تنمية ومجتمع

الفرصة والمتطلبات: نحو تفعيل المشروع الوطني للقراءة

أطلقت وزارة التربية والتعليم بالتعاون مع مؤسسة البحث العلمي الإماراتية المشروع الوطني للقراءة منذ مارس 2020، ولكن يبدو أن خطوات تنفيذ المشروع لم تكن واضحة بالقدر الذي يسمح بتفعيله، فقد مر على الإعلان عشرة أشهر تقريبًا ولم يحدث أي تقدم يُذكر في هذا المشروع؛ رغم أن الظروف السائدة تعد توقيتًا مناسبًا لتفعيل المشروع في ظل تعليق حضور الطلاب إلى المدارس والجامعات بسبب جائحة كورونا. أهداف المشروع وأبعاده المشروع الوطنـي للقـراءة هـو مشروع ثقافـي تنافسـي مســتدام، يهــدف إلــى توجيــه أطفــال مصــر وشــبابها لمواصـلة القـراءة الوظيفيـة الإبداعيــة الناقــدة التـــي تُمكّنهــم من تحصيل المعرفـة وتطبيقـها وإنـتاج الجديد منهـا، وصـولًا إلى مجتـمع يتــعلم ويفـكر…

محمود سلامة
باحث ببرنامج السياسات العامة

أطلقت وزارة التربية والتعليم بالتعاون مع مؤسسة البحث العلمي الإماراتية المشروع الوطني للقراءة منذ مارس 2020، ولكن يبدو أن خطوات تنفيذ المشروع لم تكن واضحة بالقدر الذي يسمح بتفعيله، فقد مر على الإعلان عشرة أشهر تقريبًا ولم يحدث أي تقدم يُذكر في هذا المشروع؛ رغم أن الظروف السائدة تعد توقيتًا مناسبًا لتفعيل المشروع في ظل تعليق حضور الطلاب إلى المدارس والجامعات بسبب جائحة كورونا.

أهداف المشروع وأبعاده

المشروع الوطنـي للقـراءة هـو مشروع ثقافـي تنافسـي مســتدام، يهــدف إلــى توجيــه أطفــال مصــر وشــبابها لمواصـلة القـراءة الوظيفيـة الإبداعيــة الناقــدة التـــي تُمكّنهــم من تحصيل المعرفـة وتطبيقـها وإنـتاج الجديد منهـا، وصـولًا إلى مجتـمع يتــعلم ويفـكر ويـبتكر. ويتسق هذا الهدف مع رؤيـة مصر 2030، ويتوافـق مع أجندة وزارات التربية والتعليم والتعليم العالي، والثقافة، ورؤية الأزهر الشريف ورسالته.

وتتمثل أهداف المشروع فيما يلي:

تنميـة الوعـي بأهميـة القـراءة لدى المجتمـع المصـري.

تمكـين الأجيال الجديدة من مفاتيـح الابتكار عـبر الـقراءة الإبداعية النــاقدة المنتِجــة للمعرفــة.

تعـزيز الـحسّ الوطني، والشـعور بالانتمـاء عبـر دعـم القيم الوطنيـة والإنسانيـة.

إثراء البيـئة الثقافـية فـي المدارس والمعاهد والجامـعات، بما يدعم الحوار البنـاء والتسـامح وقبول الآخر.

تشجيـع المشـاركات المجتمعية الداعمة للـقراءة.

العنايـة بكتـب الناشئـة عبر إثراء المكتـبات ورفــع جــودة المحتـوى والإخراج.

تقديـم مشــروع ثقافـي نموذجـي مستــدام قائــم علــى أسـس علميـة لتشجيـع مشـروعات مماثـلة.

ويستهدف المشروع في المقام الأول الطلاب في سن الدراسة، سواء في المدارس والمعاهد الأزهرية أو في الجامعات، كما تتسع دائرة المشروع لتشمل المعلمين في جميع المراحل الدراسية باعتبارهم القدوة والمثال الذي يحتذي به الطلاب. ولم يتوقف المشروع عند ذلك الحد، بل امتد إلى مؤسسات المجتمع التي تقوم بدور في تقديم الدعم اللازم لتحقيق أهداف المشروع. ويضم المشروع أربعة أنواع من المنافسات، تم تخصيص خمسة ملايين جنيه كمكافآت لكل واحد منها، وذلك على النحو التالي:

التنافس المعرفي: وهو خاص بالتنافس بين جميع طلبة جمهورية مصر العربية من الصف الأول الابتدائي حتى الثالث الثانوي.

المدونة الماسية: وتتعلق بالتنافس بين جميع طلبة جامعات الجمهورية.

وقوام المنافسة في هاتين المنافستين هي قراءة وتلخيص 30 كتابًا باللغة العربية، يتفاوت حجمها حسب المرحلة العمرية، على أن تغطي الكتب مجالات معرفية متنوعة. 

المعلم المثقف: وتتضمن المنافسة بين جميع معلمي الصفوف من الصف الأول الابتدائي حتى الصف الثالث الثانوي. وتم تخصيص جوائز بقيمة خمسة ملايين جنيه مصري لمجموع الفائزين. والمطلوب في هذه المسابقة هو قراءة 30 كتابًا باللغة العربية، وتلخصيها على الموقع الإلكتروني، على أن يكون خمسة كتب على الأقل منها في الجانب المهني، فيما تتوزع الكتب الخمسة والعشرين الأخرى في مجالات الثقافة العامة والمعارف.

المؤسسة التنويرية: وتختص بالتنافس بين مؤسسات المجتمع في مجال دعم أهداف المشروع الوطني للقراءة، وذلك عبر الخدمات التي تقدمها مؤسسات المجتمع المدني، على أن تكون الخدمة المقدمة جزءًا من برنامج تتبناه المؤسسة، ووفق خطة زمنية شاملة ومحددة، وأن يغطي البرنامج قطاعًا واسعًا من الجهات أو الأفراد، وأن تكون جميع الخدمات موثّقة بما يسمح للجنة التقويم بالتحقق من الخدمات المقدمة.

الوضع العام للقراءة في مصر

يمكن لهذا المشروع، حال تنفيذه بجدية، الإسهام في تحسين عادات القراءة ورفع المستوى المعرفي والثقافي في المجتمع، والتي تعاني من أوجه قصور عدة، سواء فيما يخص الإقبال على القراءة، أو توافر البنية التحتية اللازمة لها. فوفقًا للرابطة الدولية لاتحادات المكتبات (IFLA)، يبلغ عدد المكتبات بجميع أنواعها في مصر 30835 مكتبة، تستحوذ المكتبات المدرسية على النصيب الأكبر منها وهو 29429 مكتبة، ما يعني أن إجمالي المكتبات العامة والأكاديمية والقومية بلغ 1406 مكتبات في 2017، وقد ارتفع هذا العدد في 2018 إلى 1456 مكتبة وفقًا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

ويبين الجدول التالي إجمالي أعداد المكتبات في مصر ومستخدميها وعدد الزيارات خلال عام 2017. 

المفردات نوع المكتبةالعددالمستخدمونالزيارات
قومية1912320000
أكاديمية4644095875 ملايين
عامة912943791.4 مليون
مدرسية29429
أخرى292810415

المصدر: الرابطة الدولية لاتحادات المكتبات IFLA

تشير البيانات الواردة في الجدول السابق إلى أنه بالرغم من أن عدد المكتبات العامة يساوي ضِعف عدد المكتبات الأكاديمية تقريبًا، إلا أن عدد رواد المكتبات الأكاديمية المسجلين يزيد على أربعة أضعاف رواد المكتبات العامة، كما أن عدد الزيارات للمكتبات الأكاديمية يزيد على ثلاثة أضعاف عدد الزيارات للمكتبات العامة. ويمكن من البيانات السابقة الاستدلال على أن استخدام المكتبات يرتبط بالأغراض الدراسية أكثر بكثير من ارتباطه بالأغراض الثقافية العامة، وأن الفئات الأكثر استخدامًا للمكتبات هم الأكاديميون وطلاب الجامعات والدراسات العليا. في الوقت نفسه فإن عدم توفير بيانات عن أعداد الطلاب المترددين على مكتبات مدارسهم أو عدد الكتب التي يقرءونها سنويًا يسهم في ضبابية الرؤية حول الوضع العام للقراءة بين طلاب المدارس.

جدير بالذكر أن عدد دور النشر في مصر وفقًا لاتحاد الناشرين بجمهورية مصر العربية بلغ 260 دار نشر، قدمت ما يزيد على 14800 كتاب وكتيب مؤلَف ومترجم، وبلغ عدد النسخ المطبوعة ما يزيد على 148 ألف نسخة في 2018 وفقًا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أي إن المتوسط العام لطباعة الكتب في مصر يبلغ نسخة واحدة لكل 664 فردًا. وعلى الرغم من انخفاض هذا المعدل إذا ما قورن ببعض الدول الأوروبية والولايات المتحدة واليابان، إلا أن مصر تحتل به المرتبة الأولى بين الدول العربية والإفريقية.

من خلال ما سبق، يتضح أن البيانات المتاحة عن الوضع العام للقراءة في مصر غير كافية للحكم على ما إذا كان المجتمع المصري يمكن تصنيفه كمجتمع قارئ، كما أن هناك حاجة ماسة إلى مزيد من البيانات حول عادات القراءة ومجالاتها عند طلاب المدارس، وهو ما يمكن الوصول إليه من خلال تفعيل المشروع الوطني للقراءة الذي تم الإعلان عنه منذ مارس 2020 ولم تتخذ الجهات المعنية خطوات فعالة على مسار تفعيله إلى الآن.

