أمريكا الباقية في الشرق الأوسط والمنسحبة منه

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

أصبحت المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط أقل أهمية بكثير مما كانت عليه في الماضي، فهل تنسحب أمريكا من الشرق الأوسط؟ لم يعد لنفط الشرق الأوسط ما كان له من أهمية في عالم يتجه بسرعة لمصادر الطاقة النظيفة؛ فيما أصبحت الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم، وأحد العشرة الكبار المصدرين للنفط. قويت إسرائيل، فلم تعد في حاجة ماسة لحماية أمريكية لصيقة. انتهت الحرب الباردة، ولم يعد هناك هدف استراتيجي أعلى تتمحور حوله سياسات الولايات المتحدة في المنطقة، فأصبحت السياسة الأمريكية في المنطقة بلا منطق واضح يربط بين مكوناتها. الولايات المتحدة، مع ذلك، لن تنسحب من الشرق الأوسط، فهي لا تستطيع…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

أصبحت المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط أقل أهمية بكثير مما كانت عليه في الماضي، فهل تنسحب أمريكا من الشرق الأوسط؟ لم يعد لنفط الشرق الأوسط ما كان له من أهمية في عالم يتجه بسرعة لمصادر الطاقة النظيفة؛ فيما أصبحت الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم، وأحد العشرة الكبار المصدرين للنفط. قويت إسرائيل، فلم تعد في حاجة ماسة لحماية أمريكية لصيقة. انتهت الحرب الباردة، ولم يعد هناك هدف استراتيجي أعلى تتمحور حوله سياسات الولايات المتحدة في المنطقة، فأصبحت السياسة الأمريكية في المنطقة بلا منطق واضح يربط بين مكوناتها. الولايات المتحدة، مع ذلك، لن تنسحب من الشرق الأوسط، فهي لا تستطيع الانسحاب من منطقتنا، حتى لو أرادت؛ وهي تقف في منطقة وسطى محيرة، فلا هي تستطيع التخلي عن الشرق الأوسط، ولا هي مستعدة لمواصلة تحمل تكلفة الهيمنة عليه؛ وكلما احتار الأمريكيون في شأن المنطقة، كلما احتار أهل المنطقة أيضا.

يدرك خصوم الولايات المتحدة أن مصالح واشنطن في المنطقة لم تعد تمثل لها أهمية كبرى، وأن واشنطن لن تكون مستعدة لإظهار الكثير من المقاومة، وأن ممارسة المزيد من الضغوط عليها سيدفعها تدريجيا للتخلي عن مواقعها. لقد تم اختبار عزيمة الولايات المتحدة في المنطقة عدة مرات خلال السنوات الماضية، وفي كل مرة فشلت واشنطن في اجتياز الاختبار، ففضلت التراجع على تحمل تكلفة التصعيد. في عام 2013 تراجع الرئيس أوباما عن تنفيذ تهديده بمعاقبة النظام الحاكم في دمشق حال قيامه باستخدام الأسلحة الكيماوية في الحرب الأهلية الجارية هناك. رسم أوباما خطا أحمر، فاجتاز بشار الأسد الخط، ونجا بفعلته، وتقوضت مصداقية الردع الأمريكي. في عام 2019 تعرضت منشآت نفطية سعودية لهجمات جوية تم تنفيذها بدقة واحترافية كبيرة. أكدت التحقيقات مسئولية إيران عن الهجمات، وحبس العالم انفاسه في انتظار الانتقام الأمريكي، لكن أمريكا لم تقصف مصادر الصواريخ أو منشآت نفط إيرانية، وإن قامت بعدها بنصف عام بقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني، دون أن تمس البنية التحتية والعسكرية المعقدة لقدرات إيران العسكرية ولنفوذها في المنطقة.  

ترغب واشنطن في التخفف من التزاماتها في الشرق الأوسط، ليس فقط بسبب تراجع أهمية المصالح الأمريكية في المنطقة، ولكن أيضا بسبب المسافة النفسية التي أصبحت تفصل المواطنين الأمريكي عن هذه المنطقة المربكة. من الشرق الأوسط جاءت للولايات المتحدة أكثر الضربات إيلاما منذ هاجمت اليابان بيرل هاربور. لم يفهم الأمريكيون لماذا جاء هؤلاء التسعة عشر إرهابيا من بلادهم البعيدة لتدمير برج التجارة في نيويورك، وراحوا يتساءلون “لماذا يكرهوننا”. طوال العقد التالي حارب الأمريكيون في المنطقة ردا على هجمات الإرهاب التي جاءت من هناك. أنفقت الولايات المتحدة أموالا طائلة في حروب الشرق الأوسط، ومات الكثيرون من جنودها، لكن محصلة كل هذا لم تزد كثيرا عن الصفر، لأن الولايات المتحدة ببساطة كانت تحارب الحروب الخطأ، وتحاول تحقيق أهداف لا تستطيع الترسانة العسكرية الأمريكية الهائلة تحقيقها. فالجيش الأمريكي يمكنه أن يقتل كل الأفغان، وأن يدمر كل مدن العراق، لكنه لا يستطيع أن يحول أفغانستان إلى ديمقراطية ليبرالية، أو أن يجعل العراق نموذجا للحرية يقتدي به العرب الآخرون. 

لقد انسحبت بريطانيا من الشرق الأوسط قبل ذلك، فلماذا لا تنسحب الولايات المتحدة أيضا؟ كان هناك وقت هيمنت فيه بريطانيا على أغلب بلاد المنطقة، من الخليج والعراق وعدن وصولا إلى مصر، ثم جاء وقت قرر فيه البريطانيون إنهاء وجودهم العسكري في المنطقة. كان للوجود العسكري البريطاني في الشرق الأوسط  هدف هو حماية الطريق إلى أكبر المستعمرات البريطانية في الهند، لكن الهند تحررت، ولم يعد الوجود العسكري البريطاني في الشرق الأوسط يخدم مصلحة بريطانية واضحة، فلماذا المكابرة، خاصة وأنه لم يعد لدى الحكومة البريطانية ما يكفي من الموارد لتحمل نفقات القواعد العسكرية الكثيرة المنتشرة شرق السويس.

لم يعد للولايات المتحدة مصالح مهمة في الشرق الأوسط، بالضبط كما حدث مع بريطانيا في الماضي، لكن الولايات المتحدة غنية بما يكفي، ومازال بإمكانها تحمل بعض النفقات في المنطقة، وفي هذا تختلف الولايات المتحدة عن بريطانيا. تختلف الولايات المتحدة عن بريطانيا أيضا في أن الأخيرة عند انسحابها من الشرق الأوسط قامت بتسليم مسئولية حماية المصالح البريطانية والغربية في المنطقة للولايات المتحدة، التي أصبحت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية زعيمة المعسكر الغربي والمتحدثة باسمه؛ أما الولايات المتحدة فليس لديها من تتنازل له عن مسئولية تمثيل المصالح الغربية في المنطقة، في مرحلة تاريخية تشهد تراجع الغرب مقابل صعود حضارات وقوى آسيوية.  

ستحافظ الولايات المتحدة على وجودها العسكري في الشرق الأوسط، لموازنة نفوذ الخصوم، ولمنع المنافسين الروس والإيرانيين من العربدة في المنطقة بلا حدود، لكنها ستتجنب استخدام قوتها المسلحة في المنطقة بقدر الإمكان. ستعيد الولايات المتحدة صياغة التزاماتها الدفاعية تجاه حلفائها في الشرق الأوسط. لا مزيد من الالتزامات السخية المؤكدة للدفاع عن أمن حلفاء، أصبح عليهم تحمل مسئولية أكبر في الدفاع عن أنفسهم. ستصبح مظلة الحماية الأمريكية عن الحلفاء هي خط الدفاع الأخير فعلا، وليس عصا غليظة يعتمد عليها الحلفاء في ردع خصومهم متى أرادوا. ستتدخل أمريكا للدفاع عن الدول الحليفة ضد غزو خارجي صريح، لكن تدخلها يصبح مشكوكا فيه عندما يأتي الأمر للدفاع عن النظم والنخب الحاكمة.

ستكثف الولايات المتحدة الاعتماد على الدبلوماسية, وستجعل من الوجود العسكري “العصا الغليظة عند الأفق”، للمساعدة على إنجاح الدبلوماسية. ستواصل الحكومة الأمريكية إطلاق الانتقادات المتعلقة بحقوق الإنسان، استجابة لضغوط جماعات ضغط محلية، ولكن ليس ضمن استراتيجية كبرى لإسقاط أنظمة وإقامة أخرى. ستقلص الولايات المتحدة أهدافها في الشرق الأوسط، وتختزل وسائل تحقيق هذه الأهداف، وسترضى بنجاحات متواضعة، وفي هذه الحدود ستظل موجودة في المنطقة.   

ــــــ

نقلا عن جريدة الأهرام، ٢٨ يناير ٢٠٢١.

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب