وحدة الدراسات الأوروبية

ما بعد بريكست: حرب اللقاحات بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا

بعد التعثّر الأولي لدول الاتحاد الأوروبي في مواجهة جائحة كورونا المستجد؛ تمكنت المفوضية الأوروبية في يونيو من العام الماضي، من تأمين التعاقد مع الشركات المُطورة للقاحات المضادة لفيروس كورونا من أجل الحصول على ما يكفي من جرعات اللقاح، وتغطية عملية التلقيح الشامل لمواطني دول الاتحاد، البالغ عددهم 450 مليون نسمة، بحلول شهر سبتمبر المُقبل. وعلى الرغم من تأخر إتمام تلك التعاقدات مقارنة مع الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، والبطء في منح التراخيص اللازمة للاستخدام الطارئ للقاحات من قبل الوكالة الأوروبية للأدوية؛ إلا أن عملية التلقيح بدأت في نهاية ديسمبر الماضي. لكن بعد شهر واحد من بدء عملية التلقيح، أبلغت شركتا فايزر…

ألاء نصار
باحثة ببرنامج السياسات العامة

بعد التعثّر الأولي لدول الاتحاد الأوروبي في مواجهة جائحة كورونا المستجد؛ تمكنت المفوضية الأوروبية في يونيو من العام الماضي، من تأمين التعاقد مع الشركات المُطورة للقاحات المضادة لفيروس كورونا من أجل الحصول على ما يكفي من جرعات اللقاح، وتغطية عملية التلقيح الشامل لمواطني دول الاتحاد، البالغ عددهم 450 مليون نسمة، بحلول شهر سبتمبر المُقبل. وعلى الرغم من تأخر إتمام تلك التعاقدات مقارنة مع الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، والبطء في منح التراخيص اللازمة للاستخدام الطارئ للقاحات من قبل الوكالة الأوروبية للأدوية؛ إلا أن عملية التلقيح بدأت في نهاية ديسمبر الماضي.

لكن بعد شهر واحد من بدء عملية التلقيح، أبلغت شركتا فايزر الأمريكية وأسترازينيكا البريطانية السويدية، بأنهما لن يتمكنا من إتمام توريدات اللقاحات في المواعيد المحددة بسبب مشاكل في عملية الإنتاج. وبينما بدت الأزمة مع شركة فايزر محدودة ويمكن حلها، تصاعد الموقف مع شركة أسترازينيكا إلى حرب لقاحات شاملة بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا.

الصراع الأوروبي-البريطاني على اللقاحات

في منتصف شهر يناير 2021، أعلنت شركة فايزر/بيونتك، أن عمليات تسليم جرعات اللقاح المقررة للاتحاد الأوروبي خلال الربع الأول من عام 2021، ستتأخر لإتاحة إدخال تعديلات في عملية إنتاج اللقاحات، وتسريع وتيرتها بمصانع الشركة في بلجيكا. تبع ذلك بأيام إعلان شركة أسترازينيكا عن أنها لن تستطيع أن تفي بالعقود الموقّعة مع الاتحاد الأوروبي، وأنها ستُخفض كميات اللقاح المقرر تسليمها لدول الاتحاد إلى 31 مليون جرعة خلال الربع الأول من العام، مما يمثل أقل من نصف الكمية المقررة في عقدها مع الاتحاد الأوروبي البالغ قدرها 80 مليون جرعة قبل نهاية مارس المقبل، بينما لم تتأثر إمدادات لقاح أسترازينيكا/أكسفورد لبريطانيا.

أثارت هذه الأزمة غضب دول الاتحاد الأوروبي، لا سيما وأن الدول الأوروبية تأملت أن يسرع لقاح أسترازينيكا/أكسفورد، الذي يعد ثالث لقاح يحصل على الموافقة للاستخدام الطارئ من الوكالة الأوروبية بعد لقاحي فايزر/بايونتيك وموديرنا، من وتيرة عملية التلقيح الشامل داخل الاتحاد؛ نظرًا لانخفاض سعره وسهولة تخزينه مقارنةً بلقاحات شركتي فايزر/بيونتك وموديرنا. وأصدرت المفوضية الأوروبية قرارًا يمنع تصدير اللقاحات المضادة لفيروس كورونا، والتي تم إنتاجها داخل الاتحاد الأوروبي، دون الحصول على موافقة بالتصدير من المفوضية؛ وهو ما يمنع بريطانيا من الحصول على إمداداتها من لقاح فايزر/بيونتك، على عكس توريد لقاح أسترازينيكا، الذي يتم إنتاجه في مصانع بريطانية.

ومع اشتعال حدة الصراع بين بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي، فعّلت المفوضية الأوروبية المادة (16) من اتفاقية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والتي تنص على إغلاق الحدود بين جمهورية أيرلندا (العضو في الاتحاد الأوروبي) وجزيرة أيرلندا الشمالية (التي تتبع للمملكة المتحدة)؛ بهدف غلق الحدود بشكل كامل أمام بريطانيا، ومنعها تمامًا من الحصول على لقاح فايزر/بيونتك عبر حدود أيرلندا الشمالية. وقوبل هذا الإجراء بانتقادات حادة من قبل أيرلندا الشمالية وبريطانيا، مما أجبر المفوضية على الرجوع عن هذا القرار سريعًا بعد ساعات فقط من إعلانه، مما هدأ قليلًا من حدة الخلاف.

حلول أوروبية بديلة

لتعويض هذا النقص في إمدادات اللقاحات، لجأت بعض الدول الأوروبية إلى استراتيجيات بديلة لمجابهة جائحة كورونا؛ حيث أقرت المجر استخدام اللقاح الصيني سينوفارم، في حملتها الشاملة للتلقيح ضد فيروس كورونا، لتُعد بذلك أول دولة أوروبية تجيز استخدام هذا اللقاح. وستتمكن المجر من الاستعانة بلقاح سينوفارم، على الرغم من عدم حصوله على الترخيص بالاستخدام من قبل الوكالة الأوروبية للأدوية، وفقًا للشرط المؤقت الذي يسمح للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي باستخدام المستحضرات الدوائية دون مراجعة الوكالة الأوروبية للأدوية في حالات الطوارئ.

ولم تكن المجر وحدها التي استعانت بهذا الخيار، حيث اتجهت الحكومة الألمانية أيضًا إلى اعتماد عقارين جديدين لم يحصلا على اعتماد الوكالة الأوروبية للأدوية، لمعالجة الأعداد المتزايدة من مصابي فيروس كورونا. الأول تنتجه شركة “إيلي ليلي”، والثاني هو عقار شركة “ريجينيرون”، والذي تلقاه الرئيس السابق للولايات المتحدة الأمريكية “دونالد ترامب” عندما أُصيب بالفيروس في أكتوبر الماضي. وأعلنت الحكومة الألمانية أنها قد اشترت 200 ألف جرعة من العقارين مقابل 400 مليون يورو (بما يعادل 2000 يورو للجرعة الواحدة). ويتكون عقار شركة “ريجينرون” من نوعين من الأجسام المضادة المصنعة مخبريًا، والتي تم تطويرها كي تلتصق مباشرة بالبروتين الشوكي الموجود على سطح فيروس كورونا، مما يمنعه من دخول الخلايا البشرية؛ وبالتالي تقليل الفترة اللازمة للعلاج، وتجنب تدهور حالة المريض أو حدوث أي مضاعفات خطيرة له. وكذلك عقار شركة “إيلي ليلي” الذي يستخدم التقنية نفسها، لكن بالاستعانة بنوع واحد من الأجسام المضادة الصناعية.

الوضع الحالي للأزمة ومستقبل الدول الأكثر فقرًا

حتى الأول من فبراير 2021، وصل إجمالي ما تلقاه الاتحاد الأوروبي حوالي 18.5 مليون جرعة لقاح مضادة لفيروس كورونا، منها 17.5 مليون جرعة من لقاح فايزر/بيونتك و854 ألف جرعة من لقاح موديرنا، فيما يبلغ معدل التلقيح داخل دول الاتحاد حوالي 3.74 جرعات لكل 100 نسمة، وهو أقل بكثير من معدل التلقيح داخل المملكة المتحدة الذي يبلغ 17.64 جرعة لكل 100 نسمة. ولا تزال المفوضية الأوروبية تتلقى الكثير من الانتقادات، على الرغم من إعلانها عن وصول إجمالي عدد جرعات التي تم التعاقد على شرائها مسبقًا حوالي 2 مليار جرعة لقاح؛ منها 400 مليون جرعة من لقاح أسترازينيكا/أكسفورد و600 مليون جرعة من لقاح فايزر/بيونتك و160 مليون جرعة من لقاح موديرنا و200 مليون جرعة من لقاح جانسين و225 مليون جرعة من لقاح كيورفاك؛ إلا أن عملية التلقيح الشامل لا تزال تسير ببطء شديد في دول الاتحاد الأوروبي، مع استمرار تحور الفيروس والتهديد المستمر بانخفاض فعالية اللقاحات المطورة ضد النسخ الجديدة المتحورة من كورونا. وهو ما حدث مؤخرًا في جنوب إفريقيا، التي أوقفت التجارب السريرية للقاح أسترازينيكا؛ بسبب انخفاض فعاليته في منح مناعة ضد النسخة المتحورة من فيروس كورونا هناك.

وأظهرت هذه الأزمة حقيقة صراعات الدول الأكثر ثراءً، أو ما يمكن اعتبارها الدول الكبرى في العالم، للحصول على اللقاحات. فبينما انتقد الاتحاد الأوروبي مسبقًا الولايات المتحدة الأمريكية حينما أعلنت عن عدم تصديرها أي لقاح يتم إنتاجه على الأراضي الأمريكية، واستخدامه على المستوى الوطني فقط داخل الولايات المتحدة الأمريكية، أو ما يُعرف بـ”قومية اللقاحات”، فإن أول حل التجأت إليه المفوضية الأوروبية خلال أزمتها مع شركات اللقاحات كان إقرار عدم تصدير اللقاحات خارج الاتحاد.

هذا إلى جانب رفض المقترح المُقدم لمنظمة التجارة العالمية من قبل دولتي الهند وجنوب إفريقيا، بدعمٍ من إسواتيني وكينيا وموزمبيق وباكستان، من أجل تجميد معاهدة الملكية الفكرية، المعروفة بـ”تريبس” حتى نهاية الجائحة، حيث تُلزم هذه المعاهدة 164 دولة عضوًا بمنظمة الصحة العالمية بفرض إجراءات حماية الملكية الفكرية للمستحضرات الطبية بما يتضمن اللقاحات والأسرار التجارية والأجهزة التشخيصية وأجهزة التنفس الصناعي، والمعدات الطبية الأخرى. حيث إنه في حال تجميد هذه المعاهدة؛ فستتمكن الشركات المصنعة للمستحضرات الدوائية في جميع أنحاء العالم من تلبية الاحتياج العالمي للقاحات بسرعة أكبر، كما لن تُضطر الدول الفقيرة لأن تنتظر حتى عام 2023 أو 2024 لتلقيح أغلب سكانها، بل سيكون هناك مخزون احتياطي من جرعات اللقاح، وسيصبح من الممكن السيطرة على تفشي الفيروس على الفور. وحصل هذا المقترح على دعم نحو 100 دولة أخرى، أغلبها من الدول المنخفضة والمتوسطة الدخل، لكنه رُفض من المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي.

وحتى الآن، هناك ثلاث شركات أجنبية فقط سمحت بنقل تكنولوجيا تصنيع اللقاح للدول النامية؛ حيث منحت شركة جونسون آند جونسون المطورة للقاح “جانسين” رخصة إنتاج لقاحها لشركة أسبن فارماكير الجنوب الإفريقية، في حين وقّعت شركتا نوفافاكس الأمريكية وأسترازينيكا البريطانية السويدية اتفاقات لإنتاج لقاحاتهما عبر معهد الأمصال في الهند، وتصديره لكافة دول العالم.

ألاء نصار
باحثة ببرنامج السياسات العامة