وحدة الدراسات الأوروبية

بعد البريكست: بريطانيا إلى التركيز المتزايد على المصالح الاستراتيجية

اتخذت حكومة المملكة المتحدة شعار بريطانيا العالمية Global Britain كشعار لسياستها الخارجية لمرحلة ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. استخدمت رئيسة الوزراء “تيريزا ماي” هذا المصطلح في أول خطاب رئيسي لها كرئيسة للوزراء في مؤتمر حزب المحافظين في عام 2016، والمقصود به الإشارة إلى أن البلاد لن تتجه لقصر اهتمامها على الداخل بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، ولكن على العكس من ذلك فإنه سيكون لبريطانيا نظرة ودور عالمي يتجاوز حدود أوروبا. تلعب بريطانيا بالفعل دورًا عالميًا داخل لجنة المساعدة الإنمائية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والتي تعتبر المنتدى الدولي لمناقشة القضايا المتعلقة بالمساعدات والتنمية في البلدان النامية. وفي عام…

كريم حسن

اتخذت حكومة المملكة المتحدة شعار بريطانيا العالمية Global Britain كشعار لسياستها الخارجية لمرحلة ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. استخدمت رئيسة الوزراء “تيريزا ماي” هذا المصطلح في أول خطاب رئيسي لها كرئيسة للوزراء في مؤتمر حزب المحافظين في عام 2016، والمقصود به الإشارة إلى أن البلاد لن تتجه لقصر اهتمامها على الداخل بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، ولكن على العكس من ذلك فإنه سيكون لبريطانيا نظرة ودور عالمي يتجاوز حدود أوروبا.

تلعب بريطانيا بالفعل دورًا عالميًا داخل لجنة المساعدة الإنمائية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والتي تعتبر المنتدى الدولي لمناقشة القضايا المتعلقة بالمساعدات والتنمية في البلدان النامية. وفي عام 2019، كانت المملكة المتحدة ثالث أكبر مانح للمساعدات الإنمائية الرسمية بين أعضاء اللجنة.[1] وفي السياق نفسه، تتجه الأنظار إلى بريطانيا على وجه الخصوص في عام 2021 لكي تؤكد هذا الدور على الساحة العالمية من خلال دفع عجلة تعافي العالم من جائحة وباء كورونا، وذلك في إطار استعداد بريطانيا لرئاسة مجموعة الدول السبع، واستضافة قمة العمل المناخي السادسة والعشرين هذا العام. إلا أنه وفيما يتعلق بالمساعدات الخارجية البريطانية فقد كان عام 2020 عامًا عصيبًا بالنسبة للنقاشات السياسية حول المساعدات الإنمائية في بريطانيا. ويهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على تعامل بريطانيا مع هذه القضية في ضوء جائحة كورونا.

المصدر: إحصائيات التنمية الدولية. وزارة التنمية الدولية، أبريل 2020.

بريطانيا تدمج وزارتي التنمية الدولية والخارجية

أعلن رئيس وزارء بريطانيا “بوريس جونسون” في شهر يونيو الماضي عن قرار دمج وزارة التنمية الدولية مع وزارة الخارجية لتصبح وزارة واحدة جديدة تحت اسم وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية بعد أكثر من 20 عامًا من الوجود المستقل لكل منهما. وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها ضم أو فصل الوزارة المسئولة عن تحقيق أهداف التنمية خارجيًا والقضاء على الفقر عالميًا. فلقد أُنشئت الإدارة التي كانت تُعرف -آنذاك- باسم وزارة التنمية الخارجية لأول مرة في حكومة حزب العمال برئاسة السير “هارولد ويلسون” عام 1964، وتم دمجها لاحقًا مع وزارة الخارجية في حكومة “تيد هيث” المحافظة عام 1970، ولكن أعاد “ويلسون” تأسيسها مجددًا كوزارة منفصلة بعد عودته إلى الحكومة عام 1974، وأعيد دمجها مع وزارة الخارجية مرة أخرى بعد انتخاب رئيسة الوزراء المحافظة “مارجريت تاتشر” في عام 1979. ومنذ عام 1997، في عهد “توني بلير”، حصلت على استقلالها كوزارة مسئولة عن التنمية الدولية، واستمر ذلك حتى سبتمبر 2020.[2]

أثار إعلان “جونسون” عزمه على دمج الوزارتين ورجوع القرارات النهائية في المستقبل بشأن الدول التي يجب أن تتلقى المساعدة لوزير الخارجية “دومينيك راب” العديد من ردات الفعل المتناقضة. عارض قرار الدمج هذا ثلاثة رؤساء سابقين للوزراء، رغم الاختلافات السياسية بينهم: المحافظ ديفيد كاميرون، وجوردون براون، وتوني بلير من حزب العمال. تمحورت الانتقادات لقرار رئيس الوزراء البريطاني “بوريس جونسون” بتعريض مكانة بريطانيا في العالم للخطر، وقد شرح رئيس الوزراء الأسبق “ديفيد كاميرون” التأثير المحتمل لهذا القرار، قائلًا إن قرار الدمج سيؤدي إلى وجود “خبرة أقل، صوت أقل للتنمية على الطاولة العليا ]لصنع القرار[، وفي النهاية احترام أقل للمملكة المتحدة في الخارج”.[3]

ويثير قرار دمج وزارة الخارجية مع وزارة التنمية الدولية الجدل لأنه يعني أن الدولة المانحة تعطي الأولوية في تقديمها للمساعدات الخارجية لأهدافها الاستراتيجية والسياسية على حساب الاحتياجات التنموية الحقيقية، والتي قد تكون غير هامة سياسيًا. وفي هذا السياق، حاول “جونسون” أن يبرر قرار ربط المساعدات بالأمن والدبلوماسية في دفاعه أمام البرلمان قائلًا: “نحن نعطي زامبيا نفس القدر من الدعم الذي نقدمه لأوكرانيا، رغم أن الأخيرة ضرورية لأمن أوروبا.. نحن نقدم لتنزانيا 10 أضعاف المساعدات المقدمة للدول الست في غرب البلقان، والمعرضة بشدة للتدخل الروسي”. وهي المقارنة التي انتقدها المدير التنفيذي لمنظمة “أوكسفام” التنموية العالمية، موضحًا أن الفقر المدقع انخفض إلى ما يقرب من الصفر في أوكرانيا، لكن على النقيض فإن أكثر من نصف عدد سكان زامبيا لديهم دخل أقل من 1.90 دولار في اليوم. ولذا، فقد تكون أوكرانيا مهمة من الناحية الاستراتيجية، لكن يجب توجيه المساعدات الإنمائية إلى الدول الأكثر فقرًا، حتى لا نترك أحدأ متخلفًا عن الركب.[4]

تقليص المساعدات الخارجية البريطانية

رغم قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1970، والقاضي بقيام الدول المتقدمة بتخصيص نسبة 0.7% من دخلها القومي لصالح تقديم المساعدات الإنمائية الرسمية للدول النامية؛ فإن بريطانيا لم تستوفِ هذه النسبة إلا بداية من عام 2013. وفي عهد رئيس الوزراء الأسبق “ديفيد كاميرون”، أُقر قانون التنمية الدولية لعام 2015 واجب استيفاء نسبة 0.7% من الدخل القومي للمساعدات الإنمائية الرسمية في قانون المملكة المتحدة لكل سنة تقويمية لاحقة.

ولكن على الرغم من ذلك، فمع صدور خطة مراجعة الإنفاق السنوية خلال شهر نوفمبر الماضي، تم تقليص المساعدات الخارجية البريطانية، وأوضح وزير الخزانة “ريشي سوناك” أمام البرلمان أنه “يصعب تبرير الإبقاء على نسبة الالتزامات المقررة للمساعدات الخارجية أمام الشعب البريطاني، خصوصًا في فترة الطوارئ المالية”. وبالتالي أعلنت بريطانيا التخلي عن التزامها بإنفاق 0.7% على المساعدة الإنمائية الرسمية، وتم تخفيضها إلى 0.5% “إلى أن يسمح الوضع المالي بالعودة إلى 0.7″، على حد قول وزير الخزانة، ليصل حجم الإنفاق البريطاني على المساعدة الإنمائية الرسمية في 2021-2022 إلى 10 مليارات جنيه إسترليني، بنسبة انخفاض أكثر من الثلث عن ميزانية المساعدة الإنمائية الرسمية لعام 2019 البالغة 15.2 مليار جنيه إسترليني.[5]

وكما المتوقع، لم تكن هذه الخطوة مرحبًا بها في أوساط المؤسسات التنموية وحتى بعض المحافظين أيضًا، أبرزهم رئيس الوزراء السابق “ديفيد كاميرون”، والذي قامت حكومته بإقرار قانون عام 2015 الخاص بتحديد نسبة إنفاق المملكة المتحدة على المساعدات الخارجية. لقد أثارت خطوة تقليص المساعدات الخارجية البريطانية غضبًا واسعًا، ودفع القرار وزيرة التنمية المستدامة البارونة “ليز سوج” لإعلان استقالتها من الحكومة اعتراضًا على تخلي بريطانيا عن العالم في هذا الوقت الحرج.

ومع ذلك، فإن هذا الجدل ظل محصورًا في أوساط النخب السياسية، بينما لم يكن قرار تخفيض المساعدات الخارجية البريطانية مثيرًا للجدل بين الناخبين البريطانيين. فبحسب استطلاع رأي عام أُجري شهر نوفمبر 2020، أظهرت النتائج أن نسبة الثلثين (66٪) من المواطنين يصفون قرار تخفيض المبلغ الذي يتم إنفاقه على المساعدات الخارجية بالقرار الصحيح، وأن 18٪ فقط يعتقدون أنه القرار الخاطئ، فيما لا يملك باقي المواطنين موقفًا محددًا. وتحظى هذه الخطوة بشعبية شبه كاملة بين الناخبين المحافظين، الذين يؤيد 92٪ منهم خفض المساعدات الخارجية. فيما يقل تأييدها بين ناخبي حزب العمال إلى نسبة 44%، في مقابل 37% من المعارضين، أما بين الديمقراطيين الليبراليين فإن نسبة المؤيدين تصل إلى 49%، فيما يعارضها 35% من ناخبي الحزب.[6]

وفي النهاية، كان عام 2020 عامًا عصيبًا بالنسبة للقرارات الخاصة بمسألة المساعدات الخارجية البريطانية، فمن المتوقع أن يتراجع الدور البريطاني في لجنة المساعدة الإنمائية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على الرغم من إصدار اللجنة بيانًا مشتركًا في شهر أبريل 2020 يعترف بأهمية المساعدة الإنمائية الموجهة للبلدان النامية خلال جائحة كورونا. أما بالنسبة لبريطانيا فمن المتوقع أن ترتكز استراتيجية المساعدة الإنمائية الرسمية المستقبلية للمملكة المتحدة فقط على البلدان التي تتوافق فيها مصالحها التنموية مع المصالح الأمنية والاقتصادية.


[1] إحصائيات لجنة المساعدة الإنمائية لعام 2019. http://www.oecd.org/dac/financing-sustainable-development/development-finance-data/

[2] “International development and Foreign Office to merge.” BBC, 16 June 2020.

https://www.bbc.com/news/uk-politics-53062858

[3] تغريدة ديفيد كاميرون على حساب تويتر الرسمي. https://twitter.com/David_Cameron/status/1272885571883601926

[4] تغريدة مدير “أوكسفام” على حساب تويتر. https://twitter.com/dhnnjyn/status/1272899082948878337

[5] “Foreign Office minister resigns as Sunak cuts aid budget.” The Guardian, 25 November 2020.

https://www.theguardian.com/global-development/2020/nov/25/uk-foreign-aid-budget-cut-chancellor-announces

[6] “Two thirds of Britons support cutting the foreign aid budget.” YouGov, 24 – 25 November 2020.

https://docs.cdn.yougov.com/4kjz7nxlyn/Internal_SpendingReview_201125.pdf

كريم حسن