وحدة الدراسات الاقتصادية

كيف تعاملت الحكومة مع عجز الموازنة خلال جائحة كورونا؟

عانت الموازنة العامة المصرية بداية من عشرينيات القرن الماضي -على الأقل- وبصفة مُستمرة من ارتفاع مُجمل مصروفاتها عن إيراداتها، مما يُسبب عجزًا للموازنة العامة للدولة، يدفع في اتجاه مزيدٍ من الاقتراض، حيث تضطر الحكومة للجوء إلى الأسواق المحلية والأجنبية استكمالًا لجزء من نفقاتها الذي لم تُغطه الإيرادات، وهو ما يُرتب في العام التالي مزيدًا من الأعباء التي تُثقل كاهل الموازنة العامة للدولة، مما يضطرها للاقتراض مُستقبلًا. هذا وقد عمقت جائحة كورونا من مُعاناة الاقتصاد المصري، بعد أن ضغطت على مصادر الإيرادات العامة، وتدفقاته من النقد الأجنبي؛ لكنها -في الوقت ذاته- خففت جُزءًا من أعبائه نتيجة انخفاض أسعار المواد الأولية؛ إلا…

د. محمد شادي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

عانت الموازنة العامة المصرية بداية من عشرينيات القرن الماضي -على الأقل- وبصفة مُستمرة من ارتفاع مُجمل مصروفاتها عن إيراداتها، مما يُسبب عجزًا للموازنة العامة للدولة، يدفع في اتجاه مزيدٍ من الاقتراض، حيث تضطر الحكومة للجوء إلى الأسواق المحلية والأجنبية استكمالًا لجزء من نفقاتها الذي لم تُغطه الإيرادات، وهو ما يُرتب في العام التالي مزيدًا من الأعباء التي تُثقل كاهل الموازنة العامة للدولة، مما يضطرها للاقتراض مُستقبلًا. هذا وقد عمقت جائحة كورونا من مُعاناة الاقتصاد المصري، بعد أن ضغطت على مصادر الإيرادات العامة، وتدفقاته من النقد الأجنبي؛ لكنها -في الوقت ذاته- خففت جُزءًا من أعبائه نتيجة انخفاض أسعار المواد الأولية؛ إلا أن ذلك صاحبه ارتفع في الإنفاق على الأغراض الطبية والاجتماعية لمواجهة الآثار الصحية والاقتصادية للجائحة، مما يتطلب تقصي الأثر الكُلي للجائحة على مؤشرات الموازنة العامة.

أولًا- الصورة الإجمالية للموازنة العامة للدولة قبل الجائحة:

قبل بداية الموجة الأولى من كورونا وخلال الرُبع الأول من العام الميلادي 2020 (الثالث من العام المالي 2019/2020) كانت الموازنة العامة للدولة تؤدي في أفضل حالتها خلال السنوات العشر الماضية بعد أن جنت نتائج الإصلاح الاقتصادي المُكثف خلال السنوات الثلاث السابقة، حيث انخفض العجز الكُلي لأدنى مُستوياته مُقارنة بالناتج المحلي الإجمالي مُنذ 2010 صاحبه ارتفاع مُماثل للفائض الأولي الذي يُعبر عن الفارق بين الإيرادات والمصروفات مع استثناء باب الفوائد، الأمر الذي يعني بالتبعية قُدرة إيرادات الدولة على تغطية نفقاتها عند استبعاد آثار الماضي، وهو ما يُعد مؤشرًا جيدًا للأوضاع المُستقبلية. ويوضح الشكل التالي تطور العجزين الكُلي والأولي خلال الفترة من 2013/2014 وحتى 2019/2020:

شكل 1 – يوضح تطور الميزانين الأولي والكُلي للموازنة العامة للدولة فيما بين العامين الماليين 2013/2014 و2019/2020

يتضح من الشكل تحول الميزان الأولي من العجز البالغ -3.4% من الناتج المحلي الإجمالي في العام المالي 2013/2014 إلى فائض بنسبة 1.9% خلال العام 2018/2019، وكذلك انخفاض الميزان الكُلي من -12% إلى -8.1% في الفترة ذاتها، مع توقع بارتفاع الميزان الأولي إلى 2% وانخفاض العجز الكُلي إلى -7.2% خلال العام 2019/2020. ويرجع ذلك في الأساس لما أُدخل من تعديلات هيكلية على جانب المصروفات العامة، خاصة في باب الدعم والاستثمارات، وكذلك ارتفاع الإيرادات العامة مع عدد واسع من الإصلاحات الإطارية والمالية ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي جرى بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، لكن خلال الرُبع الثالث ضربت الجائحة مما غير اتجاهات الإيرادات والمصروفات العامة بشكل كبير، نتناوله فيما يلي بشيء من التفصيل.

ثانيًا- الإيرادات العامة قبل وأثناء الموجة الأولى:

قبل الجائحة كان مشهد الموازنة العامة يميل الى الاستقرار كما سبقت الإشارة، ولكن مع حلول الجائحة بداية من شهر مارس بدأت الأوضاع الكُلية للإيرادات تتغير وخاصة الضريبية منها (تُمثل 80% من إجمالي الإيرادات العامة في المتوسط) بعدما تأثرت أرباح الأعمال ودخول الأفراد، مع الانخفاض الحاد في الاستهلاك الذي صاحب شهري مارس وإبريل بعد اتخاذ إجراءات الإغلاق الجُزئي، وتخفيف ساعات العمل الحكومي والخاص إلى نحو النصف، والإغلاق التام لبعض أهم القطاعات المُشغلة للعمالة مثل قطاعات الضيافة، والمطاعم والمقاهي، والترفيه، الأمر الذي أسفر عن بداية انخفاض في الحصيلة الضريبية يرصده الشكل التالي:

شكل 2 – يُقارن بين الحصيلة الضريبية خلال العامين الماليين 2018/2019 و2019/2020، ومُعدلات نموها السنوية بداية من 2013/2014

يُظهر الشكل مدى تأثر الحصيلة الضريبية بالجائحة خلال الرُبعين الثاني والثالث من العام، مما أعاق نموها في كامل العام، ورغم انخفاضها خلال الرُبع الأول المالي -يوليو: سبتمبر- انخفاض الإيرادات المُحصلة من البنك المركزي في ضوء سياسته النقدية التقييدية للسيطرة على التضخم، وتراجع مُتحصلات الجمارك وقناة السويس نتيجة تحسن سعر صرف الجنيه مُقابل الدولار. وفيما بدأت الإيرادات خلال الرُبع الثاني تتعافى لتُحقق نموًا خلال شهر يناير من الرُبع الثالث بنحو 17% مُقارنة بالشهر ذاته في العام المالي 2018/2019، مع استقرار المؤشرات الكُلية من تضخم وسعر صرف وخلافه؛ انهارت بداية من فبراير لتنخفض عن حصيلة العام الماضي، وتبلغ ذروة انهيارها في مايو بمُعدل انكماش بلغ -15% مع بلوغ الموجة الأولى للجائحة أعلى مُعدلات الإصابة والوفيات وتصاعد إجراءات الغلق.

ولعل تأثير الجائحة الكُلي يظهر بشكل أوضح أولًا عند مُقارنة الربط الأولي مع الختامي، حيث رُبطت عند مُستوى 856 مليار جنيه مع صدور قانون ربط الموازنة العامة للدولة، فيما انخفضت عند تقديم الحساب الختامي إلى مُستوى 739.6 مليار جنيه، وهو انخفاض بنسبة 15% من الربط الأولي. وثانيًا عند مُقارنة مُعدلات النمو السنوية للحصيلة الضريبية، حيث حقق العام 2019/2020 أدنى مُعدل نمو خلال سبع سنوات عند مستوى 0% مُنذ العام المالي 2013/2014، عندما حققت نموًا بنسبة 4%، فيما بلغ النمو خلال العام السابق 17%، و20% كمتوسط للنمو السنوي خلال كامل الفترة. بالتوازي مع ذلك انخفضت بعض الإيرادات الأخرى غير الضريبية بشدة خاصة عوائد الملكية، والتي انخفضت إلى 65.5 مليار جنيه في الختامي، وذلك من 110.7 مليارات مُتوقعة عند الربط الأولي و70.3 مليار في ختامي 2018/2019. وقد أدت مُجمل هذه التغيُّرات إلى انخفاض إجمالي الإيرادات العامة إلى نحو 975.4 مليار جنيه، من 1.17 تريليون جنيه عند الربط الأولي، وذلك بنسبة 16.9%، وارتفاعًا من 941.9 مليار جنيه في عام 2018/2019 بمُعدل نمو 3.6%.

ثانيًا- المصروفات العامة:

استلزم انخفاض الإيرادات العامة عن المُقرر لها إجراء خفض مُقابل في المصروفات العامة قدر الإمكان بحيث تُحافظ الموازنة على مُستهدفاتها متوسطة الأمد، بما يؤدي في النهاية لخفض الاقتراض كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي ثم كرقم مقطوع، بما يقود إلى خفض أعباء باب الفوائد، وهو ما حاولت وزارة المالية تحقيقه، في جميع أبواب المصروفات. فعلى مستوى باب الأجور، بلغ الربط الأولي 301.1 مليار جنيه، في حين انخفض الربط الختامي إلى 288.7 مليار، في مُقابل 266 مليار جنيه في العام 2018/2019، وقد طال هذا الانخفاض مُعظم أبواب المصروفات، كما يوضح الشكل التالي:

شكل 3 – يُقارن بين الربطين الأولي والختامي لعام 2019/2020 والربط الختامي لعام 2018/2019 لأبواب المصروفات الخمسة

ويوضح الشكل انخفاض الربط الختامي عن الأولي في جميع الأبواب بمُستويات وصل أقصاها إلى 30% من باب الدعم، بينما كان أقل الأبواب انخفاضًا هو باب الفوائد الذي يُشكل التزامات على الحكومة لا يُمكن تأجيلها أو خفضها دون أضرار جسيمة تُصيب الجدارة الائتمانية والتصنيف الائتماني لها، كما أن أداء كامل الفوائد رغم الظرف العالمي القاهر يرفع من مستويات الثقة في الحكومة وفي قُدرتها على التكيف مع الصدمات، الأمر الذي أثمر بالفعل، حيث عادت مُعظم الاستثمارات الأجنبية غير المُباشرة التي كانت قد خرجت من مصر مع بداية الأزمة، وما زالت مُستمرة في العودة.

من جانب آخر، شهدت نفقات باب الدعم انخفاضًا نتيجة انخفاض أسعار المواد الأساسية الذي صاحب الأزمة نتيجة انخفاض الطلب وعلى وجه الخصوص أسعار المواد البترولية والمواد الغذائية وعلى رأسها الحبوب التي تُشكل نحو 40% من الواردات المصرية، الأمر الذي خفض بالتالي فاتورة الدعم نتيجة انخفاض الفارق بين السعر العالمي والسعر الذي تُطرح به هذه المواد للمُستهلك المحلي. ويوضح الشكل التغيرات التي طرأت على بعض أهم بنود الدعم:

شكل 4 – يُقارن بين الربطين الأولي والختامي لعام 2019/2020 والربط الختامي لعام 2018/2019 لبعض أهم بنود الدعم

يوضح الشكل انخفاض بنود الدعم العيني (دعم المؤسسات غير المالية) الذي من بين أهم بنوده دعم السلع التموينية الذي انخفض بنحو 10% عن الربط الأولي، رغم ارتفاع الكميات التي اشترتها الحكومة خلال العام لرفع مخزونها الاستراتيجي، حيث ارتفعت الواردات من القمح على سبيل المثال إلى 13.7 ألف طن في 2020 مُقارنة بنحو 12.5 ألف طُن في 2019، وفي الوقت ذاته بلغ إجمالي البند 80.5 مليار جنيه في 2020 مُقارنة مع 87.5 مليار في العام السابق. ينطبق الوضع ذاته على واردات الطاقة، حيث انخفضت نفقات البند إلى 18.6 مليار على إثر انخفاض السعر العالمي وتحرير الأسعار في السوق المحلية، الأمر الذي ساهم في خفض المُخصصات إلى 18.6 مليار مُقارنة من 100.6 مليار في العام السابق و56.9 مليار من الربط الأولي. لكن هذه الانخفاضات لم تطل مُخصصات الدعم النقدي في مُعظمها التي شهدت ارتفاعًا مُقارنة مع السابق وانخفاضًا طفيفًا مُقارنة مع الربط الأولي، وهو ما يُعزز الاستنتاجات التي كُنا قد توصلنا إليها في مقال سابق عن تحول فلسفة الدعم في ظل الإدارة الحالية إلى الدعم النقدي المُباشر، بحيث يصل إلى المُستحق فورًا ودون حلقات تجزئة ترفع التكلفة على الدولة أو تصل به إلى غير المُستحقين.

وقد أسفر مُجمل هذه التطورات عن انخفاض الربط الختامي للمصروفات إلى 1.43 تريليون جنيه مُقارنة مع 1.62 تريليون لدى الربط الأولي، و1.36 تريليون مُقارنة مع مصروفات العام السابق، الأمر الذي أدى إلى رفع العجز الكُلي إلى 221 مليار جنيه مُقارنة مع 223.3 خلال العام الماضي، و199.5 عند الربط الأولي، كما يوضح الشكل التالي:

شكل 5 – يوضح النتائج النهائية للموازنة العامة للدولة في العام المالي 2019/2020 للربطين الأولي والختامي مُقارنة مع العام 2018/2019

ويُظهر الشكل تراجع مُستهدفات الموازنة العامة للدولة، حيث ارتفع العجز الكُلي الختامي عما كان متوقعًا عند الربط الأولي، كما انخفض الفائض الأولي الختامي عن توقعات الربط الأولي، وعلى الرغم من ذلك حافظت الحكومة على الفائض الأولي قائمًا، والعجز الكُلي في اتجاه الانخفاض.

خُلاصة ما سبق -إذن- أنه رغم تأثر الإيرادات الضريبية بشكل كبير على إثر الأزمة؛ إلا أن الدولة نجحت في خفض جميع أبواب المصروفات حتى تُحافظ على الحد الأدنى من مُستهدفاتها طويلة الأمد، وساعدها في ذلك انخفاض أسعار السلع الأساسية، وخاصة سلع الطاقة والمواد الغذائية.

د. محمد شادي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة