لقاحات كورونا: أنا ومن بعدي الطوفان!

عضو الهيئة الاستشارية

في حرب مستعرة تشبه تلك التي رافقت ظهور جائحة كوفيد-19، حيث أظهرت الدول الأوروبية جشعا غير متوقع للحصول على الكمامات الطبية سواء بطرق شرعية (اقتنائها أو تصنيعها) أو على طريقة قطاع الطرق (قرصنة شحنات منها)، يتكرر المشهد مرة أخرى، وهذه المرة بخصوص لقاحات كورونا التي أشعلت نزعة قومية، باتت معها الدول الأوربية تسعى للاستفراد باللقاح. بعد أشهر قليلة من التخلص من معضلة البريكست، يبدو أن حرب تكسير عظام جديدة قد انطلقت شرارتها؛ بهدف تأمين احتياجات الاوروبيين من لقاح شركة “أسترازينيكا-أكسفورد”؛ بين دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، بشكل ينتهك قواعد دولية واتفاقات ثنائية واعراف تاريخية واخلاقية. فالاتحاد الأوروبي الذي مول بما يزيد…

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

في حرب مستعرة تشبه تلك التي رافقت ظهور جائحة كوفيد-19، حيث أظهرت الدول الأوروبية جشعا غير متوقع للحصول على الكمامات الطبية سواء بطرق شرعية (اقتنائها أو تصنيعها) أو على طريقة قطاع الطرق (قرصنة شحنات منها)، يتكرر المشهد مرة أخرى، وهذه المرة بخصوص لقاحات كورونا التي أشعلت نزعة قومية، باتت معها الدول الأوربية تسعى للاستفراد باللقاح.

بعد أشهر قليلة من التخلص من معضلة البريكست، يبدو أن حرب تكسير عظام جديدة قد انطلقت شرارتها؛ بهدف تأمين احتياجات الاوروبيين من لقاح شركة “أسترازينيكا-أكسفورد”؛ بين دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، بشكل ينتهك قواعد دولية واتفاقات ثنائية واعراف تاريخية واخلاقية. فالاتحاد الأوروبي الذي مول بما يزيد عن 350 مليون دولار لتطوير لقاح الشركة مقابل بذل “اقصى جهدها” لحصوله على 100 مليون جرعة بالربع الأول من العام الحالي، تسوده حالة من الغضب بسبب حصول بريطانيا على جرعات كافية من اللقاحات، خاصة، بعدما بلغ برنامج التطعيم في بريطانيا 10% من المواطنين (7.5 ملايين شخص) في حين لم تصل نسب التطعيم بدول الاتحاد سوى 5% او أقل.

ويعتبر الأوروبيون أن المملكة المتحدة تحصل على معاملة تفضيلية من شركات اللقاح مقارنة ببقية دول الاتحاد. أما شركة استرازينيكا، التي كان من المتوقع أن ترسل 80 مليون جرعة لدول الاتحاد بحلول نهاية مارس، بينما لن تستطيع توفير سوى 25 مليونا بحلول هذا الموعد، فهي تبرر تأخر حصول الاتحاد على حصته من جرعات اللقاح بمشاكل في الإنتاج، بينما تفسر حصول بريطانيا عليه بشكل اكبر لكونها تعاقدت عليه قبل ثلاثة اشهر عن الاتحاد.

عدم اقتناع الاتحاد الأوروبي بهذه الشروحات والتبريرات وزيادة الضغط الشعبي عليه، دفعه، في خطوة غير مسبوقة، للإعلان عن اقترابه من سن تشريع يمنع تصدير اللقاحات خارج دول الاتحاد إلا بعد أن يضمن التكتل احتياجاته أولا، خصوصا لقاح “فايزر” الذي يتم تصنيعه أساسا في بلجيكا، والذي عقدت بريطانيا صفقة لشراء 40 مليون جرعة منه. 

تهديدات الاتحاد الأوروبي بتقييد صادرات “فايزر” شملت أيرلندا الشمالية عبر جمهورية أيرلندا (العضو في الاتحاد الأوروبي). وقد وضع الاتحاد الأوروبي بذلك حدودا صعبة بين إيرلندا الشمالية وجمهورية إيرلندا على سلسلة التوريد للقاح. وهو بهذا القرار قام بتعليق بند من اتفاق “بريكست” مع بريطانيا، يسمح بالتدفق الحر للسلع عبر الحدود الأيرلندية، وذلك خوفا من وصول اللقاح إلى الأراضي البريطانية ككل. وقد استند الاتحاد على المادة 16 من بروتوكول إيرلندا الشمالية، الموقع بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، والذي يمنح الاتحاد سلطة وقف حركة البضائع بين إيرلندا الشمالية والدول الأعضاء عندما ترى ذلك ضروريا.

في حال منع الأوروبيون فعلا تصدير اللقاحات خارج الاتحاد، فإن هذا سيؤدي لتأخير وصول المملكة المتحدة للمناعة الجماعية بحوالي 3 أشهر، وهذا قد يربك كل حسابات الحكومة البريطانية بهذا الخصوص. لكن، في المقابل، إذا طبق الاتحاد الأوروبي ضوابط التصدير على اللقاحات، فهذا يمكن ان يقود الى توقف إنتاج اللقاحات في أوروبا بشكل عام. فمن البديهي ان الدول غير الأعضاء في الاتحاد والتي ستطبق عليها ذات الضوابط، ستقوم بالضغط من جهتها من خلال توقيف تصدير المواد المستخدمة في صنع اللقاحات. وهذا الفعل ورد الفعل سيطيل اجل الفيروس بدلا من القضاء عليه.

مع اختلاط العامل الصحي والنفسي بالسياسة والاقتصاد في مسألة اللقاحات، يبدو أن الاتحاد الأوروبي يسعى لزيادة الإمدادات إليه، حتى وإن قطعت عن دول أخرى. وهو بذلك يناقض ما كان يروج له لنفسه من دعمه للعمل الإنساني الدولي. والأسوأ ان إيقاف الامدادات عن دول في حاجة الى جرعات منقذة للحياة من شأنه أن يؤثر في العلاقات الدولية وان يكرس لسياسة تبادل الضربات الانتقامية، مما يدخل العالم في نفق اكثر سوادا.

وإذا كانت أوروبا، والدول الغنية بصفة عامة، تسعى لحماية مواطنيها، ووقف النزيف الاقتصادي الذي تعاني منه بسبب إجراءات الحظر والإغلاق، فالحرب على اللقاحات تكرس اوجه التفاوت وعدم المساواة في الحصول على جرعات الحياة بين الدول الغنية والدول الفقيرة. والدول الغنية بما تمتلكه من امكانيات قد استطاعت فعلا الاستحواذ على نصيب الأسد من اللقاحات، بينما الدول الفقيرة لاتزال تواجه الجائحة بدون بوصلة وبدون جداول زمنية واضحة بخصوص اللقاح وبخطط توزيع معقدة للطرح. والوضع يزداد سوءا في مناطق النزاع حيث الحكومات غير قادرة على شراء اللقاحات، أو حتى توزيعها في مناطق تستولي عليها الفصائل المسلحة او تقع تحت مجال السيطرة السياسية المتنافسة. 

حاولت منظمة الصحة العالمية أن تحقق بعض التوزيع المنصف للقاح، عندما أسست “كوفاكس” التحالف من أجل اللقاحات. وبعد أشهر على تأسيسه هناك معلومات تفيد بأن أكثر من مليار لقاح اشترتها الدول الغنية من مجموع مليار و300 مليون كان يتوقع إنتاجها. ما يعني ان ما حذرت منه منظمة الصحة قد يحدث فعلا، وأن الدول الغنية في طريقها لافتراس الفقيرة، ما يجعلنا امام كارثة أخلاقية. فقد اخرجت كورونا أسوأ ما في النفوس والسياسات، ورسخت لمبدأ لم يستطع الضمير الإنساني التخلص منه، وهو “انا ومن بعدي الطوفان!”.

ــــــــــ

نقلا عن جريدة الأهرام، الخميس ٤ فبراير ٢٠٢١.

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب