وحدة الدراسات الاقتصادية

خطوة إصلاحية: دوافع وتداعيات تخفيض قيمة الدينار العراقي

قرر البنك المركزي العراقي في العشرين من ديسمبر 2020 خفض سعر الدينار العراقي إلى 1450 دينارًا مقابل الدولار الواحد بدلًا من السعر السابق البالغ 1190 دينارًا عراقيًا لكل دولار أمريكي. ويعتبر هذا الإجراء الأول من نوعه منذ عام 2003، فيما تعهدت الحكومة بأن يكون قرار تخفيض سعر العملة المحلية لمرة واحدة ولن يتكرر مستقبلًا. ويتناول التحليل الراهن عرضًا لأهم أسباب اتخاذ هذا القرار مع بيان تداعياته المحتملة على الاقتصاد العراقي، خاصة في ظل ردود الفعل المعارضة للقرار. دوافع اتخاذ قرار خفض الدينار العراقي برر البنك المركزي هذه الخطوة بتزايد الأزمة الاقتصادية والتحديات التي تواجه الاقتصاد العراقي في ظل استمرار تفشي…

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

قرر البنك المركزي العراقي في العشرين من ديسمبر 2020 خفض سعر الدينار العراقي إلى 1450 دينارًا مقابل الدولار الواحد بدلًا من السعر السابق البالغ 1190 دينارًا عراقيًا لكل دولار أمريكي. ويعتبر هذا الإجراء الأول من نوعه منذ عام 2003، فيما تعهدت الحكومة بأن يكون قرار تخفيض سعر العملة المحلية لمرة واحدة ولن يتكرر مستقبلًا. ويتناول التحليل الراهن عرضًا لأهم أسباب اتخاذ هذا القرار مع بيان تداعياته المحتملة على الاقتصاد العراقي، خاصة في ظل ردود الفعل المعارضة للقرار.

دوافع اتخاذ قرار خفض الدينار العراقي

برر البنك المركزي هذه الخطوة بتزايد الأزمة الاقتصادية والتحديات التي تواجه الاقتصاد العراقي في ظل استمرار تفشي فيروس كورونا والني أثرت بشدة على الإيرادات النفطية، ولذا يستهدف القرار تعزيز صادرات الدولة النفطية والسلعية بعد انهيار أسعار النفط العالمية في ظل اعتماد بغداد شبه الكلي على النفط كمصدر رئيسي للدخل؛ إذ يساهم خفض قيمة العملة في تراجع تكلفة صادرات الدولة نسبيًا لمن هم خارجها بما يزيد من تنافسيتها، في حين يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الواردات على المستهلك المحلي، مما يؤدي إلى خفض عمليات الاستيراد.

وأكد المركزي في بيان أن قرار تخفيض قيمة العملة جاء كخطوة استباقية حرصًا منه على تفادي استنزاف الاحتياطي النقدي، ومن أجل مساعدة الحكومة على تأمين رواتب الموظفين ومعاشات المتقاعدين، مشيرًا إلى أن الاستمرار بسعر الصرف السابق أصبح يشكل عائقًا كبيرًا أمام التنمية الحقيقية وتعزيز تنافسية الإنتاج المحلي، الأمر الذي دفعه إلى التفكير الجدّي بالاستجابة لمتطلبات تمويل الموازنة بسعر الصرف الذي يتيح توفير الموارد الكافية لتغطية هذه الاحتياجات.

ويذكر أن الحكومة تبيع النفط بالدولار الأمريكي الذي تستخدمه لشراء الدينار العراقي من البنك المركزي لتمويل الرواتب والخدمات العامة، ولهذا فإن تخفيض قيمة العملة المحلية مقابل الدولار يعني أنها ستحصل على المزيد من الدينارات العراقية من البنك المركزي. ويُمكن استخدام الأشكال الآتية من أجل التدليل على مدى اعتماد العراق على الموارد النفطية.

1. الميزان التجاري عام 2019:

بلغت قیمة صافي المیزان التجاري الإجمالي لسنة 2019 (2.62 ملیار دولار) أي ما یعادل (4.73 تریلیونات دینار عراقي) كما هو مبين في الشكل الآتي:

الشكل (1): تحليل الميزان التجاري 2019

المصدر: الجهاز المركزي العراقي للإحصاء، مدیریة إحصاءات التجارة.

يتبين من الشكل السابق أن الميزان التجاري العراقي يعتمد بشكل أساسي على الصادرات النفطية التي تمثل نحو 96% من إجمالي الصادرات، فيما تمثل الصادرات السلعية 4% فقط. أما بالنسبة للواردات، فنجد أن الواردات السلعية تشكل ما تبلغ نسبته حوالي 86% من إجمالي الواردات، وهو ما يؤكد اعتماد البلاد بشكل كلي على واردات السلع من الخارج.

وقد انعكس ما سبق على صافي الميزان التجاري؛ إذ إنه حقق عجزًا بقيمة 14.86 مليار دولار فيما يتعلق بالتبادل التجاري السلعي غير النفطي. ومن ناحية أخرى، حقق الميزان التجاري النفطي فائضًا بقيمة 77.06 مليار دولار، وهكذا حقق صافي الميزان التجاري ككل فائضًا وصلت قيمته إلى 62.2 مليار دولار. 

ويوجه العراق ما يتراوح بين 80% حتى 89% من إنتاجه النفطي إلى الصادرات، كما هو موضح بالشكل الآتي:

الشكل (2): إنتاج وصادرات النفط الخام في العراق (مليون برميل يوميًا) 

Source: Knoema, Iraq – Production of crude oil & Exports of crude oil.

يتضح من الشكل السابق أن غالبية إنتاج النفط الخام في العراق يتم توجيهه نحو الصادرات، حيث إن هناك فارقًا بسيطًا بين حجم إنتاج النفط وصادرات الخام منذ يناير 2019 وحتى أكتوبر 2020، كما يُلاحظ أن الاتجاه العام لكلا المتغيرين سالبًا؛ إذ تراجع كل من الإنتاج والصادرات بداية من أبريل 2020 ليسجلا أدنى مستوياتهما في أغسطس الماضي، ومن ثم حققا تعافيًا طفيفًا حتى أكتوبر من العام الماضي.

2. نسبة الإيرادات الضريبية غير النفطية من الناتج المحلي الإجمالي:

يُمكن الاستعانة بالشكل الآتي لبيان مدى ضآلة الإيرادات الضريبية غير النفطية في العراق مقارنة ببعض الدول الأخرى:

الشكل (3): متوسط الإيرادات الضريبية غير النفطية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي (2012-2019)

المصدر: الورقة البيضاء، التقرير النهائي لخلية الطوارئ للإصلاح الاقتصادي.

يتضح من الشكل السابق أن الإيرادات الضريبية غير النفطية في العراق تمثل نسبة منخفضة للغاية من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة ببعض الدول الأخرى؛ إذ تصل تلك النسبة في العراق إلى 1.4% فقط مقارنة مع الجزائر عند 30.6% ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عند 11.9%.

3. مشروع موازنة 2021:

يبلغ إجمالي العجز المخطط للموازنة العامة الاتحادية للعام المالي 2021 نحو 71 تريليون دينار عراقي، ومن المرجح أن يغطى هذا العجز من الوفرة المتحققة من زيادة أسعار بيع النفط الخام المُصدر أو زيادة صادرات النفط الخام، كما هو موضح بالجدول أدناه.

المصدر: مشروع قانون الموازنة العامة الاتحادية للسنة المالية 2021.

يتبين من الجدول السابق أن إجمالي الإيرادات يعتمد بشكل رئيسي على الإيرادات النفطية مقارنة بنظيرتها غير النفطية، وهو ما يجعل العراق رهنًا لتقلبات أسعار النفط، حيث تم احتساب الإيرادات المخمنة من تصدير النفط الخام على أساس سعر 42 دولارًا للبرميل، وبمعدل تصدير 3 ملايين و250 ألف برميل يوميًا.

التداعيات المحتملة للقرار العراقي

اعترضت الكثير من فئات الشعب العراقي على قرار خفض قيمة العملة المحلية، وتجمع عدة مئات من المتظاهرين في ساحة التحرير الشهيرة ببغداد للاحتجاج على الانخفاض المفاجئ في قدرتهم الشرائية، وحثوا الحكومة على إعادة النظر في قرارها، وذلك على الرغم من تأكيد وزير المالية العراقي أن الفئات المجتمعية الضعيفة ستتلقى إعانات مالية مخصصة في موازنة 2021 لمواجهة تداعيات تخفيض قيمة العملة، محذرًا من أن احتياطيات البنك المركزي العراقي من العملات الأجنبية كانت ستنضب في غضون ستة أشهر إذا ظل سعر صرف الدولار دون تغيير.

وتتمثل أهم التداعيات المحتملة لقرار خفض الدينار العراقي في ارتفاع أسعار السلع الغذائية بما يضر بمستويات المعيشة. إذ يُعد العراق بلدًا استهلاكيًا يعتمد على الواردات من العالم الخارجي، كما أنه من المرجح أن تؤدي تلك الخطوة إلى تعطيل عمل المصانع في البلاد بدلًا من تحفيزها ودعمها على منافسة المنتج الأجنبي؛ لأنها تشتري المواد الأولية ومكونات الإنتاج من الخارج، مما سيسفر أيضًا عن ارتفاع سعر المنتج المحلي للمستهلك النهائي. وفيما يلي عرض للرقم القياسي لأسعار المستهلكين:

الشكل (4): الرقم القياسي لأسعار المستهلكين خلال 2020 (نقطة)

المصدر: وزارة التخطيط، الجهاز المركزي للإحصاء، الارقام القياسية لأسعار المستهلك (CPI).

يتبين من الرسم السابق أن الرقم القياسي لأسعار المستهلكين سجل استقرارًا خلال أغلب عام 2020؛ ثم عاود الارتفاع بحلول أكتوبر إلى مستويات متقاربة من بداية العام إلى 105.5 نقطة، ومن المرجح أن يرتفع المؤشر خلال الفترة القادمة بضغطٍ من قرار خفض سعر صرف العملة.

أخيرًا، يُمكن القول إن القرار العراقي بخفض قيمة الدينار ليس كافيًا لإتمام الإصلاح الاقتصادي؛ إذ ينبغي اتخاذ حزمة من الإجراءات الأخرى لدعم الاقتصاد المحلي بدايةً من تقليل الاعتماد على الموارد النفطية، والاتجاه إلى تشجيع تصنيع السلع الرئيسية بدلًا من استيرادها.

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة