بيئة حزبية متغيرة

إن الملاحظ داخل دول المغرب العربي أن هناك تصاعدًا كبيرًا للأحزاب السياسية ذات الخلفية الإسلامية، ونجد ذلك بصورة كبيرة في تونس التي شهدت حالة من تصاعد تأثير حزب “النهضة” في مجرى الحياة السياسية، لكونه مسيطرًا بصورة كبيرة على البرلمان التونسي، وبرز ذلك في التحركات المختلفة التي قام بها رئيس حركة النهضة “راشد الغنوشي” لتركيا خلال عام 2020، وهو الأمر الذي يتنافى مع توجهات الرئيس التونسي “قيس سعيد”، علاوة على الرفض الشعبي لهذا التحرك المنفرد. واتصالًا بذلك، فقد شهدت تونس حالة من التصدع السياسي الداخلي بين التكتلات الحزبية المختلفة، وتحديدًا بين رئيس البرلمان التونسي وحركة النهضة الإسلامية ذات الأغلبية البرلمانية “راشد الغنوشي” وبين حزب “الدستوري الحر” الذي تترأسه عبير موسى، والتي طالبت مرارًا بسحب الثقة منه.

ووصولًا للمشهد السياسي الموريتاني خلال عام 2020، نجد أنه لم يخلُ من تصاعد حضور الإسلام السياسي، حيث شهد حالة من التقارب بين أحزاب المعارضة وعلى رأسها حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية “تواصل” الإسلامي، في ضوء سعيه لتحقيق تكتل حزبي معارض للسلطة، وبرز ذلك في أمرين: الأول تجلى في التوصل لاتفاق لتحقيق قدر من التنسيق بين أحزاب المعارضة الأخرى من بينها (حزب الصواب – حزب المستقبل – حزب القوى الجمهورية للديمقراطية والوحدة – تحالف التعايش المشترك) في الثالث والعشرين من يونيو 2020. بينما يكمن الأمر الثاني في طرح وثيقة تتضمن رؤية شاملة للإصلاح داخل كافة المجالات عبر إطلاق حوار وطني شامل، وتحقيق تنسيق عرضي مع كافة الأحزاب، حيث تم تقديم تلك الوثيقة في السادس والعشرين من نوفمبر 2020 بحضور أحزاب (اتحاد قوى التقدم – الاتحاد من أجل الجمهورية – تحالف التعايش المشترك – حركة إيرا – حزب الصواب – حركة نجدة)، وهو المطلب نفسه الذي نادى به حزب التحالف الشعبي التقدمي في أكتوبر من العام ذاته.

وعلى الرغم من ذلك، شهدت بعض الأحزاب حالة من الاصطفاف والدعم للحزب الحاكم في موريتانيا “الاتحاد من أجل الجمهورية”. وتدليلًا على ذلك، شهد حزب “الإصلاح” (حزب الأغلبية الحاكمة وأحد أحزاب الموالاة) انخراط عدد من الأحزاب داخله، والتي تمثلت في حزب “اللقاء الديمقراطي الوطني” وحزب “الأمل” وحزب “الوطن” وأخيرًا حزب “التنمية والحضارة”، وذلك خلال النصف الثاني من العام الماضي.

غير أن الوضع في المملكة المغربية بات مغايرًا لما تم ذكره أعلاه، حيث شهد حزب “العدالة والتنمية” المغربي ذو التوجه الإسلامي انخراطًا كبيرًا في الحكومة المغربية، وتقاربًا واصطفافًا ملحوظًا مع المؤسسة الملكية، وبرز ذلك بصورة كبيرة في مسار قضية إعادة استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية مرة أخرة.

2- مكافحة الإرهاب

يُشكل ملف الإرهاب إحدى المعضلات والتحديات الرئيسية والممتدة داخل منطقة المغرب العربي، والتي ألقت بظلالها بصورة كبيرة خلال عام 2020 من حيث تغيير منهج التعاطي معها، أو في مسار التفاعل والتعاون الإقليمي والدولي لتحجيم تلك الظاهرة في ظل المتغيرات العالمية المختلفة، والتي على رأسها إبداء واشنطن رغبتها في تقليل أعداد القوات الأمريكية المتواجدة في هذا النطاق. ولعل اتجاه التطورات في هذا الملف تكمن في الآتي:

أ. تناحر الجماعات الإرهابية وصعود نفوذ تنظيم “داعش”: لقد شهد ملف الإرهاب تحولًا نوعيًا خلال عام 2020 داخل المناطق التي تتماسّ مع دول المغرب العربي، تجلى بصورة كبيرة في حالة التصدع والتمزق بين التنظيمات الإرهابية، وبرز ذلك بصورة كبيرة في الاشتباكات التي وقعت بين “تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى” التابعة لــ”أبي الوليد الصحرواي”، وجناح “أمادو كوفا”، زعيم جبهة تحرير ماسينا التابعة لــ”جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” ذات الصلة الوثيقة بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وذلك في الثاني عشر من مارس من العام نفسه في منطقة “بوفيل” الواقعة على بعد 50 كم من الحدود الموريتانية، والتي تُعد منطقة نفوذ تقليدي لجبهة تحرير “ماسينا”، غير أنه برز مؤخرًا انخراط متزايد لتنظيم “داعش”.

ولعل هذا الأمر يدفع بالقول بأن تنظيم “داعش الصحراء الكبرى” يُعتبر التنظيم الإرهابي الصاعد في منطقة الساحل الإفريقي، خاصة على طول الحدود الهشة بين النيجر ومالي وبوركينافاسو، والتي تتماسّ مع حدود دول المغرب العربي، ولعل خطورة هذا التصاعد تجلى فيما اعتبرته فرنسا ودول الساحل الخمس مطلع يناير (2020) بكون هذا التنظيم بات هو العدو الأول في المنطقة.

ولعل الحوادث المتكررة على طول خط الحدود الموريتانية المالية كما حدث في يناير 2020 من هجمات مسلحة من جانب “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” على معسكرات أمنية داخل قرية “سوكولو” المالية والتي تقع على مقربة من الحدود الموريتانية، دفع الأخيرة لتعزيز تأمين حدودها، والعمل على مواجهة التحديات في مواطنها بالتنسيق والتعاون مع دول الجوار القاري وتحت مظلة قوات حفظ السلام الدولي.

ب. حوادث متفرقة وضربات استباقية: لقد شهدت بعض دول المغرب العربي وقوع بعض الحوادث الإرهابية المتفرقة في تونس والجزائر، حيث شهدت تونس عملية استهداف دورية أمنية بالقرب من السفارة الأمريكية في 6 مارس 2020 شمال العاصمة التونسية أدت إلى سقوط قتيل وإصابة ستة أشخاص، كما شهدت في السادس من سبتمبر من العام نفسه عملية دهس في محافظة سوسة شرق تونس أدت إلى سقوط قتيل من رجال الشرطة.

وفي الجزائر شهدت اشتباكات بين متطرفين وعناصر من الجيش الجزائري في يونيو 2020 بالقرب من العاصمة الجزائرية أدت إلى مقتل أحد رجال الجيش، إلى جانب اشتباكات أخرى في ولاية بومرداس أدت إلى القبض على 5 إرهابيين وتدمير 9 مخابئ للتنظيمات الإرهابية.

ولم تخلُ تونس كذلك من تلك الأعمال الإرهابية، حيث تعرض أحد المواطنين في 20 ديسمبر الماضي لحادث ذبح على أيدي مجموعة إرهابية بمحافظة القصرين غرب تونس.

ج. تحولات استراتيجية وانخراط متزايد في العمق الإفريقي: في ضوء الحديث عن ملف الإرهاب الذي يُمثل ضغطًا كبيرًا على دول المغرب العربي، وما شهدته حدود تلك الدول من بعض العمليات الإرهابية كما هو الحال بالنسبة لموريتانيا والجزائر، فقد بادرت تلك الدول بتصويب المعادلة الأمنية عبر مزيد من مشاركة قواتها الوطنية في الدول التي تعاني من تفاقم لظاهرة الإرهاب، وتجلى ذلك الأمر بصورة كبيرة فيما تضمنه الدستور الجزائري الجديد الذي تم الاستفتاء عليه وإقراره في مطلع نوفمبر (2020) بالسماح لمشاركة قوات جزائرية في عمليات حفظ السلام في نطاق الإقليم الجغرافي، فضلًا عن إرسال نواكشوط وحدة جديدة من الدرك (تضم 140 جنديًا) إلى جمهورية وسط إفريقيا للعمل تحت مظلة قوات حفظ السلام الأممية مطلع شهر مارس من العام المنصرم.

د. زيادة التنسيق الأمني الإقليمي والدولي: اتصالًا بالسابق، وتقويضًا لتحركات التنظيمات الإرهابية عززت دول المغرب العربي تفاعلاتها العسكرية مع الأطراف الغربية المساهمة في تقويض تلك الحركات، وبرز هذا التعاون في تقديم الاتحاد الأوروبي عدد (7) مدرعات خفيفة كمساعدة عسكرية للكتيبة الموريتانية المشاركة في قوات حفظ السلام بمنطقة الساحل، علاوة على توسيع دائرة التفاعل مع المؤسسات الأمنية الدولية وعلى رأسها حلف شمال الأطلسي “الناتو” والتي تجلت في المباحثات التي جرت بين وزير الدفاع الموريتاني والأمين العام للشئون السياسية والأمنية في الحلف “جامس أباتيرال”، في مجال الدفاع وتعزيز القدرات العسكرية لمواجهة خطر تمدد الإرهاب. إضافة للسابق فقد طالبت موريتانيا خلال اجتماع الثمانية لمندوبي الجامعة العربية ونظرائهم الأوروبيين في يناير 2020 بأهمية العمل على إيجاد مبادرات مطورة للحد من ظاهرة الإرهاب.

وتحقيقًا لقدر من التنسيق وتعزيز سبل التعاون في مواجهة الإرهاب، فقد قامت فرنسا بتشكيل قوة عسكرية بمشاركة دول غربية إلى جانب دول الساحل والصحراء وعلى رأسها موريتانيا تُعرف تلك القوات باسم “تاكوبا” وذلك في مارس 2020.

ونتيجة لحالة التنسيق بين القوات الفرنسية والجيوش النظامية الوطنية في الجزائر وموريتانيا، فقد تحقق نجاح في تصفية زعيم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي “عبدالمالك دروكدال” مطلع شهر يونيو 2020.

هـ. الاستجابة لجائحة كورونا:

إن أحد الاتجاهات الداخلية التي شهدتها منطقة المغرب العربي هو تأزم الوضع الاقتصادي على خلفية جائحة كورونا التي انتشرت بصورة كبيرة خلال الربع الثاني من عام 2020، والتي أثرت بصورة كبيرة على الاقتصاد الوطني داخل دول المنطقة نتيجة للسياسات والإجراءات الاحترازية المختلفة التي اتخذتها.

ولقد تباينت سياسات الدول في التعامل مع اللقاحات المختلفة التي برزت في الفترة الأخيرة لمواجهة تلك الجائحة، حيث نجد أن الجزائر وقّعت في نهاية ديسمبر 2020 اتفاقًا للحصول على اللقاح الروسي “سبوتنيك – 5” المضاد لفيروس كورونا المستجد، وهو النهج ذاته الذي انتهجته الرباط، حيث تم توقيع مذكرة تفاهم لشراء اللقاح الروسي في سبتمبر من العام نفسه.

بينما التوجه في تونس ينحاز بصورة كبيرة للقاح الأمريكي المتمثل في لقاحي “فايزر” و”مودرنا”، في حين لم يكن هناك موقف واضح في موريتانيا حول التوجه للتعاقد بشأن لقاح بعينه.

ثانيًا- اتجاهات التطورات الخارجية في المغرب العربي خلال عام 2020:

إنّ المتأمل لاتجاهات التطورات الخارجية المغاربية إبان عام 2020 يجد أن هناك جملة من السمات التي طغت على هذا التفاعل تتجلى في الآتي:

1- تحولات فارقة وملفات مستجدة:

لقد شهد عام 2020 تحولات نوعية مختلفة، وبروز ملفات شائكة للسطح مرة أخرى، يمكن توضيحها في النقاط التالية:

أ. تطورات القضية الصحراوية:

إن ملف قضية الصحراء شهد تطورات هامة خلال عام 2020، جعلها محورًا للتفاعل الإقليمي والدولي، وأبرز تلك التطورات تجلى بصورة كبيرة فيما حدث داخل معبر “الكركرات” الحدودي بين موريتانيا والمغرب وإغلاق جبهة البوليساريو لهذا المعبر، حيث شهد ذلك الملف تنسيقًا كبيرًا بين دولة المغرب وموريتانيا، أدى إلى قيام الرباط بنشر قواتها على طول الحدود مع موريتانيا وبشكل أكبر على مسار معبر “الكراكرات”، والدفع بمسار استئناف الحركة التجارية والمدنية مرة أخرى عقب حالة توقف استمرت لنحو ثلاثة أسابيع خلال شهر نوفمبر 2020، وما تبعها من إعلان جبهة “البوليساريو” انسحابها من اتفاقية وقف إطلاق النار الموقّعة عام 1991، وهو الأمر الذي ألقى بظلاله على العلاقات المغربية الجزائرية بصورة سلبية.

المتغير الثاني الهام تمثل في الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الإقليم الصحراوي، ودعم مسار مبادرة الحكم الذاتي المطروحة من جانب الرباط، واعتزام واشنطن إقامة ممثلية دبلوماسية لها في مدينة “الداخلة” وفقًا لما تم الإعلان عنه من الإدارة الأمريكية، وهو الأمر الذي يبرهن بصورة كبيرة على تحولات جذرية في هذا الملف، خاصة بعدما تغير النهج الأمريكي في تعاطيه مع تلك القضية.

التطور الثالث في هذا الملف أيضًا تجلى في التوجهات الإقليمية المختلفة للإقرار بصورة كبيرة بالسيادة المغربية على الصحراء، وبالتالي يتضمن بصورة كبيرة انفراد المبادرة المغربية بحل تلك القضية، الأمر الذي خلق حالة من العزلة الدبلوماسية لـجبهة تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب “البوليساريو”، وذلك في أعقاب انخفاض عدد الدول التي تعتبر بالجمهورية العربية الصحرواية الديمقراطية التي أسستها جبهة “البوليساريو” لأقل من 28 دولة، بعدما كانت 84 دولة، وقيام 19 دولة بافتتاح ممثلية دبلوماسية لها في مدينة العيون، آخرها كانت دولة الإمارات، الأمر الذي من شأنه أن يخلق مسرحًا ضاغطًا في التحركات الرامية للانفصال وحق تقرير المصير.

ب. ترسيم الحدود البحرية مع دول شمال المتوسط:

شهد عام 2020 مساعي جزائرية وكذلك مغربية لترسيم حدودهما البحرية مع الدول الأوروبية المتشاطئه معها. وفي هذا الإطار، أصدر البرلمان المغربي قرارًا في الثاني والعشرين من يناير 2020، بالمصادقة على مشروعي قانون لترسيم الحدود البحرية المغربية، ودخولهما حيز التنفيذ في الثلاثين من مارس من العام نفسه، وهو ما يشكل نقطة فاصلة في الصراع الجيوسياسي الإسباني المغربي، وهو الأمر الذي يكتسب صبغة استراتيجية وطنية لكونهما يكرسان السيادة المغربية على البحار المتاخمة، ويفرض واقعًا مستجدًا لإقليم الصحراء، ويأتي ذلك القرار كي يتدارك الفراغ التشريعي الذي يشوب المنظومة القانونية المغربية الخاصة بالمجالات البحرية.

ولعل تلك الخطوة جاءت لكي تتواءم مع التحركات الإسبانية المختلفة الرامية إلى تمديد الجرف القاري لجزر الكناري، خاصة وأنها تقدمت بطلب إلى لجنة الأمم المتحدة لحدود الجرف القاري في عام 2014، وذلك رغبة في تمديد ذلك الجرف جنوبًا وغربًا لنحو 350 ميلًا، مما يُعني امتلاك إسبانيا حق الاستغلال الكامل لها، بينما يكون للدول الأخرى حق المرور في ذات المنطقة.

ويتم بمجب مشروعي القانونين ترسيم حدود المياه الإقليمية للمغرب والتي تمتد إلى 12 ميلًا بحريًا والمنطقة المتاخمة والمُقدرة بــ24 ميلًا بحريًا، فضلًا عن إنشاء منطقة اقتصادية خالصة على بعد 200 ميل بحري، وما يتبعه ذلك من امتداد للحقوق السيادية والحصرية على الجرف القاري، وذلك في حدود 350 ميلًا بحريًا، وذلك وفقًا لما أقرته اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982.

على الزاوية الأخرى؛ نجد أن لدى الجزائر تحركات مماثلة لترسيم حدودها البحرية مع كل من إسبانيا وإيطاليا، وتجلى ذلك بصورة كبيرة في المحادثات التي جرت في مارس 2020 بين وزير الخارجية الإسبانية “أرانتشا غونزالس لايا” والرئيس عبدالمجيد تبون ووزير الخارجية “صبري بوقادم”، وتم التأكيد في تلك المحادثات على عدم وجود أي مشاكل تتعلق بترسيم الحدود البحرية ومن حق البلدين ترسيم حدودهما البحرية ولكن بصورة ثنائية وليست أحادية، وهو ما عبر عنه وزير الخارجية الجزائرية بعزم الجزائر على التفاوض مستقبلًا بشأن أي تداخل في المجالات البحرية.

واتصالًا بالسابق؛ سعت الجزائر إلى ترسيم حدودها البحرية مع الجانب الإيطالي، وفي ضوء ذلك تم تشكيل اللجنة الفنية لترسيم الحدود البحرية بين البلدين خلال زيارة وكيل وزارة الخارجية الإيطالية في الثالث والعشرين من سبتمبر 2020، وذلك لتحقيق قدر من التنسيق في مسار المفاوضات الثنائية حول الحدود البحرية المشتركة، وقد بدأت تلك التحركات في مطلع شهر يوليو من العام نفسه، وذلك رغبةً في تجنب أي مسارات محتملة في حوض المتوسط.

ج. التطبيع المغربي مع إسرائيل:

لقد شكّل إعلان الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته “دونالد ترامب” التوصل لتفاهمات حول العلاقات المغربية الإسرائيلية، وقرار الرباط استئناف علاقاتها مع إسرائيل في 10 ديسمبر 2020، نقطة فارقة في ملف العلاقات العربية الإسرائيلية في جانب وفي ضوء التفاعلات البينية المغاربية، حيث شهد هذا القرار أصداء غير مرحبة من جانب الجزائر وكذلك الحال بالنسبة لتونس، بينما جاءت المواقف الموريتانية إيجابية حيال هذا المسار.

وعلى الرغم من التوجه الموريتاني الإيجابي حيال التطبيع المغربي الإسرائيلي، إلا أنها أعلنت خلال اجتماع وزير الخارجية الموريتاني مع السفير الفلسطيني تمسكها بقرارات الأمم المتحدة والمبادرة العربية من أجل السلام التي تستهدف بصورة كبيرة الحفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني، وهو الأمر ذاته الذي أبدته المغرب في أعقاب إعلانها إعادة استئناف علاقاتها مع إسرائيل.

د. تعزيز الحضور في العمق الإفريقي عبر التفاعل الممتد في العمق الإفريقي، وتحديدًا بين كلٍّ من موريتانيا وجوارها الإقليمي مع كل من السنغال ومالي وغامبيا لوضع آليات مختلفة لتعزيز سبل التعاون الأمني، والتصدي لظاهرة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر على طول الطريق الرابط بين غرب إفريقيا والمحيط الأطلسي، علاوة على التنسيق العسكري الدائم بين موريتانيا والسنغال في قضايا الحدود والإرهاب، والتي جاء آخرها في ديسمبر لعام 2020.

وقد ساهمت دول المغرب العربي في حلحلة الأزمة التي اندلعت في مالي مطلع شهر سبتمبر 2020، والتي كانت -في حد ذاتها- نافذة قوية لتعزيز الحضور والتواجد المغاربي بها، وبرز ذلك في الوساطة التي قادتها موريتانيا من أجل حل المأزق السياسي الداخلي مع الأطراف المختلفة كما حققت نجاحًا في إجلاء الرئيس السابق “إبراهيم بوبكر كيتا” للعلاج في الخارج، وإبداء الدعم الكامل للخروج من المأزق السياسي وفقًا لما أعلن عنه وزير الخارجية الموريتاني “إساعيل ولد الشيخ أحمد” خلال لقائه نظيره المالي في الثلاثين من نوفمبر 2020.

2- الشراكات الدولية لدول المغرب العربي:

برز خلال عام 2020 عدد من التجاذبات الدولية المختلفة داخل منطقة المغرب العربي يمكن توضيحها في النقاط التالية:

أ. تعزيز الشراكة الاستراتيجية الأمنية بين واشنطن ودول المغرب العربي:

لقد نمت العلاقات الأمريكية المغاربية في عام 2020 بصورة كبيرة، خاصة على مستوى التنسيق العسكري، وبرز ذلك في الزيارات المتتالية التي أجرتها وفود رسمية لدول المغرب العربي، ولعل أهمها زيارة وزير الدفاع الأمريكي “مارك إسبر”، إلى كل من تونس والجزائر والمغرب، وذلك في شهر سبتمبر 2020، والتي تُعد نقطة تحول نوعية في التفاعلات البينية بين دول تلك المنطقة وبين الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تعتبر تلك الزيارة هي الأولى من نوعها لإفريقيا منذ توليه حقيبة الدفاع، كما تُعتبر أول زيارة لوزير دفاع أمريكي للجزائر منذ خمسة عشر عامًا.

وقد سبق تلك الزيارة زيارة مماثلة لمساعد وزير الخارجية الأمريكي للشئون السياسية والعسكرية إلى كل من تونس والجزائر وموريتانيا في شهر فبراير 2020، إلى جانب زيارة وفد من الكونجرس الأمريكي ووكيل وزارة الخارجية الأمريكية للشئون السياسية “ديفيد هيل” لموريتانيا في الشهر ذاته.

ويُفهم من زيادة التنسيق العسكري بين واشنطن ودول المغرب العربي وتوسيع التعاون الأمني والعسكري في تلك المنطقة، الرغبة الأمريكية في تقويض التحركات الروسية في هذا المجال الاستراتيجي والحيوي للمصالح الأمريكية، إلى جانب تعزيز قدرات تلك الدول في مواجهة الإرهاب في منطقة الساحل والصحراء، فضلًا عن الاهتمام المشترك الأمريكي المغاربي بما يحدث في ليبيا، ورغبة واشنطن في أقلمة الملف الليبي وإعادة تدويره ومزجه بالصبغة الإقليمية تحت مظلة الاتحاد المغاربي (تونس – الجزائر – المغرب)، وذلك في ضوء نجاح المغرب في المشاورات التي تمت بين الأطراف الليبية خلال استضافتها “محادثات بوزنيقة” مطلع شهر سبتمبر 2020 وتوصلها للاتفاق حول توزيع المناصب السيادية.

ونتيجة لهذا التحرك الأمريكي، فقد تم توقيع “وثيقة خارطة طريق” في مجال التعاون العسكري مع تونس والمغرب، وذلك لمدة عشر سنوات بهدف رفع جاهزية القوات المسلحة لكلا البلدين، وتطوير قدراتهما في مجابهة التهديدات والتحديات الأمنية، بما يساهم في محاربة الجماعات الإرهابية وحفظ الأمن في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، ويُعد ذلك الاتفاق كخارطة طريق للتعاون في مجال الدفاع، ويُرسخ نهجًا نحو الشراكة الاستراتيجية بين الدولتين.

واتصالًا بالسابق، وتعزيزًا للشراكة الاستراتيجية العسكرية بين واشنطن ودول المغرب العربي، فقد ساهمت أمريكا بصورة كبيرة بإتمام تمرين “فلينتلوك 2020” الذي استضافته موريتانيا في فبراير من العام نفسه وبمشاركة 34 دولة غربية وإفريقية وعربية من بينها دولة المغرب، كإحدى أكبر المناورات العسكرية التي تقيمها واشنطن منذ عام 2005 في إفريقيا، على الرغم من تحديات جائحة كورونا.

ب. وضعية مضطربة للتواجد الفرنسي:

شهدت وضعية فرنسا خلال في منطقة الساحل الإفريقي عام 2020 حالة من الرفض الشعبي للتواجد العسكري الفرنسي، إلى جانب حالة الغضب الشعبي داخل منطقة المغرب العربي على خلفية تصريحات الرئيس “إيمانويل ماكرون” المدافعة عن نشر الرسوم المسيئة للرسول (ص)، وهو ما دفع فرنسا إلى تحقيق قدر أكبر من التوازن الدبلوماسي مع دول المغرب العربي وعلى رأسها موريتانيا إحدى دول مجموعة الساحل، وقد برز ذلك بصورة كبيرة في الترتيبات والمباحثات المختلفة التي سبقت القمة الفرنسية مع دول قادة الساحل الخمس مطلع عام 2020، علاوة على المساعدات المالية المقدرة بنحو 12.5 ملايين يورو لمواجهة فيروس كورونا، وإلغاء خدمة الدين المستحق عليها بواقع مبلغ 5.3 ملايين يورو.

إلى جانب التنسيق المستمر بين فرنسا وكل من الجزائر وموريتانيا وتونس في ملف الإرهاب، وبرز ذلك بصورة كبيرة في الزيارة التي قام بها وزير الداخلية الفرنسي “جيرالد دارمانان” لكل من تونس والجزائر في نوفمبر 2020 للتباحث حول قضايا الإرهاب.

ج. تغلغل اقتصادي صيني:

لقد تزايد الاهتمام الصيني بمنطقة المغرب العربي خلال عام 2020، وذلك عبر البوابة الاقتصادية والاستثمارية، وبرز ذلك بصورة كبيرة في توطيد التعاون مع موريتانيا في مجال الصيد البحري، حيث انخرطت الدولتان في مفاوضات خلال شهر نوفمبر 2020 لتجديد بروتوكول الاتفاق في مجال الصيد للفترة الممتدة ما بين 2021-2025، حيث يُعد توزيع مناطق الصيد في موريتانيا واحدًا من أهم الملفات، خاصة في ظل التنافس التركي الصيني في هذا المجال.

واتصالًا بالسابق، وقّعت شركة “سيتيك” الصينية اتفاقًا مع المؤسسة الوطنية للمحروقات الجزائرية “سوناطراك” في مطلع شهر يناير 2020 بنحو ستة مليارات دولار لإنشاء مشروع الفوسفات.

تعزيز التعاون المغاربي الخليجي

وتحديدًا بين كل من موريتانيا والمغرب مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وقد تُرجم ذلك بصورة كبيرة على كافة المستويات، حيث أبرمت موريتانيا ثلاث اتفاقيات للتعاون الثقافي مع المملكة العربية السعودية في فبراير الماضي خلال زيارة الرئيس الموريتاني محمد ولد الغزواني، إلى جانب التباحث حول فرص الاستثمارات المختلفة داخل موريتانيا، حيث تعتبر السعودية أكبر مساهم وممول للمشروعات التنموية داخل موريتانيا بنحو 1.147 مليار دولار.

فضلًا عن تعميق التعاون الموريتاني الإماراتي، حيث جاءت الأخيرة كأولى محطات زيارة ولد الغزواني بعد انتخابه رئيسًا، ونمو تلك العلاقات برز بتوقيع عدد من الاتفاقيات في المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية والإعفاء المتبادل من التأشيرة، على هامش أعمال الدورة الثانية للجنة المشتركة بين الإمارات وموريتانيا التي انعقدت في مارس 2020 وما سبقها من تخصيص ملياري دولار لإقامة مشاريع استثمارية وتنموية في موريتانيا، وقيام شركة السلام القابضة الإماراتية بتمويل بناء معهد للفنون في موريتانيا، الأمر الذي وصل إلى نشر تقارير تفيد باعتزام الإمارات تكوين قاعدة عسكرية شمال الدولة، وهو ما نفته موريتانيا.

وظهر هذا التقارب أيضًا على مستوى التعاون العسكري، من خلال اللقاءات المتعددة التي جمعت بين القادة العسكريين لعدد من دول الخليج ودول الغرب العربي، كما هو الحال بالنسبة للمباحثات العسكرية التي جرت بين المملكة العربية السعودية وموريتانيا في مطلع شهر مارس لعام 2020، والتي تستهدف بصورة كبيرة تعزيز التعاون في مجال الدفاع.

وإجمالًا، تُشير هذه التفاعلات السابقة إلى عدد من الاتجاهات الرئيسية، أبرزها استمرار وجود تحديات داخلية مهمة لدى كل دول المغرب العربي، واتجاه العلاقات البينية في الإقليم لمزيد من التوتر في العام الجديد، بجانب تعزيز حضور شركاء دوليين في الإقليم في مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية التي يبدو أنها قد حققت تقدمًا مهمًا على حساب الدور الأوروبي التقليدي في الإقليم.

عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at