وحدة الدراسات الاقتصادية

الحماية الاجتماعية: كيف يصل الدعم إلى مستحقيه؟

رغم انتهاء برنامج الإصلاح الاقتصادي في العام المالي 2019/2020، وما صاحبه من مُعاناة على المُستوى المعيشي لعدد كبير من السُكان؛ يعتقد جزء غير بسيط من المصريين أن سبب هذه المُعاناة نابع من أن مُخصصات الدعم في الموازنة العامة للدولة قد انخفضت، خاصة مع ارتفاع أسعار المُنتجات البترولية وما تلاها من ارتفاع أسعار الطاقة الكهربية، وما ترتب على ذلك من موجات تضخم تلت كُل زيادة في أسعار المُنتجات، أو خفض في الدعم المُخصص لها، لكن هذا الفهم مُخالف تمامًا للواقع، حيث ارتفعت بالفعل مُخصصات الدعم بالتزامن مع إعادة توزيع الجزء الأكبر من مُخصصات دعم الطاقة على أنواع أخرى من الدعم النقدي…

د. محمد شادي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

رغم انتهاء برنامج الإصلاح الاقتصادي في العام المالي 2019/2020، وما صاحبه من مُعاناة على المُستوى المعيشي لعدد كبير من السُكان؛ يعتقد جزء غير بسيط من المصريين أن سبب هذه المُعاناة نابع من أن مُخصصات الدعم في الموازنة العامة للدولة قد انخفضت، خاصة مع ارتفاع أسعار المُنتجات البترولية وما تلاها من ارتفاع أسعار الطاقة الكهربية، وما ترتب على ذلك من موجات تضخم تلت كُل زيادة في أسعار المُنتجات، أو خفض في الدعم المُخصص لها، لكن هذا الفهم مُخالف تمامًا للواقع، حيث ارتفعت بالفعل مُخصصات الدعم بالتزامن مع إعادة توزيع الجزء الأكبر من مُخصصات دعم الطاقة على أنواع أخرى من الدعم النقدي أبرزها معاشات التكافل الاجتماعي. الأمر الذي يُثير تساؤلًا كبيرًا عن الفلسفة التي دفعت في اتجاه إعادة التخصيص، ومُبرراتها الاقتصادية.

أولًا- مُخصصات الدعم:

لا بد أولًا من الإشارة إلى أن مُخصصات الدعم تقع ضمن الباب الرابع على جانب مصروفات الموازنة العامة للدولة تحت اسم باب “الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية”، وأنها اتجهت إلى الزيادة في مُجمل فترة برنامج الإصلاح، حيث ارتفعت مُخصصات باب الدعم من مستوى 233.8 مليار جنيه في العام المالي 2014/2015 مع بداية البرنامج، إلى 326.2 مليار جنيه في عام 2020/2021، كما يوضح الشكل التالي:

يتضح من الشكل اتجاه مُخصصات الباب إلى الارتفاع خلال الفترة من 2015/2016 إلى 2018/2019 بمُعدل 14% في المتوسط سنويًا. وجدير بالذكر كذلك أنه رغم ارتفاع القيمة الاسمية لهذه المُخصصات، إلا أن قوتها الشرائية انخفضت مع انخفاض القوة الشرائية للجنيه عمومًا بسبب انخفاض سعر صرفه مُقابل الدولار من ناحية، وارتفاع مُستويات التضخم من ناحية أخرى. من جانب آخر، فإنه رغم ارتفاع المُخصصات الإجمالية للباب، فإن مُخصصات دعم المواد البترولية قد انخفضت بشكل حاد، سواء كمبالغ مقطوعة أو نسبة إلى باقي مُخصصات الدعم الأخرى، حيث كانت قد بلغت 120.8 مليار جنيه في عام 2017/2018 لتبلغ في العام المالي الجاري 28.1 مليار جنيه، كما يوضح الشكل التالي:

ويُظهر الشكل انخفاض مُخصصات دعم المواد البترولية والكهرباء لتصل تلك الأخيرة إلى صفر في مشروع موازنة العام الجاري، لكنها عادت للارتفاع مرة أخرى إلى 4 مليارات جنيه بعد تأجيلها من جانب الدولة بسبب جائحة كورونا، في حين بلغت مُخصصات دعم السلع التموينية نحو 84.4 مليار جنيه، وارتفعت مُخصصات المُساهمة في صناديق المعاشات إلى 130 مليار جنيه، وهو ما يُمثل تغيرًا جذريًّا في أولويات الدعم، الأمر الذي نُناقشه فيما يلي.

ثانيًا- مُحركات إعادة توزيع الدعم:

تُخصص المبالغ الواردة في الباب الرابع “الدعم” أساسًا لبرامج الحماية الاجتماعية التي تُقدمها الدولة للمواطنين انطلاقًا من دورها الاجتماعي، والتي تتكون من مُساعدات مُنتظمة تهدف إلى تخفيف أعباء مجموعة مُحددة من المخاطر الاجتماعية على الأسر والأفراد. ولما كانت قُدرات الدولة على التدخل محدودة للغاية في ظل أزمتها الاقتصادية التي وُضع برنامج الإصلاح الاقتصادي أصلًا لمُعالجتها، فإن هذه التدخلات يجب أن تصل إلى الأكثر احتياجًا، وأن يُستبعد منها بشكل تام غير المُستحق، مع الوضع في الاعتبار أن مُعدلات الفقر كانت قد بلغت قبل برنامج الإصلاح الاقتصادي مستوى 27.8% في عام 2015، لترتفع مع تطبيقه إلى 32.5%، قبل أن تنخفض في عام 2018/2019 لتصل إلى حوالي 29%، وبالتالي فإن نحو ثُلث المواطنين يعانون -على الأقل إحصائيًا- من الفقر، كما يوضح الشكل التالي:

مُلخص ما سبق -إذن- أن قدرة الدولة على التدخل محدودة، في حين تتجاوز أعداد المواطنين الفُقراء عشرات الملايين، وهو ما يتوجب معه ترشيد الدعم بحيث يصل إلى الأكثر استحقاقًا فقط، لكن دعم الكهرباء والمواد البترولية لا يُحقق هذا الغرض، بل على العكس يستفيد منه غير المُستحقين بشكل أكبر مما يستفيد منه أفقر طبقات المُجتمع. فبنظرة على استخدامات المواد البترولية، نجد أنها تنقسم إلى قسمين أساسين هما تسيير المركبات وتوليد الكهرباء.

وعند النظر إلى توزيع المركبات المُرخصة في مصر يتضح أنه وفقًا لآخر إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في نوفمبر 2017، كان قد بلغ عدد المركبات المُرخصة في 30/06/2017 على مُستوى الجمهورية نحو 9.56 ملايين مركبة، على النحو الذي يوضحه الشكل التالي:

يتضح من الشكل أن من بين أسطول المركبات المصرية المُرخصة توجد فقط 374.1 ألف سيارة أجرة، و1.25 مليون سيارة نقل، و144 ألف أتوبيس (بينها 17.9 ألف فقط عامة)، بالإضافة إلى نحو 117.7 ألف توك توك و308.7 ألف موتوسيكل هي الأنواع التي من المُفترض أن تُستخدم من قبل الفئات الأكثر فقرًا، أما باقي الأسطول الذي يتجاوز 9.5 ملايين مركبة فيتوزع إلى 4.42 ملايين سيارة خاصة، و3.22 ملايين مركبة أخرى مثل الجرارات الزراعية والمُعدات الثقيلة، كما يوضح الشكل التالي:

بذلك يكون العدد الإجمالي للمركبات التي يتصور أن تُحقق استفادة مُباشرة للفئات الأكثر فقرًا 2.06 مليون مركبة بنسبة 21% فقط من إجمالي السيارات التي تستفيد من الدعم، وبالتالي يحصل على دعم المُنتجات النفطية الموجهة لتسيير السيارات نحو 79% من غير المُستحقين، وهو ما لا يستقيم في ظل ما سبقت الإشارة إليه من محدودية مُخصصات الدعم وكثرة المُستحقين، لذلك كان يجب إمعان النظر في نظام دعم الوقود الموجه للسيارات، بحيث يُخفف الدعم الموجه له تدريجيًا على أن توجه هذه المبالغ في صورة دعم نقدي يصل مُباشرة إلى المُستحق فقط.

على جانب الوقود الموجه لتوليد الكهرباء نجد سببًا أوجه لإعادة النظر في سياسة الدعم القائمة، إذ استخدمت محطات توليد الكهرباء نحو 374.7 مليون طن مُكافئ سنويًا في عام 2018/2019، مثلت الغرض الأساسي لاستخدام المواد النفطية في مصر. وقد استغرقت الاستخدامات المنزلية نسبة 41.7% فقط من هيكل استهلاك الطاقة المولد في الفترة من 1/7/2019 حتى 31/3/2020، فيما وُجهت النسبة الباقية إلى استخدامات أخرى ليست لها علاقة مُباشرة بالفقراء على رأسها تأتي الاستخدامات الصناعية بنسبة 27.8%، فالجهات الحكومية بنحو 4.8%، كما يوضح الشكل التالي:

بالتالي فإن كُل الاستخدامات غير المنزلية -باستثناء المرافق العامة ومياه الشرب والصرف الصحي- تخرج تمامًا عن نطاق التدخلات الاجتماعية السابق الإشارة إليها التي يجب أن تستحوذ على الدعم، وبالتالي فإن نسبة 54.1% من استهلاك الكهرباء لغير الأغراض المنزلية توجه لغير الغرض منها بل ويتجاوز الأمر ذلك عند النظر إلى الاستهلاك المنزلي بعد توزيعه على شرائح الاستهلاك، فمن بين 27.8 مليون مُشترك منزلي بلغ عدد مُستحقي الدعم نحو 7.35 ملايين مُشترك فقط كما يوضح الشكل التالي:

يتضح من الشكل أن نسبة المُشتركين الذين يستحقون الدعم نحو 26.4% فقط من إجمالي المُشتركين، إذ لا يستحق الدعم سوى المُستخدمين الذين توقف استخدامهم عند الشريحتين الأولى والثانية بحد أقصى 100 كيلو وات ساعة شهريًا، حيث إن استهلاك 200 كيلو وات ساعة من الكهرباء شهريًا يُكلف نحو 106 جنيه/ شهر، بينما بلغ خط الفقر الأدنى للفرد في 2017/2018 (آخر إحصاء مُعلن) نحو 735.6 جنيهًا للفرد أو 3678 جنيه للأسرة المكونة من خمسة أفراد، في حين يتوجه نحو 40% من هذا المبلغ للإنفاق على بند الطعام والشراب مُنفردًا، مما لا يُتصور معه أن تستهلك الفئات الأكثر استحقاقًا أعلى من 100 كيلو وات ساعة والتي تُكلف 37 جنيه شهريًا. ويوضح الجدول التالي كمية الكهرباء المُستخدمة عند كُل شريحة وقيمة الفاتورة في عام 2019/2020:

لا تصل -إذن- كامل مُخصصات دعم الطاقة بشكل مُباشر إلى الفئات الأكثر استحقاقًا، سواء الموجه منها إلى نظام النقل بالسيارات أو ذلك الموجه إلى توليد الكهرباء مما يجعل استفادة غير المُستحقين منها تظل أعلى. الأمر الذي يجب معه إعادة النظر كُليًا في النظام القائم بحيث يستهدف مُباشرة الفقراء الأكثر استحقاقًا، لذلك تحولت الدولة للدعم النقدي بصورة أوسع، خاصة في صورة المُساهمة في صناديق المعاشات التي يستفيد منها كبار السن، أو معاشات التضامن الاجتماعي التي لا تُصرف إلا بعد إجراء بحث اجتماعي للتعرف على الحالتين الاجتماعية والاقتصادية للمُتلقي، بما يضمن استحقاقه فعليًا للمعاش. كما برزت من جانب آخر برامج مُساعدات نقدية مثل “تكافل” و”كرامة” التي ارتفعت مُخصصاتها لتصل إلى 18.5 مليار جنيه في عام 2019 من نحو 1.3 مليار في 2015.

مما سبق عرضه يتضح أن الهدف الأساسي من إعادة توزيع مُخصصات الدعم إنما هو الوصول إلى درجة أكثر رشادة منه، يتحقق معها هدفه الأصلي في الوصول المُباشر إلى المُستحقين، وعزل غير المُستحقين في الوقت الحالي، وهو ما نجحت فيه الدولة فعليًّا، حيث ساهم ذلك ضمن عدد آخر من الإجراءات في خفض مُستوى الفقر لأول مرة مُنذ 20 عامًا إلى 29.5% بعدما كانت قد وصلت إلى ذروتها في 2017/2018 عند مُستوى 32.5%.

د. محمد شادي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة