مقال تحليلي

تطور نوعي: المنتدى العربي الاستخباري ومواجهة مهدِّدات استقرار المنطقة

يمثل تدشين المنتدى العربي الاستخباري، 1 فبراير 2021، خطوة بالغة الأهمية نحو تنسيق الجهود الأمنية، وتفعيل منظومة عمل شاملة ترقى لحجم التهديدات المتنامية المستهدفة لأمن واستقرار المنطقة العربية. وتعكس اتجاهات عمل المنتدى إعطاء الدولة المصرية ومؤسساتها أولوية لحشد أنشطة وبرامج الدول العربية للتكامل، ضمن هيكل فعال يُعزز استباقيًا قدرتها على الردع والمواجهة، ورفع جاهزيتها ودرايتها بمجريات الأحداث، والتحول الجاري في طبيعة المخاطر المقوِّضة لأمن وسلامة الدول الوطنية. فبتغير نمط المواجهة، واعتماد الأطراف المقوضة لمعادلة الأمن العربي لمنهجية حروب الجيل الرابع والجيل الخامس غير النمطية؛ كان لزامًا على الدولة المصرية نقل تجربتها في المواجهة والردع لمحيطها العربي، لا سيما في سياق…

حسين عبد الراضي
باحث بوحدة التسلح

يمثل تدشين المنتدى العربي الاستخباري، 1 فبراير 2021، خطوة بالغة الأهمية نحو تنسيق الجهود الأمنية، وتفعيل منظومة عمل شاملة ترقى لحجم التهديدات المتنامية المستهدفة لأمن واستقرار المنطقة العربية. وتعكس اتجاهات عمل المنتدى إعطاء الدولة المصرية ومؤسساتها أولوية لحشد أنشطة وبرامج الدول العربية للتكامل، ضمن هيكل فعال يُعزز استباقيًا قدرتها على الردع والمواجهة، ورفع جاهزيتها ودرايتها بمجريات الأحداث، والتحول الجاري في طبيعة المخاطر المقوِّضة لأمن وسلامة الدول الوطنية. فبتغير نمط المواجهة، واعتماد الأطراف المقوضة لمعادلة الأمن العربي لمنهجية حروب الجيل الرابع والجيل الخامس غير النمطية؛ كان لزامًا على الدولة المصرية نقل تجربتها في المواجهة والردع لمحيطها العربي، لا سيما في سياق نجاحها باجتثاث خطر التنظيمات الإرهابية والجريمة المنظمة. وقد كان للعمل الاستخباراتي المصري دور محوري في إحباط مخططات إفشال الدولة والانقلاب على ثوابتها الوطنية، لذا كثف جهاز المخابرات العامة المصرية جهوده واتصالاته بنظرائه العرب، وأفضت تلك التحركات لتحقيق نجاحات مشتركة هامة، عكست أهمية التشاركية وتنسيق الرؤى، واستدعت صياغة استراتيجية عربية استخباراتية شاملة لتعظيم فعالية أنشطتها.

ماهية المنتدى

“المنتدى العربي الاستخباري” كيان أمني تأسس بالعاصمة المصرية “القاهرة”، ويضُم مُمثلي أجهزة المخابرات العربية، ويعمل بإشراف وقيادة رؤساء هذه الأجهزة. وتُعد خطوة تأسيس المنتدى قفزة هامة لتحقيق درجة عالية من الفعالية والمرونة في مسارات العمل الاستخباري، وهي تشمل التعامل مع كافة التهديدات النمطية وغير النمطية التي طرأت على المشهد العربي. والفكرة قائمة منذ اجتماع رؤساء أجهزة الاستخبارات العربية، 22-23 فبراير 2020، الذي احتضنته القاهرة كأول فعاليات المنتدى بدعوة من جهاز المخابرات العامة المصرية، وطُرح خلاله عدد من القضايا والتهديدات القائمة والمُحتملة على الأمن العربي.

وتقوم فلسفة عمل المنتدى على جمع وتنسيق الجهود الاستخباراتية العربية، وتحقيق التعاون الإقليمي حول القضايا محل الاهتمام المشترك، وتخطي المفاهيم وطرق العمل المختلفة فيما بينها؛ لإنجاز خطوات حقيقية على صعيد التكامل المعلوماتي بين الدول العربية. وتتضمن أعمال المنتدى تنسيق خطط عمل الأجهزة الاستخباراتية، من خلال تبادل المعلومات والبيانات، وتطوير نموذج استجابة للتهديدات الناشئة والمخاطر المستجدة، بالإضافة إلى ضبط إيقاع أنشطة الاستخبارات العربية عبر صياغة استراتيجية عمل موحدة. ومن شأن ذلك الوصول إلى مستوى عالٍ من الفعالية والأداء غير المتعارض، كما يتيح تبادل الخبرات وتطوير منهجية التحرك.

رمزيّة المقر ودلالة التوقيت

أسهم التعاون الاستخباراتي العربي في استباق وردع العديد من المخططات التي تم توجيهها للمنطقة في العديد من الفترات، ومن شأن تأسيس كيان رسمي قائم على ذلك التعاون تحقيق كثير من العوائد الإيجابية للدول المشاركة بالمنتدى، حيث تسمح إدارة عمليات التنسيق وتبادل المعلومات في زيادة فعالية مواجهة التهديدات المتنامية، وعدم الاقتصار على القضايا القُطرية الداخلية أو الإقليمية بشكل منفرد، بل التوسع لاشتمال القضايا المستحدثة التي قد تمثل خطرًا داهمًا على المجتمعات العربية. ويؤكد احتضان القاهرة لمقر المنتدى الاستخباري نجاح الدولة المصرية في قيادة مسارات العمل العربي على اختلافها، بل وقدرتها على تخليق مجالات تعاونية أكثر إلحاحًا وفاعلية لتحقيق أهدافها التي تمثل امتدادًا لأهداف المنطقة العربية كلها.

ويشير افتتاح المقر الدائم للمنتدى، هذا العام، إلى أن استراتيجية القاهرة قد رُسمت وتسير دون توقف، فبعد دعوة جهاز المخابرات العامة المصرية لاجتماع رؤساء الأجهزة الاستخبارية العربية العام الماضي، تتجدد الدعوة لافتتاح مقر دائم للمنتدى، ويدلل ذلك على شمولية الرؤية المصرية، وأن الأمن القومي العربي ركن أساسي فيها، تطوع كل أدواتها لحفظه وصونه. كما تعكس تلك الخطوة إدراك القيادة المصرية ومؤسسات الدولة لطبيعة التحديات والمخاطر المحيطة، وأن مواجهتها بفاعلية يتطلب تنسيقًا حقيقيًا وتعاونًا إقليميًا، وهو ما تستهدفه مصر عبر حشد الجهود العربية للعمل الاستخباري المشترك.

ويأتي تدشين المنتدى الاستخباري العربي إيذانًا بدخول العالم العربي مرحلة جديدة من تحديث القدرات وتفهم المخططات الجاري تطبيقها، واستحداث آليات عمل تتناسب مع التهديدات المتواصلة لأمن المنطقة. ومن ثم، يمثل توقيت مأسسة التعاون الاستخباري العربي بداية جولة أخرى من الحروب غير النمطية، يجري الاستعداد لها بالتنسيق والتشاركية وتبادل المعلومات، وبناء منظومة عربية فعالة قادرة على كشف واستباق ما يُعد للدول العربية من مخططات هدامة، وإيجاد أنماط فعالة للتصدي لما خلفته الموجات السابقة من تحديات بالغة الخطر.

أدوار ومهام المنتدى

تُرجح اتجاهات الأحداث أن المنتدى سيناط به العديد من الأدوار والمهام الرئيسية، وستتجه في النهاية للوصول إلى نموذج استخباري قادر على تشبيك المصالح وتنسيق التحركات. ولعل أبرز المهام التي سيضطلع بها المنتدى العربي الاستخباري هي:

تنسيق الرؤى والمواقف: تتصدر قائمة المهام المسندة للمنتدى الوصول لأرضية عمل مشتركة، لتنسيق رؤى ومواقف أجهزة المخابرات المشاركة حول القضايا والتهديدات التي تمسّ الوطن العربي. ومنذ الاجتماع الأول، فبراير 2020، قطع المشاركون شوطًا هامًا في هذا السياق، وأصبح هناك توافق على أولوية التصدي لخطر التنظيمات الإرهابية والجريمة المنظمة، ومخططات هدم الدول، والتدخلات الخارجية التي تمس سيادة ومصالح الدول العربية.

تحديث أطر العمل ورفع الجاهزية: ستتضمن أنشطة المنتدى عمليات تبادل خبرات فيما بين الأجهزة العربية وبعضها، ومن المتوقع أن يتضمن ذلك أحدث ما توصلت إليه نظريات ومناهج وأساليب العمل الاستخباري، بالإضافة إلى صقل المهارات المكثف للعناصر المشاركة بفرق العمل المشتركة. وهو ما سيحقق طفرة تنعكس على العمل الاستخباري العربي، بما يشمل تحديث أطر العمل، ويقود لرفع جاهزيتها لمواكبة التهديدات والتحديات الناشئة.

تبادل المعلومات وتوحيد التحركات: يستهدف المنتدى زيادة وتنظيم عمليات تبادل المعلومات الاستخبارية بين المشاركين، وهي خطوة ستقود بالتبعية لإنتاج تحركات متسقة وموحدة، ويعزز من قدرتها الاستباقية وفعالية استجابتها. بالإضافة لما يتيحه هذا التبادل والتنسيق من مستويات وصول متعددة، يستلزم تحقيقه تقليديًا تكلفة ووقتًا أكبر، فضلًا عن مساحة حركة وموارد أكثر اعتمادية وموثوقية.

تعزيز الشراكة وفتح آفاق للتعاون: يُعد نموذج “المنتدى العربي الاستخباري” ركنًا هامًا نحو صياغة شراكة أمنية إقليمية، فنجاح هذا المنتدى سيمهد الطريق لتدعيم مسارات التعاون العربي الأمني، وسيساعد في تطوير منظمات تعاونية عربية تتكامل في أدوارها مع الاتجاه ذاته. 

وفي النهاية، يمكن القول إن تداخل وسائط وتكتيكات الحروب اللا متماثلة استدعى أنماط مواجهة غير تقليدية، فمواجهة التنظيمات الإرهابية ومجموعات المرتزقة المتماهية في أنشطة وتحركات عصابات الجريمة المنظمة أصبح مطلبًا رئيسيًا للدول الوطنية العربية، وخطوة العمل الاستخباري التشاركي هي استجابة تحمل العديد من الدلالات والأهداف، وسيتيح مقومات نجاح غير مسبوقة للردع والاستجابة الفعالة. وسيضع المنتدى أمام الشركاء خارج المنطقة العربية تجربة رصينة للتعاون الأمني، ستجذب العديد منهم للانخراط والتعاون مع الدول المشاركة؛ للاستفادة من مزايا وعوائد هذا النموذج التعاوني في منطقة تؤثر تفاعلات على العديد من الدوائر الأمنية الأخرى.

حسين عبد الراضي
باحث بوحدة التسلح