تنمية ومجتمع

“كوفاكس”: لقاحات كورونا وآمال التوزيع العادل

منذ أن بدأت جائحة كورونا تسابقت البلدان لشراء كافة المستلزمات الطبية والعلاجية والتشخيصية لفيروس كورونا المستجد، وهو ما نبه منظمة الصحة العالمية إلى ضرورة إطلاق مبادرة شمولية تكفل توفير أدوات مكافحة جائحة كورونا للبلدان الأكثر فقرًا، والتي لن تستطيع أن تخوض تلك الصراعات التي يحكمها توافر المال. وبالفعل، أطلقت المنظمة في أبريل من العام الماضي مبادرة “تسريع إتاحة أدوات كوفيد-19″، بدعم من الأمين العام للأمم المتحدة والعديد من رؤساء الحكومات ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الخيرية؛ من أجل إنتاج 500 مليون من اختبارات الكشف عن فيروس كورونا، و245 مليون من العلاجات اللازمة للفيروس، وكذلك توفير ملياري جرعة من اللقاحات التي يحتاجها…

ألاء نصار
باحثة ببرنامج السياسات العامة

منذ أن بدأت جائحة كورونا تسابقت البلدان لشراء كافة المستلزمات الطبية والعلاجية والتشخيصية لفيروس كورونا المستجد، وهو ما نبه منظمة الصحة العالمية إلى ضرورة إطلاق مبادرة شمولية تكفل توفير أدوات مكافحة جائحة كورونا للبلدان الأكثر فقرًا، والتي لن تستطيع أن تخوض تلك الصراعات التي يحكمها توافر المال. وبالفعل، أطلقت المنظمة في أبريل من العام الماضي مبادرة “تسريع إتاحة أدوات كوفيد-19″، بدعم من الأمين العام للأمم المتحدة والعديد من رؤساء الحكومات ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الخيرية؛ من أجل إنتاج 500 مليون من اختبارات الكشف عن فيروس كورونا، و245 مليون من العلاجات اللازمة للفيروس، وكذلك توفير ملياري جرعة من اللقاحات التي يحتاجها العالم لمكافحة فيروس كورونا، وتوزيعها بشكل منصف على البلدان.

لكن فور الإعلان عن وجود لقاحات فعالة في الوقاية من الإصابة بفيروس كورونا، تسابقت البلدان مرة أخرى، لإتمام صفقاتها الثنائية مع الشركات المنتجة للقاحات الجديدة من أجل شراء أكبر كم ممكن من جرعات اللقاح لإجراء عمليات التلقيح الشامل لمواطنيها. وهو ما أثار العديد من التساؤلات حول مدى فعالية مبادرة الصحة العالمية في تحقيق التوزيع العادل للقاحات كورونا، لا سيما بعد صدور إحصائيات منظمة تحالف لقاح الشعب، التي تضم منظمة أوكسفام ومنظمة العفو الدولية، موضحةً أنه من المرجح أن يتم تلقيح 18% فقط من سكان العالم خلال العام الجاري، فيما لن تتمكن الدول الفقيرة من تلقيح سوى شخص واحد من كل 10 أشخاص.

منصة كوفاكس للقاحات

انطلقت مبادرة منظمة الصحة العالمية لتوزيع اللقاحات تحت مسمى “منصة كوفاكس العالمية للقاحات”، بهدف تنظيم عملية توزيع اللقاحات على مستوى العالم، مع توفير اللقاح بشكل مجاني للدول التي لا تستطيع تحمل تكاليفه. وتعتمد هذه المنصة على خلق محفظة متنوعة من اللقاحات، مع تطبيق لآلية التزام السوق المسبق أو ما يُعرف بـAMC، وهي آلية تستعين بها الحكومات في الظروف التي تكون فيها تكلفة تطوير منتج جديد عالية للغاية، بحيث لا تكون مجدية للقطاع الخاص دون ضمان كمية معينة من المشتريات بشكل مسبق، وبالتالي تتحفز الشركات المطورة للمستحضرات الحيوية واللقاحات لإجراء المزيد من البحوث لسرعة تطوير وإنتاج لقاح فعال ضد فيروس كورونا، لأن بيعه يصبح مضمونًا عبر هذه المنصة، كما تتمكن المنظمة من خلال سيطرتها على عملية شراء اللقاحات بالكامل من الشركات من ضبط أسعار اللقاحات. 

تعتمد آلية تمويل منصة كوفاكس على مصدرين أساسين؛ الأول الشراء الذاتي للدول مرتفعة الدخل، والتي تكفل لها المبادرة الحصول على ما يكفي من اللقاحات، والتي يتم توفيرها حتى لو فشلت صفقاتها الثنائية مع الشركات المنتجة، لتلقيح ما بين 10-50% من سكانها وفقًا للمبلغ الذي تم دفعه. أما المصدر الثاني، فهو جمع التبرعات للدول ذات الدخل المتوسط والمنخفض (92 دولة)، والتي لن تستطيع تلبية احتياجاتها من اللقاحات، وتحاول منصة كوفاكس توفير حوالي ملياري مليار جرعة لقاح بحلول نهاية 2021، وتوزيعها على تلك البلدان بشكل متساوٍ، وبما يعادل تلقيح 20% من سكان تلك البلدان، على أن تكون أولوية التلقيح للأطقم الطبية والفئات المعرضة لخطر الوفاة في حال إصابتها بفيروس كورونا، مع الاحتفاظ بمخزون مؤقت يبلغ نحو 5% من إجمالي عدد الجرعات المتاحة من اللقاح جانبًا؛ لبناء مخزون للمساعدة في مقاومة تفشي الأمراض الحادة ودعم المنظمات الإنسانية. على سبيل المثال، لتطعيم اللاجئين الذين قد لا يتمكنون من الوصول للقاح.

التمويل الحالي وصفقات كوفاكس للقاحات

يشارك في إدارة كوفاكس مع منظمة الصحة العالمية، كل من التحالف العالمي من أجل اللقاحات والتمنيع (غافي)، والائتلاف المعني بابتكارات التأهب لمواجهة الأوبئة (CEPI). وانضم إليها حتى الآن 190 دولة ذات دخول مرتفعة ومنخفضة ومتوسطة، تمثل تقريبًا ثلثي سكان العالم. وتبلغ الميزانية التقريبية لمنصة كوفاكس خلال عام 2021 حوالي 6.8 مليارات دولار، 800 مليون دولار للبحث والتطوير، و4.6 مليارات دولار لتمويل آلية الشراء المسبق، و1.4 مليار دولار لدعم العمليات اللوجستية لتوصيل اللقاح. وحتى كتابة هذا المقال، تم تمويل المنصة بحوالي 5.5 مليارات دولار أمريكي، وتم التعاقد لشراء 700 مليون جرعة لقاح (ما يمثل 9.66% من إجمالي اللقاحات المتاحة عالميًا)، ويتم حاليًا وضع الخطط اللوجستية لعملية التوزيع على البلدان الأكثر احتياجًا.

ووفقًا لموقع غافي، تشمل الصفقات التي عقدتها كوفاكس اتفاقية مع معهد الأمصال الهندية، الذي يعد من أكبر منتجي اللقاحات في العالم، لتوريد 200 مليون جرعة من لقاح أوكسفورد/أسترازينيكا، مع احتمالية زيادة التعاقد ليصل إلى 900 مليون جرعة من اللقاح. بجانب مذكرة تفاهم مع شركة جونسون آند جونسون لتوفير 500 مليون جرعة من لقاح يانسين (الذي سيكون لقاحًا من جرعة واحدة فقط). وكذلك إعلان للنوايا مع شركة سانوفي/جلاكسو سميث كلاين لتوريد 200 مليون جرعة من لقاحهم المرشح، الذي لن يُطرح قبل نهاية العام بعد أن أخرت الشركتان التجارب السريرية على اللقاح، نظرًا لفشل المرحلة الأولى منها في تحقيق استجابة مناعية قوية لدى المتطوعين. ومؤخرًا تم الإعلان عن اتفاق يتيح تأمين 40 مليون جرعة من لقاح فايزر/بايونتيك. ويتوقع تسليم غالبية هذه الجرعات خلال الربع الأول من العام، ولكن على منظمة الصحة العالمية أن تعطي قبل ذلك موافقتها الطارئة على هذا اللقاح بحدود منتصف شهر فبراير المقبل، علمًا أن المنظمة لم توافق حتى الآن إلا على لقاح فايزر/بايونتيك.

صفقات شراء اللقاحات حول العالم

تتنافس اليوم 10 شركات عالمية لإنتاج 8.15 مليارات جرعة من اللقاحات خلال عام 2021؛ أي ما يكفي لتلقيح حوالي نصف سكان العالم، إذا تم توزيعها بالتساوي على كل البلدان، ولكن نظرًا للمتطلبات اللوجستية والأسعار المرتفعة لبعض اللقاحات، استطاعت البلدان الأكثر ثراءً أن تستحوذ على معظم ما تم إنتاجه حاليًا من اللقاحات، ومن المتوقع أن تنتظر الدول الفقيرة حتى عام 2022، حتى تتوفر لها الموارد المالية والإمكانيات التكنولوجية مثل ثلاجات التبريد (-70C) اللازمة لتخزين بعض أنواع اللقاحات.

ووفقًا لتحليلات وكالة بلومبرج ومركز أبحاث جامعة ديوك بالولايات المتحدة الأمريكية، يوجد حاليًا ما يزيد على 90 اتفاقية شراء مسبق للقاحات فيروس كورونا، تتصدرها شركة أسترازينيكا بالتعاون مع جامعة أكسفورد، حيث عقدت صفقات لبيع 2.6 مليار جرعة من لقاحها؛ منها مليار جرعة للهند، و300 مليون جرعة للولايات المتحدة الأمريكية، و300 مليون لدول الاتحاد الأوروبي (27 دولة)، و300 مليون جرعة لمنصة كوفاكس، و200 مليون للصين، و150 مليون جرعة لدول أمريكا اللاتينية، و120 مليون جرعة لليابان، و100 مليون جرعة للبرازيل، ومثلها لكل من إندونيسيا وبريطانيا، وأعداد أقل من ذلك لدول أخرى منها كندا وأستراليا وكوريا الجنوبية.

أما المركز الثاني فاحتلته شركة نوفافاكس أمريكية ، التي تعاقدت لتوريد 1.3 مليار جرعة من اللقاح، منها مليار جرعة لقاح للهند أيضًا، و110 ملايين جرعة للولايات المتحدة الأمريكية، و60 مليون جرعة لبريطانيا، و53 مليون جرعة لكندا، و51 مليون جرعة لأستراليا. فيما جاءت شركة سانوفي الفرنسية، التي تتعاون مع شركة جلاكسوسميثكلاين الأمريكية في إنتاج لقاح مضاد لفيروس كورونا في المركز الثالث حيث تعاقدتا على بيع 732 مليون جرعة لقاح؛ منها 300 مليون جرعة للاتحاد الأوروبي، و200 مليون جرعة لمنصة كوفاكس، و100 مليون جرعة للولايات المتحدة الأمريكية، و60 مليون جرعة لبريطانيا، و52 مليون جرعة لكندا.

وجاءت شركة فايزر الأمريكية، وشريكتها بيونتيك الألمانية، في المرتبة الرابعة بإجمالي 711 مليون جرعة؛ يحصل منها أعضاء الاتحاد الأوروبى على 300 مليون جرعة، و100 مليون جرعة للولايات المتحدة الأمريكية، و40 مليون لبريطانيا، والباقي لدول أخرى منها كندا والمكسيك وكوريا الجنوبية وأستراليا. أما معهد جماليا للبحوث الروسي فقد احتل المركز الخامس مع تعاقده لتوريد حوالي 698 مليون جرعة لقاح؛ منها 200 مليون جرعة للهند، و160 مليون جرعة لروسيا، و100 مليون جرعة للبرازيل، و70 مليون جرعة لأوزبكستان، و64 مليون جرعة للمكسيك، والباقي لدول أخرى ليست في الاتحاد الأوروبي أو أمريكا الشمالية أو أستراليا.

واحتلت صفقات بيع لقاح شركة موديرنا الأمريكية المركز السادس لتوريد حوالي 411 مليون جرعة لقاح لعدة دول منها؛ 200 مليون جرعة للولايات المتحدة الأمريكية، و80 مليون جرعة لدول الاتحاد الأوروبي، و50 مليون جرعة لليابان، و40 مليون جرعة لكندا، وباقي الجرعات لدول أخرى منها بريطانيا. أما شركة جونسون آند جونسون الأمريكية فجاءت في المركز السابع لتوريد 374 مليون لقاح؛ تحصل منها دول الاتحاد الأوروبي على 200 مليون جرعة، والولايات المتحدة الأمريكية على 100 مليون جرعة، وبريطانيا 30 مليون جرعة. وجاءت شركتا سينوفاك وكيورفاك ألالمانية في المركز الثامن والتاسع؛ لتوريد 292 مليون جرعة من لقاح سينوفاك، و225 مليون جرعة من لقاح كيورفاك. وأخيرًا، في المركز العاشر جاءت شركة يونايتيد بايوميديكال التي ستورد حوالي 200 مليون جرعة لقاح.

وبناءً على هذه الأرقام التي رصدتها بلومبرج ومركز أبحاث جامعة ديوك، تم بيع ما يزيد على نصف ما سيتم إنتاجه من اللقاحات خلال هذا العام بالفعل لـ29 دولة فقط هي: الهند (20.7%)، والولايات المتحدة الأمريكية (14%)، والدول السبع والعشرون أعضاء الاتحاد الأوروبي (21.9%)، وهو ما يمثل حوالي 25% من سكان العالم، مما ينذر بأن وعود التوزيع العادل والشراء المتزن للقاحات التي قطعتها حكومات البلدان، عبر انضمامها لمنصة كوفاكس، قد لا تستطيع الإيفاء بها؛ أي تلاشي آمال التوزيع العادل، وهو السيناريو الذي حدث من قبل في عام 2009، حينما هيمنت الدول الأكثر ثراءً على اتفاقيات إمدادات لقاحات أنفلونزا الخنازير، فيما انتظرت البلدان منخفضة الدخل الحصول على تبرعات من اللقاحات في وقت لاحق.

ألاء نصار
باحثة ببرنامج السياسات العامة