لماذا يُعد التوقيت مناسبًا؟

تعد فترة تعليق الدراسة سواء بسبب إجازة نصف العام الدراسي أو اتخاذ إجراءات احترازية للحد من انتشار فيروس (كوفيد-19) فرصة جيدة يجب استغلالها لتفعيل المشروع الوطني للقراءة، فالطلاب والمعلمون أمام فرصة عظيمة تستمر ما يزيد على شهر كامل يمكن استثمارها في القراءة، حيث أعلن وزير التربية والتعليم عن بدء إجازة نصف العام من 16 يناير وحتى 20 فبراير، وتأجيل جميع الامتحانات إلى ما بعد العودة للمدارس، وهو ما تم تعميمه على الجامعات أيضًا. ومن الممكن أن يؤثر طول مدة الإجازة سلبًا على الطلاب في ظل عدم ممارسة أنشطة رياضية أو ثقافية بسبب الإجراءات الحالية. بذلك، يتمثل الدافع الأول لتفعيل المشروع في أسرع وقت ممكن في وجود متسع من الوقت أمام الطلاب والمعلمين بسبب تعليق الدراسة.

أما الدافع الثاني فيتمثل في تجهيز طلاب الصفوف الدنيا للمشاركة في اختبار بيرلز (PIRLS)، حيث من المقرر أن يشارك طلاب الصف الرابع الابتدائي في الاختبار الدولي الذي يقيس قدرات الطلاب في القراءة والحساب نهاية العام الدراسي الحالي. جدير بالذكر أن الطلاب المصريين لم يشاركوا في هذا الاختبار من قبل، كما أن الطلاب في سن الخامسة عشرة سوف يشاركون في اختبار بيزا (PISA) الذي يقيس قدرات الطلاب في القراءة النقدية والعلوم والرياضيات، ما يجعل استغلال فترة الإجازة في فتح مجال الاطلاع والقراءة في التخصصات المختلفة أمام الطلاب أمرًا واجبًا.

متطلبات التفعيل

على الرغم من الإعلان منذ ما يقرب من عشرة أشهر، إلا أن المشروع لم يحظَ بالدعاية الجيدة التي تدفع مدارس التعليم قبل الجامعي العام والأزهري للتسجيل على الموقع الرسمي للمشروع. كما أن الجامعات لم تعلن عن المشروع بين طلابها، ولا تتيح وزارة التربية والتعليم أو التعليم العالي أي إحصاء رسمي عن عدد الذين سجلوا للمشاركة في المشروع. على ذلك، لا بد أن يتم تنظيم حملة دعائية قوية للإعلان عن المشروع من خلال الوسائل المرئية والمسموعة والمقروءة لجذب أكبر عدد من المشتركين، سواء من طلاب المدارس والجامعات أو المعلمين أو منظمات المجتمع المدني والمتطوعين.

وبسبب حاجة الأطفال إلى الإرشاد في المراحل العمرية المختلفة، فمن غير المنطقي أن يُطلب منهم قراءة وتلخيص الكتب دون توفير عدد من البدائل ليختاروا منها نموذجًا واضحًا لتلخيص أفكار الكتاب المقروء، لذلك يجب أن توفر الهيئات المسئولة عن تنفيذ المشروع قائمة بالكتب التي تتناسب مع كل فئة عمرية يختار منها القارئ، وأن تتاح هذه الكتب إلكترونيًا على أقل تقدير أو ورقيًا في مكتبات المدارس. ولأن الصفة السائدة بين الطلاب هي عدم القدرة على استغلال أوقات الفراغ بشكل سليم، فإن ذلك يفرض بذل مزيد من الجهد لمتابعة المشتركين والتأكيد على استمرارهم في القراءة طوال مدة المسابقة من خلال التطبيقات الإلكترونية المختلفة.

ولضمان نسب مشاركة عالية، لا بد من تقديم حوافز مجدية لجميع المشاركين وليس الفائزين فقط، على أن تكون هذه الحوافز متدرجة وفقًا لكل مستوى يصل إليه المشترك، فبدلًا من منح الفائز الأول مليون جنيه كاملة، يمكن تخفيض هذه الجائزة وتقديم حوافز بسيطة لمن يشارك في المسابقة بضوابط محددة.

أخيرًا، يمكن القول إن تعليق الدراسة لمدة تزيد على شهر بسبب الظروف التي فرضتها جائحة كورونا يعد فرصة جيدة يجب استغلالها بتفعيل المشروع الوطني للقراءة لتشجيع طلاب المدارس والجامعات على القراءة للوصول إلى مجتمع يتعلم ويفكر ويبتكر.

محمود سلامة
باحث ببرنامج السياسات العامة