مقال تحليلي

منتدى الصداقة.. تحالف الضرورة لمواجهة التحديات المتزايدة

شهدت العاصمة اليونانية “أثينا” (11 فبراير 2021) انطلاق اعمال منتدى الصداقة، بمشاركة كل من وزراء خارجية مصر والسعودية والأردن والبحرين والإمارات واليونان وقبرص، لبحث عدد من التطورات التي تشهدها منطقة شرق المتوسط والشرق الأوسط. السياق والدلالات يُصاحب انعقاد القمة السباعية عدد من التغيرات والتحولات على الصعيدين الدولي والإقليمي، الأمر الذي يُضفي مزيدًا من الأهمية عليها، خاصة وأن منطقة شرق المتوسط والشرق الأوسط تشهد مؤخرًا عددًا من التفاعلات والترتيبات التي تتشابك فيها الدول الأطراف المشاركة في المنتدى. وفي هذا الصدد يمكننا الإشارة إلى ما يلي: تعاون عابر للحدود: يدخل منتدى الصداقة ضمن أنماط التشاور متعدد الأطراف، حيث يجمع عددًا من الدول…

محمود قاسم
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة

شهدت العاصمة اليونانية “أثينا” (11 فبراير 2021) انطلاق اعمال منتدى الصداقة، بمشاركة كل من وزراء خارجية مصر والسعودية والأردن والبحرين والإمارات واليونان وقبرص، لبحث عدد من التطورات التي تشهدها منطقة شرق المتوسط والشرق الأوسط.

السياق والدلالات

يُصاحب انعقاد القمة السباعية عدد من التغيرات والتحولات على الصعيدين الدولي والإقليمي، الأمر الذي يُضفي مزيدًا من الأهمية عليها، خاصة وأن منطقة شرق المتوسط والشرق الأوسط تشهد مؤخرًا عددًا من التفاعلات والترتيبات التي تتشابك فيها الدول الأطراف المشاركة في المنتدى. وفي هذا الصدد يمكننا الإشارة إلى ما يلي:

  • تعاون عابر للحدود: يدخل منتدى الصداقة ضمن أنماط التشاور متعدد الأطراف، حيث يجمع عددًا من الدول (عربية وأوروبية) من نطاقات جغرافيه مختلفة. وعليه، قد يدفع المزيج العربي الأوروبي المُشارك في المنتدى لتعزيز الشراكات عبر الإقليم للتعاطي الجاد مع التحديات المُهددة لأمن واستقرار المنطقة، في ظل تنامي المخاطر على الصعيدين الدولي والإقليمي. وعليه فقد تحرص تلك الدول على دورية انعقاد المنتدى، وقد تتجه فيما بعد لإضفاء الطابع المؤسسي على هذا التعاون، بهدف ضمان تحرك جماعي موحد يعمل على ترسيخ دعائم الأمن والاستقرار والحيلولة دون تفاقم النزاعات.
  • بلورة رؤية مشتركة: يتقاطع انعقاد منتدى الصداقة، مع وصول الرئيس الأمريكي “جو بايدن” للبيت الأبيض، كأحد أبرز التحولات والتغيرات على الساحة الدولية. وعليه فقد يساهم هذا التجمع وعبر النقاشات الثنائية والنتائج المتوقعة للقمة في بلورة رؤية جماعية مشتركة بين الدول الأعضاء بشأن القضايا والملفات محل الاهتمام المشترك، وذلك بهدف التأكيد على وجهة نظر تلك الدول واستراتيجيتها الحاكمة للتعامل المستقبلي مع الملفات المشتركة، سواء فيما يرتبط بالترتيبات الأمنية أو السياسية في منطقة شرق المتوسط أو الشرق الأوسط بشكل عام. 
  • استحضار ترتيبات الطاقة: تعتبر قضية أمن الطاقة ضمن القضايا المحورية التي تطرقت القمة إليها، وذلك في أعقاب التحول الكبير الذي شهدته منطقة شرق المتوسط بعدما تم تحويل منتدى غاز شرق المتوسط لمنظمة إقليمية مقرها القاهرة في سبتمبر 2020، والذي سيدخل حيز التنفيذ خلال شهر مارس المقبل. وعليه، يُمكن أن يطرح “منتدى الصداقة” مزيدًا من الفرص الرامية لتعظيم المكاسب والمنافع المتبادلة، وتحقيق أكبر قدر من الاستفادة من الموارد الهيدروكربونية الوفيرة التي تتمتع بها المنطقة والتي تصاعدت بفعل اكتشافات الغاز الطبيعي في المياه الاقتصادية الخالصة لدول حوض المتوسط. من ناحية أخرى، قد ينتج عن هذه القمة توسيع عضوية الدول الأعضاء في منظمة شرق المتوسط، بحيث يمكن أن تنضم كل من السعودية والبحرين على غرار انضمام الإمارات بصفتها مراقبًا في ديسمبر الماضي، إذ إن ميثاف المنظمة يمنح الحق للدول غير المتوسطية بالمشاركة في عضوية المنظمة شريطة احترام المبادئ الحاكمة لهذا التجمع.
  • تحركات استباقية: يُنظر لعقد المنتدى في هذا التوقيت، كنوع من السياسة الخارجية الاستباقية التي تستهدف إيصال رسالة للاتحاد الأوروبي، قبل القمة الأوروبية التي ستعقد في مارس 2021، والتي ستناقش مستقبل التحركات التركية شرق المتوسط، خاصة في ظل استمرار ومواصلة تركيا لأعمالها العدائية في منطقة شرق المتوسط، علاوة على مساعيها المستمرة لعسكرة المنطقة عبر إرسال سفن للتنقيب عن الغاز شرق المتوسط، فضلًا عن عقد عدد من التدريبات والمناورات العسكرية بما يهدد أمن واستقرار المنطقة. وعليه، تبعث القمة برسالة استباقية تستهدف تبني موقف جماعي لتحجيم وتطويق التحركات التركية، خاصة وأن الفترة السابقة قد شهدت تعثرًا واضحًا رغم الإشارات الإيجابية فيما يرتبط بالمحادثات الاستكشافية بين تركيا واليونان، نظرًا لاتساع الفجوة بين الطرفين، وعدم التلاقي في نقاط مشتركة يمكن البناء عليها.

ومن هنا يُتوقع أن تستمر تركيا في حالة المراوغة، واتباع مسار تصعيدي وصدامي مع دول المنطقة، خاصة أن تحركات تركيا تأتي وفقًا لعقيدة واستراتيجية (الوطن الأزرق) يصعب التخلي عنها، إذ إنها تعمل على تأمين احتياجاتها من الطاقة حتى ولو كان هذا الأمر بما يتعارض مع قواعد القانون الدولي للبحار. ومن هنا تعمل تركيا على فرض أمر واقع في شرق المتوسط وبحر إيجه والبحر الأسود، بهدف مواجهة مأزق الشح في موارد الطاقة التي تعاني منها؛ إذ إن إنتاج تركيا من الطاقة أقل من 2% من استهلاكها، كما أن فاتورة استيراد الطاقة قد بلغت نحو 185 مليار دولار خلال الأعوام الخمسة الماضية.

  • تعزيز الرؤية المتوسطية: أكدت الاستجابة المصرية لحضور المنتدى والمشاركة فيه على البعد المتوسطي في السياسة الخارجية المصرية، وهو ما أكده وزير الخارجية المصري “سامح شكري” خلال كلمته، حيث نوه إلى آليات التعاون الثلاثي بين مصر وقبرص واليونان، والتي تشكلت بداية من نوفمبر 2014، وساهمت في تعزيز وتعميق العلاقات بين الأطراف الثلاثة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على تشكيل وتأسيس منتدى غاز شرق المتوسط، ناهيك عن تعزيز الشراكة الاستراتيجية عبر عقد مجموعة من القمم بين الأطراف الثلاثة وبصورة دورية، وكان آخرها القمة الثامنة التي عُقدت في قبرص أكتوبر 2020، علاوة على دعم التعاون العسكري عبر التدريبات العسكرية المشتركة “ميدوزا” التي انتهت نسختها العاشرة في ديسمبر 2020.
  • الترسيخ للعزلة التركية: يجتمع منتدى الصداقة على رفض السياسات التركية، سواء في منطقة شرق المتوسط أو حالة التوسع والتدخل المستمر من أنقرة في عدد من الصراعات في الشرق الأوسط، ضمن مساعيها لإحياء العثمانية الجديدة والتمدد خارج حدودها. وعليه، يفرض هذا التجمع مزيدًا من العزلة على تركيا، خاصة وأنها لم تعد ضمن أية ترتيبات أو تحالفات جماعية شهدتها المنطقة مؤخرًا، بعدما تم استبعادها من منظمة غاز شرق المتوسط، أو من خلال تحجيمها عبر الأسس والقواعد القانونية، على غرار توقيع مصر واليونان اتفاقية ترسيم الحدود البحرية فيما بينهما في أغسطس 2020، والذي أضفى شرعية قانونية تمنح الطرفين الحق في التنقيب عن الغاز واستغلال الثروات الطبيعية في المنطقة التي شملها الاتفاق، على خلاف الاتفاق الذي وقعه الرئيس التركي “أردوغان” مع رئيس حكومة الوفاق “فايز السراج” في نوفمبر 2019 والذي تجاهل حقوق جزيرة كريت اليونانية وضرب بقواعد القانون الدولي للبحار عرض الحائط.
  • إحياء مسار برشلونة: يتزامن انعقاد المؤتمر مع مرور نحو 25 عامًا على إعلان برشلونة (فبراير 1995)، حيث اقترح الاتحاد الأوروبي خطة جديدة تستهدف التعامل مع التحديات الحالية، وفي مقدمتها جائحة كورونا، والعمل على حشد مزيد من الاستثمارات لدعم الخطة الأوروبية لتفعيل مسار برشلونة، وتعزيز الشراكة الاستراتيجية للتعاون في مواجهة عدد من التحديات الأمنية، وترسيخ الأمن في منطقة البحر الأبيض المتوسط من خلال مستويات التعاون المختلفة، سواء الثنائية أو متعددة الأطراف، وكذا الشراكات الإقليمية. ومن هنا يمكن أن يفتح “منتدى الصداقة” المجال أمام هذه الدول للمساهمة في تعزيز وتنمية الشراكة عبر الاتحاد من أجل المتوسط.

في الأخير، يظل انعقاد منتدى الصداقة مقدمة يمكن البناء عليها والتأسيس من خلاله لمرحلة جديدة من التعاون المشترك بين هذه الدول، خاصة وأن تنامي التحديات والتهديدات التي تواجه المنطقة والعالم تحتاج لتكثيف الجهود وصياغة رؤى توافقية للتعامل معها. وهو ما يستلزم قيام الدول المشاركة في المنتدى بالحفاظ على دروية انعقاد المنتدى وتوسيع عضويته بهدف إرساء السلام، وتطبيق قواعد القانون الدولي، وتبني الحلول السلمية، والابتعاد عن نهج العسكرة واللجوء للقوة في التعامل مع أزمات المنطقة، وهو ما يمكن قراءته من خطاب كافة وزراء خارجية الدول المشاركة في المنتدى.

محمود قاسم
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة