مقال تحليلي

سباقات محمومة: الصراع على الارث الروسي التركي في اسيا الوسطى

تورات القضايا التي شكلت الأزمة بين أذربيجان وأرمنيا على خلفية الصراع على وضع اقليم ناغورنو كارباخ فى مقابل تصدر حسابات روسيا وتركيا وربما ايران إلى حد ما تجاه العلاقة مع الطرفين، وغالباً ما تزخم الأدبيات السياسية التي تعود إلى نحو قرن تقريبا مع سقوط الامبراطوريات الروسية والتركية بإرث كبير حول الصراعات التي امتدت على خريطة مناطقة القوقاز وآسيا فى الصراع والتنافس بين تلك الامبراطوريات، وهو الارث الذى أعيد احياؤوه فى مرحلة صعود كل الاتحاد الروسي خلفاً للاتحاد السوفيتي، ومواكبة ذلك لتحولات النظام السياسي فى تركيا مع وصول العدالة والتنمية الاسلامي إلى الحكم، واعادة البحث عن الارث العثماني فى تلك المنطقة…

أحمد عليبة
رئيس وحدة التسلح

تورات القضايا التي شكلت الأزمة بين أذربيجان وأرمنيا على خلفية الصراع على وضع اقليم ناغورنو كارباخ فى مقابل تصدر حسابات روسيا وتركيا وربما ايران إلى حد ما تجاه العلاقة مع الطرفين، وغالباً ما تزخم الأدبيات السياسية التي تعود إلى نحو قرن تقريبا مع سقوط الامبراطوريات الروسية والتركية بإرث كبير حول الصراعات التي امتدت على خريطة مناطقة القوقاز وآسيا فى الصراع والتنافس بين تلك الامبراطوريات، وهو الارث الذى أعيد احياؤوه فى مرحلة صعود كل الاتحاد الروسي خلفاً للاتحاد السوفيتي، ومواكبة ذلك لتحولات النظام السياسي فى تركيا مع وصول العدالة والتنمية الاسلامي إلى الحكم، واعادة البحث عن الارث العثماني فى تلك المنطقة أيضاً .

إرث تاريخي ضاغط 

فى هذا السياق يمكن القول أن معادلة الاشتباك الحاكمة التي تشكلت فى هذه المنطقة خلال العقود السابقة حكمها هذا التنافس على الارث التاريخي بين الروس والأتراك، فبالنسبة لموسكو التي حاولت من استعادة ارثها عملت على تفصيل السلطة السياسية فى معظم تلك الدول، ومناطق الحكم الذاتي، وبالتالي ارتبطت معها بصلات سياسية قوية، فضلا عن رابط الاتحاد الروسي، أو ما عرف على وجة الدقة بعقيدة ” بريماكوف ” التي كانت تسعي وفق خطة سياسية شاملة إلى استعادة نفوذ روسيا فى دول ” الكومولث” ، وكان البعد الثقافي هو الحاكم فى هذه الفترة ، بالنظر إلى وجود ملايين من الناطقين بالروسية فيها، وفى المقابل تسللت أنقرة فى السياق ذاته عبر استخدام نفس ادوات القوة الناعمة بحكم الارتباط الثقافي والديني مع جالية ربما أكبر فى هذه المنطقة خاصة وأن 7 عقود من حكم روسيا السوفتية لتلك المناطق لم تغير كثيراً فى هوية الشرائح التركمانية الوسعة ، وفى مرحلة التسعنيات أي قبل وصول العدالة والتنمية للسلطة بنحو عقد تقريبا، أضيف إلى ذلك الرابط الديني، فمع سقوط الشيوعية طغت قضية الهوية الدينية فى تلك المناطق، الامر الذى وفر حاضنة واسعة للتمدد التركي، وربما زاد على ذلك سماح الولايات المتحدة والعديد من القوي الأوربية بهذا التمدد لافساح الطريق للاسلام التركي لغزو تلك المناطق كبديل للنسخة المتطرفة التي اتجهت إليها بعض التنظيمات هناك. 

مواقف القوي الدولية حيال التنافس الروسي – التركي فى المنطقة:  

فى مرحلة تالية وتحديداً فى 2009 تحول تحول مسار الغزو الايدلوجي التركي إلى مسار مؤسسي، مع انشاء ما يعرف بـ” مجلس التعاون التركي ” للدول الناطقة بالتركية (CCTS) ويعين له وزير فى الحكومة التركية. وبالتبعية نشأت بالتدريج مصالح اقتصادية على غرار التنافس بين هذه القوي، ركزت فيها تركيا على عامل التنمية صادرتها إلى تلك المنطقة، وفى المقابل سعت موسكو إلى أن تكون المصدر الرئيسي لتسليح أغلب تلك الدول ، كذلك كان مجال الاهتمام بالثرواث النفطية ولاسيما الغاز أحد أبعاد التنافس بين الطرفين، لكن بالنسبة لهما معاً شكل صعود الصين واهتمامها بتلك المناطق تحدياً كبيراً ، ووفق التقارير الاقتصادية الدولية، كان هناك تقارب نسبي فى الميزان التجاري بين موسكو وبكين وإن كان يميل بشكل طيفيف لصالح الصين.  

أيضا شكلت الادوار الدولية دوراً فى مساحة العلاقة بين الطرفين، ففى عام 2000 على سبيل المثال وضعت روسيا مع وصول الرئيس الروسي إلى الحكم استراتيجية الأمن القومي الروسي ، وكانت تلك المناطق أحد أركان هذه الاستراتيجية، وبالتزامن ايضا رعي مجلس الاستخبارات الأمريكية مؤتمراً فى العام ذاته لدراسة متغيرات البيئة الاستراتيجية لاسيما وأنه كانت هناك سياسية غربية واضحة ومحددة تجاه الاتحاد السوفيتي فى حقبة الحرب البادرة لكنها أخذت فى التغير مع تفكك الاتحاد السوفتي للتكيف مع طبيعة التطورات واستقلال العديد من تلك الدول عن روسيا” الكومنولث المستقلة” . لكن على الارجح كانت حسابات القوي الغربية خاصة الولايات المتحدة يميل إلى الحسابات الخاصة بسياساتها الخارجية تجاه ايران والعلاقة مع الكوريتين، واليابان، أي التركيز على بيئة القوقاز وآسيا الوسطي من منظور الأثر على البيئة المحيطة التي توليها واشنطن أولوية فى السياسية الخارجية ، وهو الاطار الذي شكل هامش لحركة القوي الرئيسية المتنافسة بحكم الوضع الجيوسياسي كروسيا وتركيا . 

متغير معادلة الاشتباك

المتغير اللاحق فى التنافس التركي – الروسي على القوفاز شهد أوجة فى مرحلة فى الاعوام الثلاثة الأخيرة ، مرتبطاً بعدة تفاعلات، منها التقارب الروسي التركي فى سوريا، والتحولات التي شهدتها الأزمة السورية، وطبيعة الترتيبات الأمنية فى اطار التنسيق المشترك بين الجانبين، ومحاولتهما السعي إحتواء ما ينسب من أزمة فى تلك المنطقة وامتداد هذه العلاقات فى مناطق أخري تشهد صراعات لاسيما الوضع فى ليبيا. وبالتالى تزايدت هامش معادلة الاشتباك بين الطرفين وهو ما كان له انعكاسات واضحة على الأزمة الأذارية – الأرمنية، فمنذ 2018 ركزت مراكز الفكر ووسائل الاعلام الروسية على تنامي الدور التركي فى تلك المنطقة من زواية أن التمدد التركي هناك يأتي على حساب تأكل أرضية النفوذ الروسي. 

استراتيجيات ما بعد الحرب الخاطفة فى ناجورني كارباخ :

دامت الحرب فى اقليم ناجورني كراباخ 6 أسابيع لكنها كانت كفيلة بان تشكل تحولات فارقة فى خريطة القوقاز بشكل عام ، ومن المهم الاشارة إلى أن الصيغة الايدولوجية للمشروع التركي والتي توظف داخلياً لعبت دوراً فى الاستراتيجية التركية، وبشكل مبدئي يعكس الخطاب السياسي الرسمي التركي ” غواية المشروعات الكبري ” مثل ” تركيا الكبري ” والوطن الأزرق ” وغيرها ، ولكن فى المقابل لا تلعب روسيا حاليا على توظيف مثل هذا الخطاب، فى الاساس هناك تركيز عامل متغير موازين القوي، وتبدل المواقف الاسترايتجية للنظام الارذربجاني التي سلط عليها الضوء فى التقديرات الروسية والغربية أيضا، وكان أبزر تلك المؤشرات تصريح وزير الدفاع الاذربيجاني ذاكر غسانوف إيان الحرب بأن تركيا هي الحليف الأقرب لبلاده، والذى اعتبره فاينشال تايمز بمثابة تحول فارق فى العلاقة الأذراية الروسية. 

أما على الصعيد المستقبلي فقد أشارت التقديرات التركية إلى أن الإنخراط المستقبلي سيغير من خريطة الانخراط التركي فى القوقاز وآسيا الوسطي، لعل أبزر مثال هو هو ما خطة مشروع ” ممر ناختشيفان ”  الذى يعد جزء من ” طريق الحرير الحديدي التركي ” فى القوقاز وآسيا الوسطي، ويتمد بين قارص (شرق الأناضول)-أغدير (شرق تركيا)- وصولاً إلى اقليم ناختشيفان، وهو أحد ثمار اتفاق قرة باغ، فارهاصات تنفيذ المشروع بدأت منذ فبراير 2020 خلال زيارة للرئيس التركي رجب طيب ارودغان إلى اذربيجان، لكن كان يواجهة بعض التحديات إلا أن معركة قرة باغ مهدت الطريق لتجاوز تلك التحديات. وبالتالى ستصل تركيا إلى عمق آسيا الوسطي عبر القوقاز بسهوله. كما ستتنقل أيضا بين موانئ باكو الأذرية، وأتيراو الكازخستانية، وتركمانباشي التركمانية في آسيا الوسطى، ما سيخلق لها مجالا تجاريا واسعا مع جميع البلدان المجاورة بسحب الرؤية التركية. 

الانعكاسات على قوة التحالف الروسي – التركي 

يصعب القول أن التحالف التركي – الروسي هش لدرجة الانكسار فى المرحلة الحالية بالدرجة ذاتها التى يمكن بها القول أن التحالف بينهما صلب وليس عرضة للانكسار فى المرحلة الحالية، لكن يمكن القول أن هناك تمايز بين الطرفين فى رؤيتهما لهذا التحالف، فالغالب على الرؤي الاكاديمية فى سياق قراءة أغلب ما قدم من تحليلات فى اطار تناول اتفاق وقف اطلاق النار، أن روسيا قدمت تنازلات كبيرة سيكون لها انعكاسات سلبية فى حجم الدور الروسي فى القوقاز وآسيا الوسطي، بشكل عام، وفى المقابل فإن الروايات الرسمية الروسية تبنت خيار استراتيجي مرحلى هو الحفاظ على التحالف مع تركيا حتي فى الحد الأدني التحالف، فى المقابل تظهر بعض المؤشرات التركية أنه يمكن المغامرة بهذا التحالف فى مرحلة ما بحسب متغيرات المصالح. فعلى سبيل المثال فى 2 سبتمبر 2019 وقبل اندلاع الحرب فى قرة باغ وضعت صحيفة “إزفستيا” الروسية علامة استفهام حول تصريح وزير العلاقات التركية مع جمهوريات رابطة الدول المستقلة الناطقة بالتركية قال فيه أن تركيا خليفة الإمبراطورية العثمانية العظيمة عليها أن تنشئ تحالفًا مع أذربيجان وكازاخستان وأوزبكستان وقرغيزستان وتركمانستان حتى لو أدى ذلك إلى مواجهة حادة مع روسيا”.

فى الأخير ، يظل من المبكر قراءة نتائج جولة الحرب الاخيرة فى جنوب القوقاز ، لكن القراءة الأولية تشير إلى أن المنطقة يعاد هيكلتها وفق الحسابات الجيوسياسية والمصالح فى اطار التنافس متعدد القوي فى بؤرة صراع امبراطورى ، وتعد معركة قرة باغ أحد مؤشراته لكنها تظل بالحسابات العسكرية التي افرزتها نتائج المعركة أقل من أن تشكل نموذج قابل للتعميم فى القوقاز وآسيا الوسطي، بالنظر لعوامل عديدة، منها أن هناك اقرار دولي بتبعية الاقليم المتنازع عليه بالاساس إلى أذربيجان، الأمر الأخر هو أن الاتفاق الأمني الروسي الارميني ضمن مثياق الامن الجماعي لا يمنح روسيا حق الدفاع عن أرمينيا فى المواجهة مع أذربيجان فيما يتعلق بالصراع على قرة باغ، اذ يضمن لها الدعم العسكري فقط . لكن لا يقلل أيضا من حجم الخسائر الروسية بالمعني اللوجستي، ففي الأخير خسرت أرمنيا فى المعركة سلاح يقدر بأكثر من 4.7 مليار دولار فى تلك المعركة وهو سلاح روسي بالاساس، الأمر الأخر أنه لن تستبعد روسيا من حسباتها أن سلاح الطائرات دون طيار التركية كان عامل حسم فى المعركة، وتمكن من اختراق ثغرات منظومات دفاعية روسية مثل S-300. 

وفى المقابل لا يعتقد أن روسيا ستسقط من حساباتها العديد من الدروس المستفادة من هذه المعركة على المديين المتوسط والطويل، لاسيما وأنها استدركت جوانب الإخفاق فى معادلة القوة، لذا حسنت من وضعها فى الاتفاق فنشرت قوة عسكرية تقدر بـ2000 جندي، كذلك فإن موسكو ترى أنها هي الطرف الضامن للاتفاق بحكم أنها التي قادت الاطراف إلى اتفاق وقف اطلاق النار ، وبالتالي تظل هى الطرف القادر على اطفاء الحرائق التي تشلعها أنقرة فى تلك المنطقة. وفى المحصلة الأخيرة تضعف هذه النقاط من قوة التحالف الروسي – التركي بالنظر إلى طابع التوظيف البرجماتي المتبادل بينهما، وهو ما يعني أن تماسك التحالف رهن مدي الاستجابة للمصالح ورهن قدرة كل طرف على ممارسة الضغوط على الطرف الأخر، وهو أمر لا يشكل ضمانه لبقاءه فى المستقبل فى زيادة نقاط التباين فى تلك المصالح. 

نقلا عن إصدار “الاستراتيجية التركية في آسيا”، يناير ٢٠٢١.

أحمد عليبة
رئيس وحدة التسلح