التاريخ والسياسة

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

تاريخ الأمم لا يتعلق فقط بماضيها، بل يرتبط بحاضرها ومستقبلها، لأنه يساهم في تشكيل هويتها، ويحدد إطارًا مشتركًا للتعامل مع التحديات المستمرة التي تواجهها؛ لذا فإن كتابة التاريخ يجب أن تبتعد عن الأهواء السياسية وعن التحيزات الأيديولوجية. تسييس التاريخ هو آفة تعاني منها العديد من الدول، والمتابع للجدل الذي يدور على منصات التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام حول تقييم ما حدث في 25 يناير 2011، بمناسبة ذكراه العاشرة، يجد أن المشاعر السياسية والتوجهات الأيديولوجية لا تزال هي المسيطرة على التقييم، وأن نشطاء السياسة وليس المؤرخون هم أصحاب الصوت العالي في هذا الجدل. وفى الوقت الذي كانت تشهد فيه مصر هذا…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

تاريخ الأمم لا يتعلق فقط بماضيها، بل يرتبط بحاضرها ومستقبلها، لأنه يساهم في تشكيل هويتها، ويحدد إطارًا مشتركًا للتعامل مع التحديات المستمرة التي تواجهها؛ لذا فإن كتابة التاريخ يجب أن تبتعد عن الأهواء السياسية وعن التحيزات الأيديولوجية. تسييس التاريخ هو آفة تعاني منها العديد من الدول، والمتابع للجدل الذي يدور على منصات التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام حول تقييم ما حدث في 25 يناير 2011، بمناسبة ذكراه العاشرة، يجد أن المشاعر السياسية والتوجهات الأيديولوجية لا تزال هي المسيطرة على التقييم، وأن نشطاء السياسة وليس المؤرخون هم أصحاب الصوت العالي في هذا الجدل.

وفى الوقت الذي كانت تشهد فيه مصر هذا السجال، كانت الولايات المتحدة تشهد أيضًا جدلً حول العلاقة بين التاريخ والسياسة، وربما يساعد عرض هذه التجربة الأمريكية على فهم خطورة الخلط بين الأمرين، وطرح بعض الأفكار للتعامل الرشيد مع هذه القضية.

الفصل الأحدث فى القصة الأمريكية تمثل في قيام الرئيس الأمريكي بايدن، في اليوم الأول لحكمه، بإصدار عدد من القرارات التنفيذية ألغى بها قرارات لسلفه ترامب مثل إلغاء الانسحاب من منظمة الصحة العالمية واتفاقية باريس للبيئة، وتضمن ما ألغاه في ذلك اليوم أيضا قرارًا بإنشاء ما يسمى لجنة 1776، والتي عهد لها ترامب بمراجعة التاريخ الأمريكي، وإعداد مناهج للتربية الوطنية بناء على ذلك.

ولكن قرار ترامب بإنشاء هذه اللجنة كان دافعه الأساسي قيام جريدة النيويورك تايمز بإنشاء ما يعرف بمشروع 1619 ، وهو عبارة عن سلسلة من المقالات نُشرت عام 2019 بمناسبة الذكرى الأربعمائة لبدء العبودية فى أمريكا، وسعت المقالات لإعادة صياغة السرد التاريخي للبلاد من خلال وضع العبودية وإسهامات الأمريكيين السود في صميمها، وكانت فرضيتها الأساسية هي أن التاريخ الأمريكي لم يبدأ (عام 1776 إعلان الاستقلال عن بريطانيا)، ولكن بدأ مع وصول العبيد الأفارقة لأمريكا لأول مرة عام 1619 ، وروج المشروع لفكرة أن الثورة الأمريكية وإعلان الاستقلال عام 1776 كان تمردًا رجعيًا للحفاظ على استمرار العبودية، لأن بريطانيا فى ذلك الوقت بدأت تشهد دعوات لإلغاء تجارة الرقيق وكان هناك خوف أن يمتد ذلك للمستعمرة الأمريكية، أي أن الاستقلال كان مطلوبًا لضمان استمرار نظام العبودية، وبالتالي فإن الأمة الأمريكية تم تأسسيها على العبودية العرقية وليس على أفكار الحرية والتنوير، ويضيف المشروع أنه بدون الجهود المضنية للأمريكيين السود، من المرجح أن تبدو الديمقراطية الأمريكية اليوم مختلفة، وقد لا تكون ديمقراطية على الإطلاق، وبالتالي فإن الأمريكيين السود هم الآباء المؤسسون الحقيقيون لهذه الأمة، ومن ثم يدعو المشروع إلى حذف التاريخ المشهور فى 4 يوليو 1776 باعتباره تاريخ تأسيس أمريكا واستبداله بعام 1619.

أفكار المشروع تعرضت لتقدير من البعض وبدأت بعض المدارس في تبنيها بمناهجهها الدراسية، ولكن تم أيضا توجيه انتقادات ضخمة للمشروع منها التحريف التاريخي استنادا للفكر الأيديولوجي الليبرالي، واتهمه ترامب ب «تدنيس القصة الأمريكية» وذكر أنه «على الرغم من فضائل وإنجازات هذه الأمة، يتعلم العديد من الطلاب الآن في المدارس أن يكرهوا بلدهم، وأن يعتقدوا أن الرجال والنساء الذين بنوها لم يكونوا أبطا لً، بل أشرارًا»، وأصدر أمرًا تنفيذيًا بإنشاء لجنة «1776 لتعزيز التربية الوطنية» كرد فعل لمشروع 1619. وضمت لجنة ترامب مجموعة من الأشخاص المؤيدين لتوجهاته الأيديولوجية،

وعندما أصدرت اللجنة تقريرها، فإنه تضمن تمجيدا للمؤسسين البيض للولايات المتحدة، وتقليلً من دور أمريكا في العبودية، وإدانة لصعود التيار التقدمي الأمريكي، والجدل بأن حركة الحقوق المدنية تتعارض مع «المثل العليا» التي تبناها الآباء المؤسسون. تقرير لجنة 1776 تعرض أيضًا لانتقادات ضخمة، واتهم بأنه يعكس نوايا حزبية، ووصفته الجمعية التاريخية الأمريكية بأنه «تفسير مبسط يعتمد على الأكاذيب وعدم الدقة والسهو والبيانات المضللة»؛ لذا جاء قرار بايدن بإلغاء اللجنة التي كان من المقرر أن يستمر عملها لمدة عامين.

خلاصة الجدل الأمريكي الدائر الآن والدروس المستفادة منه هو انتقاد تسييس التاريخ وتقديم تفسيرات أيديولوجية له، والدعوة لإنشاء لجان محايدة يقودها مؤرخون حول قضاياه الجدلية، والاهتمام بأقسام التاريخ بالجامعات كما الاهتمام بأقسام العلوم والتكنولوجيا، والتأكيد على أنه لن يكون هناك علم للتاريخ حتى يكون هناك أشخاص يعتبرون الحقيقة والتحليل التاريخي الدقيق أكثر أهمية من الدفاع عن أفكار سياسية أو ادعاءات أيديولوجية معينة.

نقلا عن جريدة المصري اليوم، الإثنين ١ فبراير ٢٠٢١.

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

خبراء مصر

img

رأي

التوك شو

img

رأي

مكانة مصر