وحدة الدراسات الأفريقية

إنذار خطر: اشتباكات “الجنينة” بدارفور وحتمية تفعيل السلام

شكّلت أحداث العنف التي شهدتها منطقة “الجنينة” بولاية غرب دارفور في السادس عشر من يناير 2021، نقطة تحول هامة في خضم المشهد السياسي الداخلي وفي ملف السلام الذي سعت إلى تحقيقه الدولة السودانية في أعقاب الإطاحة بنظام “البشير”، وتُعيد إلى الأذهان مرة أخرى مشهد الحرب الأهلية التي اندلعت عام 2003 ودامت نحو ربع قرن، وآلت في نهاية المطاف إلى حالة العزلة السياسية للسودان. أزمة متجددة في السادس عشر من يناير من عام 2021 ضربت موجة من أعمال العنف ولاية غرب دارفور بعد أن تفجرت الاشتباكات بين المكونات الرئيسية لسكان الولاية (الرزيقات، والفلاتة، والمساليت)، والتي خلفت أكثر من مائة قتيل. فقد…

عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at

شكّلت أحداث العنف التي شهدتها منطقة “الجنينة” بولاية غرب دارفور في السادس عشر من يناير 2021، نقطة تحول هامة في خضم المشهد السياسي الداخلي وفي ملف السلام الذي سعت إلى تحقيقه الدولة السودانية في أعقاب الإطاحة بنظام “البشير”، وتُعيد إلى الأذهان مرة أخرى مشهد الحرب الأهلية التي اندلعت عام 2003 ودامت نحو ربع قرن، وآلت في نهاية المطاف إلى حالة العزلة السياسية للسودان.

أزمة متجددة

في السادس عشر من يناير من عام 2021 ضربت موجة من أعمال العنف ولاية غرب دارفور بعد أن تفجرت الاشتباكات بين المكونات الرئيسية لسكان الولاية (الرزيقات، والفلاتة، والمساليت)، والتي خلفت أكثر من مائة قتيل. فقد كانت موجة العنف الأخيرة هي الأكثر عنفًا في تلك المنطقة، وذلك منذ توقيع اتفاقية الصلح بين كل من قبيلة “المساليت” و”الفلاتة” في نهاية أكتوبر 2020. حيث تصاعد خلاف أهلي محدود في مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور إلى اشتباكات واسعة النطاق شملت أحياء عدة، ووصلت لمعسكر كرنديق للاجئين استخدمت فيها الأسلحة المتوسطة والثقيلة.

وقد تصاعدت خطورة الموقف داخل إقليم دارفور على خلفية أحداث “الجنينة” وما خلّفته من سقوط ضحايا بلغ عددهم وفقًا لآخر تقديرات لجنة أطباء ولاية غرب دارفور 159 قتيلًا و202 مصابًا، وهو انعكس بصورة كبيرة في الإجراءات التي اتخذتها الدولة السودانية لاحتواء الموقف عبر انعقاد مجلس الأمن والدفاع السوداني في أعقاب تدهور الموقف الأمني داخل هذا الإقليم، والتصديق على إرسال تعزيزات أمنية للسيطرة على الأوضاع، مع فرض كامل لحظر التجوال. واستيعابًا للموقف وإعادة فرض الأمن داخليًا، وكسر حلقة العنف المتكرر في دارفور، فقد تم إرسال تعزيزات أمنية لولاية غرب دارفور لحماية المرافق وتأمين المواطنين، علاوة على تشكيل لجنة عليا لتقصي الحقائق حول الواقعة، وتحديد جذور المشكلة، مع إرسال وفد برئاسة النائب العام وممثلين عن كافة الجهات الأمنية لمتابعة التحقيقات المختلفة حول تلك الواقعة.

وتُعد الأحداث الأخيرة استكمالًا لسلسة من الصدامات المتكررة بين مكونات غرب دارفور الرئيسية (الزريقات، والفلاتة، والمساليت) والتي ظهرت في الأحداث الدامية خلال يوليو 2020 وكذلك في ديسمبر من العام ذاته. ولعل أحد أسباب التوترات والنزاعات الإثنية داخل هذا الإقليم يعود بالأساس إلى مشكلة الأراضي التي نص عليها اتفاق السلام، ومصادر الحصول على المياه. وعلى الرغم من توقيع قبيلتي “الفلاتة” و”المساليت” على اتفاق مصالحة في الثامن والعشرين من نوفمبر 2020 لحل النزاعات المستمرة بينهما والتي اندلعت على فترات متقطعة خلال عامي 2019 و2020؛ إلا أنها لم تكن حائلًا أمام تجدد الاشتباكات. 

وبالنظر إلى حجم العنف الذي شهدته مدينة “الجنينة” وطبيعة الاشتباكات التي دارت على مدار يومين حول معسكري “كريندق” وأبو زر” للنازحين، نجد أن هناك استمرارية لمعضلة النزاعات القبلية الممتدة منذ حكم “نظام الإنقاذ” على مدار الثلاثين عام الماضية، علاوة على تفشي الأسلحة الثقيلة داخل الكثير من الأقاليم السودانية خارج سلطة القانون والقوات العسكرية والأمنية، الأمر الذي يُلقي بظلال سلبية على هيبة الدولة ومساعيها المختلفة لإنهاء ملف النزاعات القبلية وإقرار السلام الداخلي، ويُعد في حد ذاته مؤشرًا لاستمرار نزيف الدم ما لم تتكمن الدولة من جمع الأسلحة من كافة القبائل والحركات المختلفة. وتكمن خطورة اندلاع تلك الأحداث داخل إقليم دارفور في الموقع الجغرافي المنفتح على الحدود الغربية للسودان مع كل من ليبيا وتشاد مما يُسهل الحصول على الأسلحة المختلفة، إلى جانب التداخلات القبلية المختلفة، مما يُنذر بأن هناك خطورة من تكوين مليشيات قبلية تستهدف زعزعة الاستقرار والأمن داخل هذا الإقليم. 

دلالات التوقيت

تتزامن أحداث العنف في مدينة “الجنينة” بولاية غرب دافور دارفور مع جملة من التغيرات الداخلية التي تتمثل في النقاط التالية:

ـ انتهاء تفويض قوات حفظ السلام الدولية والإفريقية “يوناميد” من إقليم “دارفور” ورحيلها بصورة كاملة في 31 ديسمبر 2020 وذلك بناءً على طلب الخرطوم وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2559 الذي أفضى في نهاية الأمر إلى إنهاء مهمة قوات “يوناميد” عقب مرور نحو 13 عامًا على تأسيسها، واستبدالها ببعثة “يونيتامس” الأممية لدعم المرحلة الانتقالية بالسودان واستكمال المهام الإدارية لبعثة اليوناميد داخل إقليم دارفور، وهو ما أوجد فراغًا أمنيًا داخل هذا الإقليم وأفسح المجال واسعًا أمام بروز النزاعات القبلية مرة أخرى، على الرغم من مساعي الدولة السودانية لملء الفراغ الأمني، وقد تجلى ذلك بعقد اجتماع طارئ بين وزيري الدفاع والداخلية بالخرطوم لبحث الترتيبات الأمنية والإدارية لمرحلة ما بعد خروج البعثة الأممية.

ـ تحقيق الحكومة السودانية نجاحًا كبيرًا برفع اسم السودان من قوائم الإرهاب، وتحقيق تقدم ملحوظ في ملف المصالحة والسلام مع الحركات المسلحة في دارفور في أكتوبر 2020، والتوصل لتفاهمات حول تشكيل قوى مشتركة مناصفة بين القوات النظامية والحركات المسلحة للمساهمة في حفظ الأمن داخل هذا الإقليم.

ـ تفاقم حدة الخلافات السودانية الإثيوبية، وتعقد المشهد بين أديس أبابا والخرطوم، على خلفية التوترات الحدودية، خاصة بعد حالة التصعيد الذي شهدها ذلك الملف في الآونة الأخيرة، وخاصة في مدينة “الفشقة” السودانية، وما تبعها من حشد عسكري على الحدود المشتركة وانخراط القوات السودانية في حرب استنزاف مع بعض المليشيات المُسلحة الموالية لحكومة أديس أبابا إلى جانب الجيش الإثيوبي الذي لا يزال يقوم بعمليات تعبئة عسكرية في المناطق المواجهة للقوات السودانية في تلك المدينة، وذلك منذ نهاية عام 2020 ومطلع العام الجاري.

انعكاسات متباينة

لقد كانت النزاعات القبلية سببًا جوهريًا وراء حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني داخل إقليم دارفور، بل شكلت دافعًا وراء حالة التصدع المجتمعي ولعبت دورًا كبيرًا وحققت خسائر ليس فقط على مستوى الاستقرار الداخلي بل في تعاطي المجتمع الدولي مع الدولة ككل.

وقد كان لأحداث الجنينة الأخيرة العديد من الانعكاسات السلبية، أبرزها استمرار الصورة الذهنية عن عجز الدولة في قدرتها على فرض الأمن والاستقرار الداخلي على وجه التحديد في الولايات ذات الطبيعة الحرجة وعلى رأسها “دارفور”، خاصة وأن طلب إنهاء بعثة “اليوناميد” جاء بناء على طلب الإدارة السودانية، وقد برز ذلك بصورة كبيرة فيما أبدته المنسقية العامة لمعسكرات النازحين واللاجئين بأهمية إعادة النظر في قرار مجلس الأمن الدولي الخاص بإنهاء بعثة “اليوناميد”.

كما تُساهم هذه الأحداث في تأخير فرص السودان في استرداد الثقة الدولية في قدرة الدولة السودانية وأجهزتها الأمنية في تحقيق حل شامل لتلك الصراعات، وتجلى ذلك في حالة التخوف التي أبدتها الأمم المتحدة تجاه تلك الأحداث، الأمر الآخر وثيق الصلة بالسابق ويتمثل في تأجيل الترتيبات المختلفة الخاصة بتشكيل القوات المشتركة تحت ما يُعرف باسم “القوى الوطنية لاستدامة السلامة في دارفور” بين الحكومة والحركات المسلحة داخل هذا الإقليم، بعدما قطعت الدولة شوطًا كبيرًا منذ أغسطس الماضي في ملف السلام مع كافة الحركات المسلحة داخل هذا الإقليم والأقاليم السودانية المختلفة. ومن بين الانعكاسات الأخرى تشتيت القوات المسلحة النظامية في أكثر من مسرح، خاصة في ظل انخراطها الأخير لبسط سيطرتها الكاملة على الأراضي السودانية المتنازع عليها مع إثيوبيا.

الخلاصة، يمكن القول إن أحداث العنف التي شهدها إقليم دارفور تُعد بمثابة إنذار قوي لمختلف شركاء الحكم في المرحلة الانتقالية، تتطلب معها حتمية الإسراع في تطبيق مقررات اتفاق السلام على أرض الواقع، وتنفيذ المبادرات الخاصة بنزع الأسلحة، وتشكيل القوة المشتركة لحفظ السلام والأمن، مع توفير البيئة والمناخ السياسي والاجتماعي والاقتصادي الملائم لحل جذور تلك الأزمة، خاصة بعدما أثبت الحل العسكري عدم جدواه في احتواء تلك الأزمة التي تكررت كثيرًا، وذلك حفاظًا على المكتسبات التي حققتها الدولة السودانية في أعقاب الحراك الشعبي، واستردادها وضعها الطبيعي في بيئتها الإقليمية والدولية.

عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at