قراءات وعروض

التقنية الفتّاكة.. الانعكاسات الأمنية للدرونز في الشرق الأوسط

تزايد توظيف الطائرات بدون طيار في عدد من النزاعات حول العالم، خاصة منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مما قد يؤدي إلى عدد من التأثيرات العسكرية والأمنية في ظل بيئة أمنية وسياق عام يرتبط بهشاشة الدولة، وتعميق التنافس الدولي والإقليمي على خلفية الانتشار الواسع للطائرات المسيرة، في ظل اتساع نطاق استخدام هذه التقنية من قبل الدول أو الفاعلين من غير الدول كالتنظيمات الإرهابية والجماعات المسلحة.  وفي هذا السياق، نشر “معهد الدراسات السياسية الدولية” (ISPI) تقريرًا بعنوان “لعبة الطائرات بدون طيار في الشرق الأوسط: السباق إلى الطائرات بدون طيار الفتاكة وانعكاساتها على المشهد الأمني ​​في المنطقة” أو “The Middle East’s Game of…

محمود قاسم - حسين عبدالراضي

تزايد توظيف الطائرات بدون طيار في عدد من النزاعات حول العالم، خاصة منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مما قد يؤدي إلى عدد من التأثيرات العسكرية والأمنية في ظل بيئة أمنية وسياق عام يرتبط بهشاشة الدولة، وتعميق التنافس الدولي والإقليمي على خلفية الانتشار الواسع للطائرات المسيرة، في ظل اتساع نطاق استخدام هذه التقنية من قبل الدول أو الفاعلين من غير الدول كالتنظيمات الإرهابية والجماعات المسلحة. 

وفي هذا السياق، نشر “معهد الدراسات السياسية الدولية” (ISPI) تقريرًا بعنوان “لعبة الطائرات بدون طيار في الشرق الأوسط: السباق إلى الطائرات بدون طيار الفتاكة وانعكاساتها على المشهد الأمني ​​في المنطقة” أو “The Middle East’s Game of Drones: The Race to Lethal UAVs and Its Implications for the Region’s Security Landscape”. 

وقد سلط الكاتب “فيديريكو بورساري” Federico Borsari في تقريره الضوء على التوسع في استخدام الطائرات بدون طيار منذ كونها أداة عسكرية حصرية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل في عام 2001، وصولًا لتحولها إلى سلاح تمتلكه عدد من الدول والجماعات. ووفقًا للتقرير فمن المتوقع أن تصل الاستثمارات في سوق الطائرات بدون طيار إلى 100 مليار دولار خلال العقد المقبل، وهنا يمكن ملاحظة الاتجاه العام في الشرق الأوسط لتوظيف هذه الأداة، حيث شكلت الطائرات بدون طيار حوالي 82% من إجمالي سوق الطائرات الإقليمي عام 2019، إذ أنفقت دول المنطقة -باستثناء إسرائيل- ما لا يقل عن 1.5 مليار دولار في شرائها. 

أولًا- أنقرة.. والتوظيف في الخارج:

ينظر “بورساري” إلى تركيا كفاعل بارز من أوائل الدول التي توظف الطائرات بدون طيار على نطاق واسع، ليس فقط في العمليات والساحات القتالية، بل في مساعيها لأن تصبح رقمًا في السوق العالمية في المستقبل القريب. وناقش التقرير أن قطر وتونس وحكومة الوفاق الليبية تمثل محورًا للشراكة التركية في المنطقة؛ إذ استلمت الدوحة الدفعة الأولى من ست طائرات تركية من طراز “بيرقدار TB2″، بالإضافة إلى محطات التحكم والأدوات الخاصة بها، بينما وقّعت تونس (مارس 2020) عقدًا بقيمة 240 مليون دولار مع الشركة التركية لصناعات الفضاء لتزويدها بمقاتلات من طراز” Anka-s” و3 محطات تحكم أرضية، بالإضافة إلى تدريب العناصر الأمنية على استخدامها. وعلى المنوال ذاته، كانت أذربيجان ضمن الدول التي أبرمت عقدًا لشراء الطائرات التركية من طراز “بيرقدار TB2” في ظل اتفاقية التعاون العسكري بين الجانبين، كما زودت تركيا حكومة الوفاق غرب ليبيا بالعديد من المسيرات.

وتعمل تركيا مؤخرًا على تطوير الطائرات بدون طيار محليًا، علاوة على تحقيق الاكتفاء الذاتي لصناعة الدفاع؛ إذ سيتم تشغيل الطائرات من طراز “Bayraktar Akıncı” بواسطة محركات وأنظمة اتصال ورادار محلية الصنع، كما تسعى أن تكون المسيرات من طراز “بيرقدار TB2” أول طائرة تركية بدون طيار محلية الصنع بصورة كاملة، ويتماشى هذا النهج مع استراتيجيتها الرامية لتحقيق الاستقلالية في مجالات الدفاع، وأن تصبح مصدرًا رئيسيًا للأسلحة خلال العقد المقبل.

ثانيًا- السعي لتعزيز صناعة الدرونز في الخليج

أكد التقرير سعي السعودية والإمارات لتعزيز قدراتهما فيما يرتبط بالطائرات بدون طيار، فمنذ 2015 يتجه كلا البلدين لنشر العديد من المنصات الصينية للطائرات المسيرة، كـWing loong وCai-Hong (CH) 4B، كما تعمل أبو ظبي والرياض على تعزيز صناعاتهما المحلية في هذا المجال، حيث استثمرتا في نماذج محلية من سلسلة Yabhon الإماراتية، التي تنتجها شركة ADCOM Systems، وعائلة الصقر السعودي.

وقد أحرزت إيران تقدمًا كبيرًا في هذا المجال، بعد أن طورت العديد من المسيرات القادرة على الضربات لأغراض القتال والهجوم المباشر، كـAbabil-3T، وMohajer، وShaed-129، وقد خضعت الأخيرة لتحسينات مكنتها من العمل قُرابة 24 ساعة، واستطاعت رفع قدرتها التسليحية إلى ثمانية صواريخ جو-أرض. كما شهد الجيل الثاني من المسيرات الإيرانية تقدمًا ملحوظًا، لقدرته على استيعاب تقنيات متقدمة كالتحكم عبر الأقمار الصناعية، ما عزز قدراتها على المراقبة والاستطلاع والهجوم، وتمكينها من تجاوز الصعوبات التقليدية مثل محدودية النطاق العملياتي على مدى خط البصر، كما يوظف النظام الإيراني مثل هذه البرامج في أنشطة التعبئة والحشد داخليًا.

ثالثًا- شمال إفريقيا وموازنة القوة:

أوضح الكاتب أن المنافسة الجيوسياسية بين المغرب والجزائر في شمال إفريقيا، تفسر لجوء المغرب للحصول على نحو (3) طائرات بدون طيار إسرائيلية الصنع من طراز “هيرون”، وبالرغم من تأكيد الرباط أنها ستستخدم في مهام المراقبة والاستطلاع ضد الجماعات الإرهابية والمتمردين في الصحراء الغربية؛ إلا أن الهدف الأساسي يرتبط بالعمل على موازنة قدرات الطائرات بدون طيار الجزائرية؛ كونها الأكثر تطورًا في منطقة شمال إفريقيا، كما يمكن قراءة شراء المغرب لمنظومة (Bukovel) الأوكرانية المضادة للطائرات المسيرة (سبتمبر 2019) كمحاولة لتحقيق قدر من التكافؤ في ظل امتلاك الجزائر لبرنامج نشط من المسيرات.

رابعًا- إسرائيل والاستحواذ على صناعة المسيّرات:

يرى “بورساري” أن إسرائيل من الدول المهيمنة في هذا المجال، وربما تأتي بعد الولايات المتحدة مباشرة؛ فحتى عام 2014 كانت المصدر الرئيسي للطائرات المسيرة في العالم، إذ شكلت نحو 61% من الصادرات العالمية للطائرات بدون طيار. وتمتلك تل أبيب منظومات عالية القدرة، سواء حجم الحمولة أو مدى الطيران أو الإمكانات التكنولوجية. فعلى سبيل المثال، يمكن للطائرة من طراز Heron-TP القيام بمهام استراتيجية تصل إلى ارتفاع يزيد على 13 ألف متر وتتحرك بسرعة أكثر من 30 ساعة، كما تحمل مجموعات أجهزة الاستشعار والذخائر بسعة حمولة قصوى تبلغ 2700 كجم، كما يمكن أن تعمل خارج خط البصر بفضل الاتصال عبر الأقمار الصناعية مع الاعتماد على نظام الإقلاع والهبوط التلقائي.

ورغم تطور إسرائيل في صناعة الطائرات المسيرة، إلا أنها لا تبيعها لدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ولا تكشف هوية عملائها في المناطق الأخرى؛ لتصورها الدائم حول تهديد دول الجوار لأمنها. ورغم غياب إسرائيل عن السوق الإقليمية، إلا أنها تستهدف دولًا من جميع أرجاء أوروبا، وعلى رأسها ألمانيا وبريطانيا، فضلًا عن أمريكا اللاتينية وآسيا، ففي الفترة من 2010 حتى 2019 كان هناك نحو (21) دولة تتعاقد على شراء طائرات بدون طيار منها.

توسع صيني وتراجع أمريكي

أوضح التقرير أن الطائرات من طراز TB2 أو الطائرات الصينية من طراز مثل Wing Loong وCai Hong 4B هي الأكثر انتشارًا في المنطقة، ما يؤكد الدور الرائد للصين في سوق الطائرات الإقليمي على حساب شركات الدفاع الأمريكية، وهو ما يتنافى مع التفوق الأمريكي في تكنولوجيا الطائرات المسيرة. ويمكن تفسير ذلك في ضوء القيود الأمريكية التي تفرضها لوائح تصدير الأسلحة كسياسة نقل الأسلحة التقليدية CAT، فضلًا عن التزام واشنطن بالمعايير التي وضعها النظام الدولي للتحكم في تكنولوجيا الصواريخ (MTCR)، بالإضافة للقوانين المحلية. ومن ناحية أخرى، يقع أمن إسرائيل ضمن الأسباب التي فرضت قيودًا على صادرات الأسلحة الأمريكية، حيث امتنعت واشنطن عن بيع التكنولوجيا المتطورة للدول العربية التي قد تستخدمها ضد إسرائيل في أي صراع محتمل.

ومن هنا أصبحت الصين أحد المصدرين الرئيسيين للطائرات بدون طيار للمنطقة؛ لأسعارها المنخفضة، واتباعها نهجًا تصديريًا لا يقيد صفقات بيع الطائرات المسيرة للشرق الأوسط. وعليه، تعتبر الصين المحرك الأول في سوق الطائرات بدون طيار إقليميًا، وتعتبر الصفقة الموقعة عام 2017 بين شركة علوم وتكنولوجيا الفضاء الصينية والحكومة السعودية للإنتاج المشترك للطائرات بدون طيار من سلسلةCH  ترجمه واقعية لاستحواذ الصين على تلك الصناعة بالمنطقة.

وفيما يتعلق باستراتيجية واشنطن بشأن الطائرات المسيرة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، خاصة الامتناع عن بيع الطائرات بدون طيار في المنطقة، فقد أشارت دراسة لمؤسسة “راند” إلى أن نهج الولايات المتحدة يعتبر سلاحًا ذا حدين، إذ يحافظ على الأولوية التكنولوجية وتجنب سواء الاستخدام والتوظيف لهذه التقنية، إلا أنه أدى لتراجع الحصة الاقتصادية والتجارية الأمريكية في السوق، ما قيد الشراكات الأمنية الثنائية وحد من قدرات حلفائها.

ومع ذلك، فقد حدثت تغيرات أولية على استراتيجية واشنطن، لا سيما بوصول “ترامب” للبيت الأبيض؛ حيث انسحبت الولايات المتحدة من معاهدة تجارة الأسلحة الدولية، كما وافق “ترامب” (مايو 2018) على تصدير الطائرات بدون طيار. ومن ناحية أخرى، أبلغت الخارجية الأمريكية الكونجرس نيتها بيع حوالي (18) طائرة مسيرة عالية التقنية طراز MQ-9B للإمارات، في صفقة تصل قيمتها إلى 2.9 مليار دولار. كما قدمت أربع طائرات مسيرة طراز MQ-9B إلى المغرب، مع وجود اتفاق بقيمة 1 مليار دولار لا يزال ينتظر الموافقة، وإذا تم تمرير تلك الصفقات فيمكن اعتبار ذلك تحولًا هيكليًا، ومن شأنه تغيير سياسة واشنطن المستقبلية المتعلقة ببيع المسيرات في الخارج، إلا أن مستقبل هذه الصفقات سيتوقف على النهج الذي ستتبناه إدارة الرئيس المنتخب “جو بايدن”. 

سباق إقليمي لامتلاك مسيرات أكثر تطورًا

أكد “بورساري” أن الوضع الإقليمي يشهد حالة تنافسية بالغة التعقيد؛ إذ تسعى دول المنطقة لامتلاك طائرات بدون طيار ذات مدى عملياتي أوسع، فأغلب المسيرات التي تمتلكها -خاصة الصينية- تعمل ضمن نطاق مداه يمتد من 150 إلى 300 كم، لذلك يسود اتجاه لتطوير الطائرات المتوفرة لديها أو شراء أخرى أكثر تطورًا. وقامت بالفعل بعض دول الشرق الأوسط بإدخال تحسينات على بعض طائراتها، فيما حرصت الصين على توفير أنظمة تحكم عبر الأقمار الصناعية لعملائها، وبذلك أصبح عائق المدى المحدود لإدارة أعمال المسيرات بالمنطقة تحديًا مؤقتًا، سريعًا ما ستتخطاه دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وستتمكن من تنفيذ أنشطة تتجاوز نطاق خط البصر.

وتشير التقديرات إلى أن هناك (6) دول إقليمية، هي مصر وإسرائيل وإيران والمغرب وقطر والإمارات، تمتلك أقمارًا عسكرية تعزز من فُرصها لتطوير المدى العملياتي لطائراتها المسيرة، ومع أنظمة التحكم الصينية عبر الأقمار الصناعية -مثل منظومة (SATCOM)- ظهرت عمليات تحسين وتطوير قدرات الطائرات بدون طيار في الشرق الأوسط. وانعكس ذلك في تجاوز الطائرات المسيرة بالصراع الليبي عتبة 500 كم عن قواعدها، رغم كونها لا تتجاوز نصف تلك النطاقات في حالة تشغيلها بنظم التوجيه التقليدية. بالإضافة إلى ظهور نماذج لمسيرات إيرانية توضح تصميماتها احتمال توجيهها عبر الأقمار الصناعية، مثل Fotros UCAV، الأمر الذي يرتبط بشكل أو بآخر بإطلاق الحرس الثوري أول قمر صناعي عسكري له في أبريل الماضي.

تسرب المسيرات للفواعل دون الدول وخطر استنزاف الأمن الإقليمي

طرح التقرير إشكالية أخرى هامة ترتبط بخروج الطائرات بدون طيار عن دائرة الأصول الحصرية للحكومات الوطنية؛ فقد شهدت المنطقة تضاعف عدد الفواعل المسلحة من غير الدول التي وصلت لتقنيات المسيرات، كحزب الله اللبناني وجماعة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن، حيث بلغ حجم أسطول “حزب الله” أكثر من (200) طائرة بدون طيار إيرانية الصنع. كما طورت التنظيمات الإرهابية، وخاصة تنظيم “داعش”، مسيرات عبر استخدام طائرات بدون طيار مدنية رخيصة ويمكن الوصول إليها بسهولة.

ويهدد تسرب تقنيات الطائرات بدون طيار إلى الفواعل من دون الدول بتأثيرات وخيمة على الأمن الإقليمي، حيث توظف تلك المليشيات والتنظيمات تقنيات الطائرات بدون طيار في عمليات المراقبة والاستطلاع أو الهجوم بها بعد تفخيخها، ويتضمن مخاطر ذلك التسرب تصاعد أنشطة الحرب بالوكالة؛ إذ توفر المسيرات مميزات كسهولة التفكيك والتهريب، وانخفاض الكلفة المادية والبشرية، وهو ما يجعلها وسائط مثالية لبيئة الحرب بالوكالة. بالإضافة لما يثيره استخدام الطائرات المسيرة من حالة عدم اليقين، وتقييد القدرة على التقصي والتحقق من مرتكبي الاعتداءات، ما يُعزز من قيود تطبيق القانون وخفض مخاطر الانكشاف والإدانة.

تداعيات التوسع في استخدام الطائرات بدون طيار

ناقش الكاتب مجموعة من التأثيرات الأمنية والسياسية المؤثرة على المشهد في الشرق الأوسط، في ظل انتشار الطائرات المسيرة بشكل موسع، إذ يثير تطور قدرات الطائرات بدون طيار في المنطقة مخاوف من انطلاق سباق إقليمي لامتلاك مسيرات أكثر تطورًا، مما يُنذر بامتداد نشاطها لمسرح عمليات أوسع، وتغلبها على الصعوبات اللوجستية التي قيدت استخدامها حتى فترة قريبة. فمع بروز معالم برامج ومشروعات بهذا الإطار، وفي مقدمتها المشروع الإيراني للطائرات بدون طيار، أصبحت هناك برامج إقليمية موازية لرفع درجة الجاهزية وموازنة معادلة قوة المسيرات بالمنطقة، حيث دفع التقدم الإيراني الأخير السعودية لتطوير أسطولها من الطائرات بدون طيار، كطائرة Saker1c القادرة على العمل بشكل كامل خارج نطاق الرؤية.

