الصفقة..!

رئيس الهيئة الإستشارية

قبل شهور من الانتخابات الرئاسية الأمريكية، تصورت أربعة سيناريوهات للنتيجة: أن يفوز بايدن لأن استطلاعات الرأي العام تقول ذلك؛ وأن يفوز ترامب لأن استطلاعات الرأي العام ليست مصيبة دائمًا؛ وأن يختلف الطرفان على من هو الفائز، فتصير هناك أزمة دستورية أمام المحاكم؛ وأن تُعقد صفقة مؤداها أن يخرج ترامب من البيت الأبيض بسلام لكى يدخل بايدن ويقوم بالعفو عن منافسه غافرًا له ذنوبه. ولكن التاريخ له حكمته وغرائبه، وهو لا يستقر غالبًا على ما يتصوره البشر، وإنما تكون له طريقته الخاصة في سير الأحداث التى كان يستحيل تخيلها قبل شهور. في الواقع بدا الأمر كما لو أن السيناريو الثالث كانت…

د. عبد المنعم سعيد
رئيس الهيئة الإستشارية

قبل شهور من الانتخابات الرئاسية الأمريكية، تصورت أربعة سيناريوهات للنتيجة: أن يفوز بايدن لأن استطلاعات الرأي العام تقول ذلك؛ وأن يفوز ترامب لأن استطلاعات الرأي العام ليست مصيبة دائمًا؛ وأن يختلف الطرفان على من هو الفائز، فتصير هناك أزمة دستورية أمام المحاكم؛ وأن تُعقد صفقة مؤداها أن يخرج ترامب من البيت الأبيض بسلام لكى يدخل بايدن ويقوم بالعفو عن منافسه غافرًا له ذنوبه. ولكن التاريخ له حكمته وغرائبه، وهو لا يستقر غالبًا على ما يتصوره البشر، وإنما تكون له طريقته الخاصة في سير الأحداث التى كان يستحيل تخيلها قبل شهور. في الواقع بدا الأمر كما لو أن السيناريو الثالث كانت له الغلبة، أو القرب من تصور النهاية، فقد فاز بايدن بالأصوات الشعبية وأصوات المجمع الانتخابي، وأعلن ترامب أن الانتخابات سُرقت، وانتهى الأمر إلى المحاكم فى ستين قضية حكمت فيها المحاكم ببطلان الدعوى، وفى حالتين تم اللجوء إلى المحكمة الدستورية العليا وجرى رفض النظر في الموضوع من الأصل. إلى هنا بات السيناريو الثالث مكتملًا، ولكن مفاجأة التاريخ جاءت فى 6 يناير، حيث كانت الحادثة الكبرى لهجوم أنصار ترامب على مبنى «الكابيتول»- وكان الكونجرس بمجلسيه منعقدًا للتصديق على نتيجة الانتخابات- بناء على دعوة وتحريض من ترامب. المشهد بات الآن من المشاهد التاريخية فى التاريخ الأمريكى، ليس فقط لأنه حدث فيه اقتحام لمجلس «الشعب»، واغتصاب لقداسة السلطة التشريعية، أو حتى لوفاة خمسة أفراد، أو لمشاركة أعضاء فى المؤسسات الأمنية والعسكرية الأمريكية فى الاقتحام، وإنما لأنه وضع السمعة الديمقراطية الأمريكية فى خطر السقوط فى الداخل والفضيحة فى الخارج، مع مستقبل مغلف بالغموض والخطر.

جاء السيناريو الرابع بشكل لم يكن ممكنًا تخيله عندما وقفت أمريكا كلها على حافة جرف هائل، وساعتها فإن الفائز لن يكون فائزًا إذا كان سوف يقف على أعتاب انتصار يرفضه ما يقرب من نصف الأمة، كما لن يكون المهزوم مهزومًا إذا ما كانت القوانين التى جرت اللعبة على أساسها قد تغيرت لكى تكون لعبة دموية أخرى. هنا ظهر ما للعبة الديمقراطية من أسنان تحافظ بها على نفسها، وما ظهر منها كان تآلف المؤسسات السياسية والأمنية للتصديق على نتيجة الانتخابات، ثم بعد ذلك عقاب ترامب من خلال عملية إقامة الادعاء عليه فى مجلس النواب ومحاكمته فى مجلس الشيوخ. ولكن اللعبة الديمقراطية لن تصير كذلك إذا ما خرج أحد طرفى المباراة من الساحة كلية، ولا ينبغى لها أن تحدث فى أجواء ساخنة وحارة. هنا جاء أول أركان الصفقة الخاصة بتبريد المناخ العام بتأجيل بدء المحاكمة إلى 8 فبراير، مقابل الخروج الهادئ لترامب من البيت الأبيض، وأن يقوم أعضاء الحزبين بالتصديق السريع على تعيينات بايدن، والهدوء فى التعامل مع الحزمة الكبيرة من قرارات الرئيس التنفيذية، والتى تقلب تاريخ قرارات ترامب الرئاسية السابقة رأسًا على عقب.

القائمون على الصفقة هم بايدن وأقطاب الحزب الديمقراطي في ناحية، وميتش ماكونيل، زعيم الحزب الجمهوري، وأقطاب الحزب من ناحية أخرى. ما يجمعهما سويًا هو الحفاظ على الدولة من ناحية، واستمرار اللعبة الديمقراطية من ناحية أخرى؛ ويتم ذلك بصفقة أخرى يجرى صنعها يظهر فيها مصالح بايدن فى تمرير سريع لقوانين وإجراءات وبسرعة غير مسبوقة وخلال المائة يوم الأولى؛ مقابل أن تكون إدانة ترامب ليست إدانة للحزب الجمهورى فى نفس الوقت، فقبل وبعد كل شىء فإن الحزب فيه جناح «الدوليون»، الذين يريدون للدولة نفوذًا عالميًا، وهناك مجموعة الذين يريدون الحصول على فرص الترشح لرئاسة الجمهورية بعيدًا عن وجود ترامب فى الساحة. وهنا سوف تكون عقدة الصفقة كلها، فترامب مع بعض الهدوء الذى ألَمَّ به، لا يزال يَعِد أنصاره بأنه باقٍ فى الساحة السياسية، وأن «الترامبية» شمس لا تغيب، وهو على استعداد لدعم المرشحين لانتخابات التجديد النصفى لمجلسى الكونجرس فى 2022، وغير مستبعد ترشحه لانتخابات 2024 بعد المحاكمة، التى لا تدينه نتيجة صعوبة الحصول على 17 صوتًا جمهوريًا إضافيًا. وهكذا فإن وجود ترامب فى المعادلة يعقد الصفقة تمامًا، ولا يوجد حل لها إلا باستبعاده كلية من خلال إدانة لا تقر جزاء أكثر من منعه من دخول الساحة السياسية مرة أخرى، مع تجنيبه بطريقة أو أخرى احتمالات الإدانة فى قضايا أخرى. كيف سيتم ذلك؟.. يحتاج الأمر إلى عتاة فى القانون والدستور الأمريكى، وهؤلاء توجد وفرة منهم لدى الطرفين، ولكن ما الذى سوف يحدث فعلًا؟، فهذه كلمة التاريخ التى يوجد فيها اليقين، كما توجد المفاجأة!.

ــــــــ

نقلا عن جريدة المصري اليوم، ٣١ يناير ٢٠٢١.

د. عبد المنعم سعيد
رئيس الهيئة الإستشارية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

البعث