الإدارة الأمريكية الجديدة وعودة الثقة في الأمم المتحدة

مساعد وزير الخارجية السابق

على الرغم من الترحيب الذي أعرب عنه سكرتير عام الأمم المتحدة بعودة الولايات المتحدة إلى اتفاقية باريس لتغير المناخ (UNFCCC) لعام ٢٠١٦، وباستئناف العضوية الأمريكية في منظمة الصحة العالمية (WHO)؛ إلا أن ذلك لا يُعد -في حد ذاته- مؤشرًا كافيًا يمكن أن يوحي بعودة الثقة الأمريكية في الأمم المتحدة أو بتوجه الإدارة الأمريكية الجديدة نحو استئناف الدبلوماسية المتعددة الأطراف؛ إذ لا يزال مبكرًا التوصل في هذه المرحلة إلى مثل تلك الاستنتاجات إلا بعد التحقق من التوجهات الأمريكية الحقيقية للعودة إلى عضوية كلٍّ من اليونسكو ومجلس حقوق الإنسان، والتعامل بإيجابية مع العديد من الاتفاقيات التي تم إقرارها في إطار الأمم المتحدة.…

السفير عمرو حلمي
مساعد وزير الخارجية السابق

على الرغم من الترحيب الذي أعرب عنه سكرتير عام الأمم المتحدة بعودة الولايات المتحدة إلى اتفاقية باريس لتغير المناخ (UNFCCC) لعام ٢٠١٦، وباستئناف العضوية الأمريكية في منظمة الصحة العالمية (WHO)؛ إلا أن ذلك لا يُعد -في حد ذاته- مؤشرًا كافيًا يمكن أن يوحي بعودة الثقة الأمريكية في الأمم المتحدة أو بتوجه الإدارة الأمريكية الجديدة نحو استئناف الدبلوماسية المتعددة الأطراف؛ إذ لا يزال مبكرًا التوصل في هذه المرحلة إلى مثل تلك الاستنتاجات إلا بعد التحقق من التوجهات الأمريكية الحقيقية للعودة إلى عضوية كلٍّ من اليونسكو ومجلس حقوق الإنسان، والتعامل بإيجابية مع العديد من الاتفاقيات التي تم إقرارها في إطار الأمم المتحدة. فالولايات المتحدة الأمريكية سبق لها الانسحاب من اليونسكو في الأول من يناير عام ٢٠١٩ نتيجة لما وصفته -آنذاك- بالمواقف العدائية التي تُتخذ في إطار تلك المنظمة ضد إسرائيل، خاصة بعد أن صدر في إطارها عدة قرارات تتعلق بانطباق اتفاقيات جنيف على كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة بما في ذلك القدس الشرقية التي تضم أيضًا مواقع تراثية يهودية، وباعتبار مدينة الخليل كموقع فلسطيني للتراث العالمي، وهو الأمر الذي دفع إسرائيل إلى الانسحاب أيضًا من عضوية المنظمة، ولم تكن إدارة الرئيس “ترامب” الأولى في تقييد التعامل مع اليونسكو؛ إذ سبق لإدارة الرئيس “أوباما” فور منح العضوية لفلسطين في المنظمة عام ٢٠١١ أن أوقفت سداد الحصة الأمريكية في ميزانيتها وذلك في موقف مماثل لما اتخذته إدارة الرئيس “جيرالد فورد” عام ١٩٧٤ بتجميد الإسهام الأمريكي في ميزانية المنظمة عقب القرار الذي اتخذ في إطارها بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، كما سبق للرئيس “ريجان” الانسحاب من المنظمة عام ١٩٨٤ عقب الاعتراف بعدد من المواقع التراثية السوفيتية وبعد اتهامها باتخاذ مواقف عدائية من العالم الحر، إلا أنها عادت لعضوية المنظمة في عهد إدارة الرئيس “بوش” عام ٢٠٠٢.

كما انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية أيضًا من مجلس حقوق الإنسان في ١٩ يونيو عام ٢٠١٨، واتخذت إدارة الرئيس “ترامب” هذا القرار نتيجة ما وصفته بالمواقف العدائية المزمنة المتحيزة ضد إسرائيل أو الـchronic bias against Israel التي يتم اتخاذها في إطار المجلس، حيث وصفت السفيرة “نيكي هيلي” -المندوبة الدائمة الأمريكية لدى الأمم المتحدة- آنذاك مجلس حقوق الإنسان بأنه تحول إلى بؤرة للنفاق والتحيز السياسي، مؤكدة ضرورة حذف البند السابع المدرج سنويًا على جدول أعمال المجلس والمعنون “انتهاكات حقوق الإنسان والآثار المترتبة على الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والأراضي العربية المحتلة الأخرى” و”الحق في تقرير المصير للشعب الفلسطيني”، حيث وصفت هذا البند “بالفاضح الذي يستفرد إسرائيل بالنقد التلقائي”، خاصة بعد أن صدر عن المجلس في دورة واحدة خمسة قرارات ضد إسرائيل، بما يفوق العدد الذي تم تمريره ضد كوريا الشمالية وإيران وسوريا مجتمعة، مؤكدة أن التركيز غير المتناسب والعداء الذي لا ينتهي تجاه إسرائيل هو دليل واضح على أن المجلس مدفوع بالتحيز السياسي وليس باحترام حقوق الإنسان، كما جاءت الانتقادات التي وجهها المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان لسياسة “عدم التسامح” التي طبقتها إدارة الرئيس “ترامب” مع المهاجرين غير الشرعيين الذين يعبرون الحدود، والتي أدت إلى فصل ما يقرب من ألفي طفل قسرًا عن أسرهم، لتعجل من القرار الأمريكي بالانسحاب من عضوية المجلس، حيث صرح “جون بولتون” -مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي السابق- أن الولايات المتحدة الأمريكية ستخفض مساهماتها المالية في ميزانية الأمم المتحدة بالمقدار الذي يخصص لمجلس حقوق الإنسان وللمفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

ومع كل ما يُقال عن الحرص الأمريكي على احترام حقوق الإنسان؛ إلا أنه من الثابت أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تقم حتى الآن بالتصديق على اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة The Convention on the Elimination of All Forms of Discrimination against Women (SEDAW) التي اعتمدت في إطار الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر عام ١٩٨١. فرغم انقضاء ما يقرب من أربعة عقود لم تقم الإدارات الأمريكية السابقة منذ إدارة الرئيس “كارتر” وحتى الآن بالشروع في إجراءات التصديق على تلك الاتفاقية بما يضع الولايات المتحدة الأمريكية في وضع مماثل لمواقف الدول التي لم تقم بالتصديق على تلك الاتفاقية (ومنها: إيران، والصومال، والسودان، وجمهورية جنوب السودان). فحتى إذا كانت هناك تحفظات أمريكية على بعض فقرات تلك الاتفاقية فقد كان عليها أن تقوم بالتصديق عليها مع التحفظ على تلك الفقرات.

وينطبق ذلك أيضًا على اتفاقية الأمم المتحدة المعنية بحقوق الطفل The United Nations Convention on the Rights of the Child (UNCRC التي تم إقرارها في الجمعية العامة للأمم المتحدة في ٢٠ نوفمبر ١٩٨٩، حيث تُعتبر الولايات المتحدة الأمريكية مثل الصومال وجمهورية جنوب السودان التي لم تقم بالتصديق على هذه الاتفاقية حتى الآن، وهو ما ينطبق على عدد من اتفاقيات الأمم المتحدة التي لم توقع أو تصدق عليها الولايات المتحدة الأمريكية، ومنها البروتوكول الثاني الملحق بالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لعام ١٩٨٩ والذي لم تقم بتوقيعه، ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام ١٩٩٨ الذي لم تقم بتوقيعه، واتفاقية القانون الجنائي بشأن الفساد لعام ١٩٩٩ الذي لم يتم التصديق عليه، واتفاقية القانون المدني بشأن الفساد لعام ١٩٩٩ الذي لم يتم التوقيع عليه، والبروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية مناهضة التعذيب لعام ٢٠٠٢ الذي لم توقعه، والاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لعام ٢٠٠٦ التي لم تقم بالتوقيع عليها، واتفاقية الذخائر العنقودية لعام ٢٠٠٨ التي لم تقم بالتوقيع عليها أيضًا.

لذا فالحديث عن الإدارة الأمريكية الجديدة وعودة الثقة في الأمم المتحدة وعزمها على استئناف الدبلوماسية المتعددة الأطراف لا يزال من المبكر التوصل إلى استنتاجات قاطعة بشأنه، خاصة وأنه يعد مشروطًا في عدد من الحالات بعدم توجيه الإدانة أو حتى أدنى درجة من النقد لإسرائيل، وأخذًا في الاعتبار أن الانضمام الأمريكي إلى عدد من الصكوك الدولية المعنية بحقوق الإنسان لا يزال بعيد المنال.

السفير عمرو حلمي
مساعد وزير الخارجية السابق

مقالات أخرى للكاتب