وأصبح جليًا أن تكنولوجيا الطائرات بدون طيار تحظى باهتمام حكومي لافت، إذ صارت تُستخدم من قبل الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية في جميع النزاعات الرئيسية في المنطقة (اليمن، والعراق، وسوريا، وليبيا)، ويهدد ذلك بأن تشكل المسيرات وسيلة مفضلة لدى الدول في التعامل مع التمردات المحلية، وجماعات المعارضة، وحتى الأقليات المقاومة، مما يجعل الحوار والتفاوض في الخلفية، ويجعل الحكومات تغفل عن المشكلات والمظالم الكامنة وراء تلك الديناميات. ووفقًا للأرقام الرسمية التي قدمتها وزارة الدفاع التركية بشأن مقاطعة هكاري جنوب شرق تركيا، قتلت الطائرات بدون طيار أكثر من 70 من مقاتلي حزب العمال الكردستاني في الشهرين الأولين بعد انتشارها، في حين لا يزال عدد الضحايا المدنيين غير معروف. 

وقدم “بورساري” رؤية حول إمكانية تحفيز تكنولوجيا الطائرات بدون طيار ديناميكيات الصراعات الاقليمية؛ كونها تخفض من قيود توظيف القوة لما لها من مزايا ونسبة فعالية، بالإضافة لتكلفتها المنخفضة من حيث التعرض السياسي ووجهات النظر العسكرية. وبينما اقتصر استخدام الطائرات بدون طيار في السياق غير المتكافئ للحرب على الإرهاب، إلا أن انحسار هذه التهديدات واحتلال المنافسات الجيوسياسية في المنطقة مركز الصدارة، يعزز من إمكانية استخدام المسيرات ضد المنافسين الإقليميين، ويُعد استهداف “قاسم سليماني” أوائل العام الماضي مثالًا واضحًا على ذلك، وتبعه هجوم صاروخي إيراني ضد المجمعات العسكرية الأمريكية في العراق.

وفي السياق ذاته، تتزايد مخاطر سوء التقدير والحوادث العسكرية. ففي أغسطس 2020، قتلت غارة تركية بطائرة مسيرة عن طريق الخطأ ضابطين رفيعي المستوى من حرس الحدود شمال أربيل، مما أثار رد فعل دبلوماسيًا في بغداد، حيث ألغت الحكومة العراقية زيارة وزارية تركية وطلبت إدانة سياسية من الدول العربية داخل جامعة الدول العربية.

مستقبل استخدام الطائرات بدون طيار في الشرق الأوسط

يُرجح التقرير استمرار المسار التصاعدي لانتشار الطائرات بدون طيار بنمط نمو سريع؛ لاعتبارات تتعلق بالحاجة المتزايدة إلى أدوات قادرة على القتال، إلى جانب الوضع الاقتصادي الذي تمر به العديد من البلدان حاليًا، لا سيما في ظل تداعيات وباء كورونا وتأثيره طويل الأمد على الإنفاق الدفاعي في المنطقة، مما يفتح مساحة سوق جديدة لمنصات بدون طيار. وهو اتجاه يقود للاعتقاد بتصاعد توظيف استخدام القوة، من قبل الفواعل الحكوميين وغير الحكوميين، مع تداعيات محتملة على القانون الدولي والنظم الحاكمة لاستخدام القوة، وهي تحولات تُنبئ بتغيرات ديناميكية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. 

وأشار “بورساري” إلى أن تنامي دور الطائرات بدون طيار لم يمكنها من شغل محل الطائرات المأهولة، كمنصات جوية رئيسية لأي جيش في العالم، ناهيك عن دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. فبينما تمثل الطائرات المسيرة أصولًا مدمرة في الحروب غير المتكافئة، إلا أنها تحتاج لإثبات ذات الفعالية ضد القوات التقليدية والمجهزة جيدًا، وفي البيئات المحرومة من الاتصالات أو المساحات التشغيلية المتنازع عليها التي تتميز بالدفاعات الجوية المتطورة، حيث تظل محدودة التأثير في مثل هكذا ظروف. 

وطرح الكاتب احتمالية نجاح برامج التطوير والتحسين لموازنة هذه القيود أو على الأقل تقليلها، لكن الدول لا تزال تستثمر كميات هائلة من الموارد في تطوير منصات مأهولة، لذا فحجم الاعتمادية على الطائرات بدون طيار في المهام النوعية لا يزال آخذًا بالتدرج، على الرغم من التوقعات بأن تتسارع وتيرتها بشكل كبير في السنوات القادمة؛ لأن أنظمة الطائرات بدون طيار المستقبلية ستكون أكثر تخفيًا وأكثر دقة، وقادرة على العمل بنطاق تشغيلي أكبر وإمكانيات تسليحية أكثر فتكًا.

محمود قاسم - حسين عبدالراضي