وحدة الدراسات الاقتصادية

تجربة رائدة: أداء الاقتصاد المصري في مواجهة كورونا

تعرض الاقتصاد العالمي نتيجة انتشار فيروس كورونا لضربة غير مسبوقة، والتي صنفت كأكبر صدمة اقتصادية شهدها العالم منذ عقود، تاركةً وبشكل خاص تأثيرًا شديدًا على الاقتصادات الناشئة وعلى البلدان التي تعاني من عدم الاستقرار الاقتصادي. ومع تزايد الخسائر الصحية والبشرية فرضت الدول قيودًا صارمة على حركة المواطنين لوقف انتشار الفيروس، وهو ما زاد من الأضرار الاقتصادية على اقتصادات العالم. وكما هو حال جميع الدول، فإن بعض القطاعات الاقتصادية بمصر تأثرت وعلى رأسها قطاع السياحة والطيران، وانخفضت عائدات قناة السويس، كما ارتفعت نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي. ومع تمكن الحكومة المصرية من الاستجابة السريعة للحد من انتشار الفيروس، شهد…

أسماء فهمي
باحث في وحدة الدراسات الاقتصادية

تعرض الاقتصاد العالمي نتيجة انتشار فيروس كورونا لضربة غير مسبوقة، والتي صنفت كأكبر صدمة اقتصادية شهدها العالم منذ عقود، تاركةً وبشكل خاص تأثيرًا شديدًا على الاقتصادات الناشئة وعلى البلدان التي تعاني من عدم الاستقرار الاقتصادي. ومع تزايد الخسائر الصحية والبشرية فرضت الدول قيودًا صارمة على حركة المواطنين لوقف انتشار الفيروس، وهو ما زاد من الأضرار الاقتصادية على اقتصادات العالم.

وكما هو حال جميع الدول، فإن بعض القطاعات الاقتصادية بمصر تأثرت وعلى رأسها قطاع السياحة والطيران، وانخفضت عائدات قناة السويس، كما ارتفعت نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي. ومع تمكن الحكومة المصرية من الاستجابة السريعة للحد من انتشار الفيروس، شهد الاقتصاد المصري في مجمله نموًا مرتفعًا بشكل نسبي، مما مكنه من التقدم على اقتصادات المنطقة في تحقيقه معدلات نمو إيجابية، وذلك بفضل الجهود التي بذلتها الدولة وتوجهها نحو زيادة استثماراتها في القطاعات ذات فرص النمو المرتفعة كقطاع الاتصالات والزراعة والتشييد والبناء، ويمكن متابعة مؤشرات الاقتصاد الكلي، والمؤشرات المالية، والمؤشرات الخارجية الخاصة بمصر على الوجه التالي:

أولًامؤشرات الاقتصاد الكلي:

وضعت الحكومة المصرية رؤية شاملة للإصلاح الاقتصادي والمالي على المدى المتوسط، وتضمنت الرؤية عدة أهداف، منها: خفض العجز الكلي، وزيادة الإيرادات، وإعادة تخصيص الإنفاق العام لصالح القطاعات الأكثر حاجة والتي تصب في مصلحة المواطن المصري، ودفع النشاط الاقتصادي لتحقيق التنمية الاقتصادية وتحسين مستوى معيشة المواطن، فضلًا عن تحفيز القطاع الخاص لرفع استثماراته. وفيما يلي عرض لبعض مؤشرات الاقتصاد الكلي:

معدل النمو:

وفقًا لوزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، فإنه بالرغم من انتشار أزمة فيروس كورونا إلا أن مصر حققت معدل نمو سنويًا للناتج المحلي الإجمالي بلغ نحو 3.57% وذلك خلال عام 2019/2020. وانطلاقًا من استراتيجية الدولة التي تهدف إلى التخفيف من الآثار السلبية لأزمة كورونا، فقد خصصت 1.7% من الناتج المحلي الإجمالي للنفقات الصحية الاستثنائية بجانب تمويل برامج الحماية الاجتماعية، ويمكننا متابعة معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي من خلال الشكل التالي:

شكل رقم (1): تطور معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة 2016/2019

المصدر: وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية

يتبين من الشكل السابق اتخاذ معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي اتجاهًا تصاعديًا ابتداء من عام 2016/2017 وحتى عام 2018/2019، إلا أنه على إثر انتشار فيروس كورونا فقد انخفض معدل النمو عام 2019/2020 ليصل إلى 3.57%، وبالرغم من تحقيق معظم الدول لمعدلات نمو انكماشية، إلا أن مصر استطاعت تحقيق معدلات نمو إيجابية.

التضخم:

وفقًا للبنك المركزي المصري فقد تراجع معدل التضخم السنوي ليصل إلى 5.4% في ديسمبر 2020، مقارنة بنحو 5.7% في نوفمبر 2020، ويرجع ذلك بشكل رئيسي إلى انخفاض أسعار الخضروات والمنتجات الغذائية الأخرى.

هذا وقد بلغ متوسط معدل التضخم 5.1% خلال عام 2020، مقارنة بـ8.5% في عام 2019، وعلى أساس شهري، فقد انخفضت أسعار المستهلك بنسبة 0.4% في ديسمبر 2020، وهو أكبر انخفاض شهري منذ يونيو عام 2019، ويرجع ذلك إلى انخفاض أسعار المواد الغذائية والمشروبات، وفيما يلي عرض لتطور معدل التضخم خلال عام 2020:

شكل رقم (2): تطور معدلات التضخم الشهري خلال أواخر عام 2020

المصدر: البنك المركزي المصري.

يوضح الشكل السابق اتجاه معدلات التضخم الشهرية خلال عام 2020، فبعد وصول معدل التضخم الشهري إلى 3.7% في سبتمبر 2020، ارتفع ليصل إلى 5.7% في نوفمبر 2020، ليتراجع إلى 4.5% في ديسمبر 2020.

البطالة:

انخفض معدل البطالة في مصر إلى 7.3% في الربع الثالث من 2020 مقارنة بـ7.8% في الفترة نفسها من عام 2019، و9.6% في الربع السابق من عام 2020. ويُعزَى ذلك الانخفاض إلى عودة الأنشطة اليومية العادية في أعقاب تخفيف الدولة للقيود المفروضة سابقًا لاحتواء جائحة أزمة فيروس كورونا.

 وانخفض عدد العاطلين عن العمل بمقدار 151 ألفًا ليصل إلى 2.062 مليونًا، بينما انخفضت قوة العمل بمقدار 234 ألفًا لتصل إلى 28.171 مليون.

وارتفع معدل البطالة في المناطق الحضرية (10.9% في الربع الثالث من عام 2020، مقابل 10.6% في الربع الثالث من العام السابق) لكنه انخفض في المناطق الريفية (4.5% مقابل 5.6%).

ثانيًا- المؤشرات المالية (احتياطي النقد الأجنبي):

عقب تحرير البنك المركزي المصري لسعر الصرف عام 2016، قرر البنك المركزي في ديسمبر عام 2018 إلغاء آلية تحويل أموال المستثمرين الأجانب وذلك فيما يخص الاستثمارات الأجنبية الجديدة فقط، ونتيجة لذلك ارتفعت احتياطيات مصر من النقد الأجنبي مع تحسن الجنيه المصري مقابل الدولار الأمريكي.

ووفقًا للبنك المركزي المصري، فقد ارتفع صافي الاحتياطي الأجنبي بمقدار 0.9 مليار دولار أمريكي ليصل إلى 45.4 مليار دولار أمريكي، وبمقدار يغطي 8.3 أشهر من الواردات السلعية في نهاية ديسمبر 2019، وجاءت الزيادة نتيجة ارتفاع احتياطي العملات الأجنبية بنحو 0.6 مليار دولار أمريكي والذهب بمقدار 0.5 مليار دولار، وانخفاض حقوق السحب الخاصة بمقدار 0.2 مليار دولار، وتراجع احتياطي النقد الأجنبي بشكل تدريجي خلال عام 2020 على إثر أزمة فيروس كورونا وانخفاض العائد من القطاع السياحي وانخفاض الاستثمارات الأجنبية، إلا أنه عاد للتحسن مرة أخرى في أكتوبر 2020، ويمكن متابعة تطور احتياطي النقد الأجنبي خلال عام 2020 من خلال الشكل التالي:

شكل رقم (3): تطور احتياطي النقد الأجنبي خلال عام 2020

القيمة: مليار دولار أمريكي

 المصدر: البنك المركزي المصري.

يبين الشكل السابق التحسن الواضح في الاحتياطي من النقدي الأجنبي، والذي تزامن مع تحسن الأوضاع الاقتصادية بشكل تدريجي بعد تخفيف القيود التي فرضتها السلطات المصرية للحد من انتشار فيروس كورونا، حيث ارتفع الاحتياطي النقدي الأجنبي من 36.004 مليار دولار أمريكي في مايو 2020 ليصل إلى 39.22 مليار دولار أمريكي في أكتوبر 2020.

ثالثًا- المؤشرات الخارجية:

الميزان التجاري:

سجلت مصر عجزًا تجاريًا قدره 45957 مليون جنيه مصري في أكتوبر عام 2020، مسجلًا انخفاضًا مقارنة بما كان عليه، حيث كان العجز قد بلغ 52170 مليون جنيه مصري في الفترة نفسها من عام 2019، وذلك وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وفيما يلي شكل يبين تطور عجز الميزان التجاري المصري خلال عام 2020:

شكل رقم (5): تطور عجز الميزان التجاري المصري خلال عام 2020

القيمة: مليون جنيه مصري

المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

يوضح الشكل السابق تراجع عجز الميزان التجاري المصري خلال الفترة من أكتوبر 2019 وحتى أكتوبر 2020، حيث بلغت قيمة الصادرات 2.2 مليار دولار مسجلة تراجعًا بنسبة 13.1% في أكتوبر 2020، وذلك على إثر انخفاض قيمة بعض السلع كالملابس الجاهزة ومشتقات البترول والبترول الخام والأسمدة. وفي المقابل، ارتفعت قيمة الصادرات لبعض السلع كالسجاد والعجائن والأثاث. وعلى الجانب الآخر، فقد بلغت قيمة الواردات 5.1 مليارات دولار أمريكي، مسجلة انخفاضًا بلغ 22.6% وذلك في أكتوبر 2020.

الاستثمار الأجنبي المباشر:

أظهرت البيانات الصادرة عن البنك المركزي المصري، انخفاضًا في الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر والذي بلغ 3090.70 مليون دولار أمريكي في يوليو عام 2020، ويمكن متابعة تطور الاستثمار الأجنبي المباشر من خلال الشكل التالي:

شكل رقم (6): تطور الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر خلال عام 2020

القيمة: مليون دولار أمريكي

المصدر: البنك المركزي المصري.

من الشكل السابق نلاحظ انخفاض الاستثمار الأجنبي المباشر بسبب انتشار جائحة فيروس كورونا، فبعد أن حقق الاستثمار الأجنبي مستويات مرتفعة بلغت 4899 مليون دولار أمريكي في يناير 2020، تراجع ليصل إلى 3090.7 مليون دولار أمريكي في يوليو 2020.

وختامًا، فرغم أن جائحة كورونا خلفت آثارًا سلبية على الاقتصاد المصري؛ إلا أنه مع المخصصات المالية التي وُجهت لتمويل الخطة الشاملة لمواجهة فيروس كورونا، بجانب سعي الدولة لتنفيذ خريطة الإصلاح الاقتصادي؛ مكّن ذلك من التخفيف من حدة آثار فيروس كورونا على القطاعات الاقتصادية المختلفة، بل استطاع الاقتصاد المصري أن يحقق معدلات نمو إيجابية، وأن يتفوق على دول المنطقة، وهذا ما أكده صندوق النقد الدولي الذي أشاد بأداء الاقتصاد المصري في ظل الأزمة. وبعد اكتشاف لقاحات لفيروس كورونا وعودة الاقتصاد للعمل مرة أخرى بكامل طاقته، سيدفع ذلك بالاقتصاد المصري نحو مزيد من النمو، وتحقيق التنمية المرجوة من سياسات الإصلاح الاقتصادي.

أسماء فهمي
باحث في وحدة الدراسات الاقتصادية