وحدة الدراسات الاقتصادية

تفكّك شبكات القوة: الاقتصاد السياسي ومعادلات التغيير في تركيا

عبر عقود سابقة وقبل أن تتحول تركيا من النظام البرلماني للنظام الرئاسي، ظلت فكرة التغيير السياسي في تركيا محكومة بسيناريوهات معروفة ومتكررة أحيانًا، لم يكن من بينها بوابة الاقتصاد السياسي، غير أنه ومع التحول الذي حدث في 2018 بات الحديث عن فرص التغيير في تركيا محكومًا بمعادلات جديدة، فرضت نفسها على الواقع التركي، وأضفت قدرًا من الغموض والارتباك حول مستقبل تركيا، وهذا راجع بالأساس لطبيعة النظام السياسي الحالي في تركيا، الذي أصبح يدور حول شخص واحد، وحزب واحد، تهيأت له الظروف لنسج شبكات قوة داخلية وخارجية، مكنته ليس فقط من البقاء في دائرة الحكم خلال السنوات الماضية؛ بل من تغيير…

د. أكرم حسام
باحث متخصص في الشؤون العربية والإقليمية

عبر عقود سابقة وقبل أن تتحول تركيا من النظام البرلماني للنظام الرئاسي، ظلت فكرة التغيير السياسي في تركيا محكومة بسيناريوهات معروفة ومتكررة أحيانًا، لم يكن من بينها بوابة الاقتصاد السياسي، غير أنه ومع التحول الذي حدث في 2018 بات الحديث عن فرص التغيير في تركيا محكومًا بمعادلات جديدة، فرضت نفسها على الواقع التركي، وأضفت قدرًا من الغموض والارتباك حول مستقبل تركيا، وهذا راجع بالأساس لطبيعة النظام السياسي الحالي في تركيا، الذي أصبح يدور حول شخص واحد، وحزب واحد، تهيأت له الظروف لنسج شبكات قوة داخلية وخارجية، مكنته ليس فقط من البقاء في دائرة الحكم خلال السنوات الماضية؛ بل من تغيير بوصلة السياسة التركية إقليميًا ودوليًا أكثر من مرة، دون أن يحظى ذلك بإجماع وطني إزاء بعض هذه التحولات. لذلك نعتقد أن التحليلات الخاصة بدراسات الاقتصاد السياسي التركي قد تقدم لنا زاوية أوسع لشكل وطبيعة ومدى التغيير القادم في تركيا.

ضمن هذا الإطار، تطرح التحليلات المُهتمة بدراسات الاقتصاد السياسي في تركيا سؤالًا مهمًا مُلخصه: هل يخرج حزب العدالة والتنمية من نفس البوابة التي دخل منها للسلطة في عام 2002؟ فهناك تحولات بنيوية طرأت على الاقتصاد السياسي في تركيا، أحدثت تأثيرًا سلبيًا على شبكات القوة الاجتماعية التي أسسها “أردوغان” طوال سنوات حكمه، وهي شبكات قائمة على أربع ركائز هي: الأيديولوجيا، والاقتصاد، والسياسة العامة، والقدرة العسكرية. وغني عن الذكر أن هذه الشبكات الأربع قد ساعدت حزب العدالة والتنمية على بناء قاعدة انتخابية، خاصة في صفوف الطبقة الوسطى، متنوعة طبقيًا واجتماعيًا وأيديولوجيًا، كانت دومًا خلف الحزب في كل استحقاق انتخابي أو دستوري، ناهيك عن الدور الذي لعبته في تثبيت الحكم عندما تعرضت لتركيا لمحاولة انقلابية في 2016. 

الآن ومع دخول تركيا عام 2021 مُثقلة بمشاكل اقتصادية عنيفة، خاصة في ظل استمرار جائحة كورونا، ومُحملة بأنماط مضطربة مع علاقاتها مع محيطها الإقليمي، ونتيجة سياسات التدخل العسكري ومحاولات فرض الهيمنة، مع قلق من توترات قد تأخذ مسارات أعنف خلال الفترة القادمة مع جوارها الأوروبي ومع الولايات المتحدة؛ تكتسب تحليلات الاقتصاد السياسي زخمًا أكبر، باعتبارها مفتاحًا لفهم التغيير القادم في تركيا. بمعنى أدق مدى تماهي الخط السياسي للدولة -داخليًا وخارجيًا- مع حالة الاقتصاد الراهنة ومؤشرات التنمية بشكل عام، حيث تتفق نظريات العلاقات الدولية على قاعدة معروفة هي أن البلدان ذات المراكز الجيوسياسية المتعددة والمتقاطعة، على غرار تركيا، لا بد أن يسير الاقتصاد والسياسة فيها يدًا بيد، بشكل متزامن ومتناسق كمًا وكيفًا. 

اختلال مؤشرات الاقتصاد السياسي

تقدم نظرية مايكل مان (1986-1993) في القوة الاجتماعية، وهي إحدى النظريات المعروفة في دراسات الاقتصاد السياسي، اقترابًا مناسبًا لفهم الحالة التركية الراهنة. وتفترض هذه النظرية أن الدولة تتكون من أربع شبكات قوة وهي: القوة الأيديولوجية، وقوة الاقتصاد، والقوة السياسية، والقوة العسكرية. وتقول هذه النظرية أيضًا: “حتى يستطيع أي حزب الاستمرار في الحكم فعليه السيطرة على شبكات القوة الأربع”، بشرط عدم هيمنة إحدى هذه الشبكات على غيرها، حتى لا يؤدي ذلك لتقويض النظام برمته. وهذا هو الخطأ الكبير الذي وقع فيه حزب العدالة والتنمية، من خلال إصراره على السيطرة على الشبكة السياسية، واحتكار المجال العام، ومحاولة تقويض أي فرص للمنافسة الحزبية، علاوة على محاولة السيطرة على القوة العسكرية (الجيش)، مما قوض من ركائز القوة التي أسسها الحزب خلال السنوات السابقة، وجعله يهدم بيده التجربة التي قادته للسلطة وجعلته يحافظ عليها طيلة السنوات الماضية. ويبدو هذا جليًا من عدة مؤشرات أهمها ما يلي: 

الوضع الاقتصادي المُترنح، إذ يعاني الاقتصاد التركي نفس المعاناة تقريبًا التي كان يعانيها قبل مجيء حزب العدالة والتنمية للسلطة في 2002، من جهة انهيار العملة، وتباطؤ نسب النمو، وتراجع مؤشرات الاقتصاد الزراعي.

انهيار الليرة التركية إلى مستويات قياسية، وضعف الثقة بنظام التأمين والادّخار المحلّي، وانعكاس ذلك على زيادة الطلب بشكل كبير وغير مسبوق على الملاذات الآمنة، وخصوصًا الذهب، حيث شهد هذا القطاع خاصة في ظل جائحة كورونا نموًّا لم يعرفه منذ عقود. 

اهتزاز سمعة تركيا إقليميًا ودوليًا وتعرضها لعقوبات أوروبية وأمريكية، إلى جانب حملات مقاطعة داخل بعض البلدان العربية للمنتجات التركية.

تراجع المكانة الاستراتيجية لتركيا بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا، خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة، واقتراب تركيا بشكل متزايد من روسيا في السنوات الأخيرة.

استمرار وجود نزعة تدخلية للمؤسسة العسكرية التركية في الحياة السياسية، بدليل المحاولة الانقلابية في 2016، والتي قد تتكرر مستقبلًا إذا استمرت الأمور على هذا النحو، مع احتدام الصراع السياسي واستمرار التردي الاقتصادي.

تراجع شعبية حزب العدالة والتنمية في الشارع التركي، وفق معظم استطلاعات الرأي المحايدة، وانعكاس ذلك على ثقة المواطن التركي في سياسات حكومته الداخلية أو الاقتصادية، ممَّا يؤدي إلى تراجع الاستهلاك وإحجام المواطنين عن الصرف والشركات عن الاستثمار والتوسع، وهذا كله يؤثر سلبًا على محاولات الحكومة زيادة النمو الاقتصادي وتحريك السوق. فالمتابعون للشأن المحلي التركي يرصدون وجود موجة غضب شعبي إزاء سياسات الحكومة الحالية بسبب ارتفاع الأسعار وتفشي البطالة، والكشف دوريًا عن قضايا فساد كبيرة تطال الحزب الحاكم، وانتشار صور وتقارير عن حياة الترف التي يعيشها مقربون من الطبقة الحاكمة، مما يعكس توجهات مجتمعية متزايدة لتغيير الطبقة السياسية الحاكمة.

تنامي توجهات رافضة لبعض سياسات الحزب من داخل القواعد التقليدية للحزب في أوساط الطبقة الوسطى، بدليل فشل الحزب في الانتخابات البلدية الأخيرة في مدن كبرى ومفصلية كإسطنبول وأنقرة وأزمير.

اختلال التوازن في مؤشرات الاقتصاد السياسي، خاصة فيما يتعلق بسياسة التوسُّع العسكري في الإقليم، سواء باتجاه سوريا والعراق، أو باتجاه ليبيا واليونان وشرق المتوسط، فالوضع الاقتصادي الآخذ بالتدهور سريعًا لن يسمح للنظام التركي بالاستفادة من هذا التوسع -رغم نتائجه المحدودة- في الداخل، نتيجة عدم وجود اقتصاد سياسي لهذا التوسّع، بمعنى عدم كفاية الموارد اللازمة لصراع ممتد على مستوى الإقليم، فحالة الاقتصاد المتهاوية لا تسمح بإطالة أَمَد هذا الاشتباك، وهو ما تعبّر عنه بوضوح حالة الهلع العامّة خاصة لدى الأحزاب المعارضة، ليس من التخوف من تورط تركيا في حرب إقليمية بالأساس، أو في مواجهات غير محسوبة مع قوى كبرى (فرنسا – الولايات المتحدة)؛ بل من الافتقار إلى اقتصاد سياسي قوي يمكن الاستناد إليه في معركة تنويع الموارد على مستوى الإقليم.

عودة مؤشرات التدهور المالي للوضع الذي كانت عليه في السنوات الأولى لحكم العدالة والتنمية، بسبب ارتفاع نسبة الديون المعدومة أو غير المستردة لدى البنوك التركية، حيث يتوقع خبراء الاقتصاد أن تكون نسبة الديون المعدومة تتراوح بين 8-10%، وهو ما كان عليه الحال عام 2003. وفي حال استمرار الركود الاقتصادي، خاصة مع أزمة كورونا، فإن الشركات ذات الوضع الاقتصادي الجيد قد لا تستطيع تحصيل مستحقاتها من الشركات التي تعاني مشاكل مالية، وبالتالي فإن الانهيار قد يحدث، وهو وضع سبق أن حصل بسبب تعثُّر بعض القطاعات ماليًا.

هيمنة القرار السياسي على القرار الاقتصادي، وبرز ذلك في التعامل الحكومي الخاطئ مع أزمة تصاعد ديون القطاع الخاص بالعملة الصعبة، وفشل الحكومة في فرض الانضباط المالي على ميزانيتها خلال السنوات الثلاث الماضية لأسباب سياسية بالأساس، بل اعتماد أغلب القرارات الاقتصادية الحساسة على أوامر سياسية مباشرة من الرئيس “أردوغان”، وليس وفقًا لقواعد السوق المالي الحر، حيث سعَت الحكومة التركية لإنشاء ما سُمِّي بالصندوق السيادي، وهو صندوق حوَّلت إليه الحكومة ملكية جميع القطاع العام والبنوك الحكومية، ليكون مستقبلًا كضامن للاقتراض من الخارج بفوائد مقبولة. لكن ضَم جميع شركات القطاع العام تحت إدارة واحدة تسبَّب في خسائر كبيرة في جميع هذه الشركات خلال العامين الماضيين، بسبب انتشار الفساد والمحسوبية، مما سيقود إلى عملية انكماش اقتصادي كبيرة، خاصة مع اتساع العجز في الموازنة العامة للدولة، وسياسات البنك المركزي التركي التي أدت من خلال رفع أسعار الفائدة بشكل كبير والتركيز على القروض قصيرة الأجل، لتخفيف عبء الفائدة المرتفعة، إلى مراكمة ديون كبيرة على وزارة الخزانة.

تعرّض صورة تركيا الداخلية لحالة عدم الثقة أو عدم اليقين من جانب المستثمرين الأجانب بسبب غموض المستقبل السياسي في تركيا، خاصة مع توقع حدوث انتخابات مبكرة، على خلاف ما هو مقرر له في نهاية 2023. وهناك ترقب للحراك الداخلي الجاري في تركيا خلال هذه الفترة، خاصة من جانب أحزاب المعارضة التي تحاول تشكيل تحالفات للإطاحة بالرئيس “أردوغان” وحكومته، وهو ما سيُعتبر زلزالًا سياسيًا كبيرًا ستكون له تأثيرات عدة على الاقتصاد، خصوصًا إذا ما كشف هذا التغيير عن مشاكل أعمق في الاقتصاد كان يتم التستر عليها.

تزايد التوقعات بحدوث انفجار لأزمة اقتصادية ومالية في تركيا بشكل جدي خلال عام 2021، إما نتيجة تغيُّر الأوضاع الدولية والعزوف عن المضاربة والاستثمار السريع في السندات التركية، أو من خلال استنفاد الحكومة “حيَلَها” الاقتصادية لتغيير صورة الوضع الاقتصادي الحقيقية، أو في حال تم تفعيل العقوبات الأمريكية والأوروبية على أنقرة في مارس القادم.

تصاعد اتجاهات الرأي العام التركي ضد النظام الرئاسي الذي جرى اعتماده في 2018، وتحميله مسئولية التدهور الاقتصادي، حيث كشفت بعض استطلاعات الرأي التي أجرتها شركة “متروبول” لاستطلاعات الرأي في منطقتي الفاتح وأيوب سلطان في إسطنبول (مناطق سيطر عليها حزب العدالة والتنمية الحاكم سياسيًا على مدار العقدين الماضيين، ولكنها تحولت الآن إلى إمام أوغلو بفارق كبير).

رؤية مستقبلية 

تشير المؤشرات السابقة ذات الصلة بالاقتصاد السياسي التركي، إلى وجود خلل واضح في التوازن في العلاقة بين الاقتصاد والسياسة في تركيا. فطموحات الرئيس “أردوغان” للبقاء في السلطة، جعلته يقوض بيده النموذج الديمقراطي الذي طالما أقنع به الناخب التركي، مما أبعد عنه قطاعات عريضة من الطبقة الوسطى التي طالما ساندته وساندت حزبه خلال السنوات الماضية، علاوة على استمرار السياسة العامة في تركيا محكومة بعقلية الرأي الواحد، عبر تدخلات سياسية في القرارات الاقتصادية والمالية والنقدية، بعيدًا عن قواعد السوق الحر ومبادئ الشفافية والحوكمة، مما أثر على ثقة المستثمرين المحليين والأجانب في الاقتصاد التركي، هذا بالإضافة لحالة الغموض حول مستقبل تركيا السياسي في ظل احتمالات خروج حزب العدالة والتنمية من السلطة وابتعاد “أردوغان” عن المشهد السياسي التركي، والذي يتوقع كثيرون أن يكون بمثابة الزلزال ليس فقط على مستوى الداخل التركي، لكن أيضًا على مستوى السياسة الخارجية.

تقول مؤشرات الاقتصاد السياسي في تركيا، إنه وكما حدث أثناء الأزمة المالية في تركيا في عام 2001، فإن الأضرار الاقتصادية الحالية واختلال التوازن بين السياسة العامة والاقتصاد، ستفرض من جديد التغيير السياسي، وقد يحدث ذلك على المدى القريب وربما على المدى المتوسط. هناك من يشكك في ذلك بالطبع، خاصة من مؤيدي حزب العدالة والتنمية، مراهنين على قدرة “أردوغان” وحزبه على المناورة والاستفادة من أخطاء الآخرين، والنجاة سياسيًا من أوضاع مشابهة، بل هناك من يعتقد من أنصاره أن الأزمة الاقتصادية ستدفع الناخب التركي لتجديد الثقة لأردوغان وحزبه مرة أخرى، خاصة في ظل عدد الأعضاء في الحزب الذي يقرب من 11 مليون مواطن تركي، وهو عدد يمثل عشرة أضعاف المنتمين لحزب الشعب الجمهوري على سبيل المثال. لكن الدلائل المتراكمة تشير إلى أن السياسة التركية تعيش تحولات ومخاضات لم تشهدها خلال ما يقارب العقدين الأخيرين على مستوى خريطة التوازنات الداخلية وعلى مستوى الحراك الاجتماعي الطبقي، خاصة على مستوى الطبقة الوسطى العريضة، وكذلك على مستوى النخبة السياسية والفكرية في المجتمع التركي، ناهيك عن التحولات الحاصلة في الإقليم المجاور لتركيا والتغيرات على المستوى الدولي إزاء النظرة لأهمية تركيا الاستراتيجية ودورها في توازن القوى الإقليمي والدولي. كل ذلك لا بد أن تنتج عنه أوضاع جديدة ستُغير كثيرًا من المعادلات في المشهد التركي، داخليًا وخارجيًا، وتظل بوابة الاقتصاد السياسي فرس الرهان ومفتاح التغيير القادم.

د. أكرم حسام
باحث متخصص في الشؤون العربية والإقليمية