اختطاف الانترنت

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

أصبحت الانترنت، وخاصة شبكات التواصل الاجتماعي، أحد الأدوات الرئيسية للتعبير عن الرأي، ولكن في الأسابيع الأخيرة بدأ العالم يناقش قضية من المسئول عما ينشر على الانترنت، و من له حق تقييم محتواه، واتخاذ القرار بالحذف او الإبقاء، و كيف يمكن منع قوى التطرف من اختطاف الانترنت و ما يدور بها من حوار.  هذه الإشكاليات لا تقتصر فقط على الدول الكبرى، فنحن في مصر نعيش كل أسبوع تقريبا مع قضية جديدة تفجرها شبكات التواصل الاجتماعي، ونعرف قليلا عمن بدأها و كيف انتشرت، و لكنها كثيرا ما تؤدى الى زيادة حدة الانقسام و الاستقطاب في المجتمع، و تدنى لغة الخطاب، و انتهاك…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

أصبحت الانترنت، وخاصة شبكات التواصل الاجتماعي، أحد الأدوات الرئيسية للتعبير عن الرأي، ولكن في الأسابيع الأخيرة بدأ العالم يناقش قضية من المسئول عما ينشر على الانترنت، و من له حق تقييم محتواه، واتخاذ القرار بالحذف او الإبقاء، و كيف يمكن منع قوى التطرف من اختطاف الانترنت و ما يدور بها من حوار. 

هذه الإشكاليات لا تقتصر فقط على الدول الكبرى، فنحن في مصر نعيش كل أسبوع تقريبا مع قضية جديدة تفجرها شبكات التواصل الاجتماعي، ونعرف قليلا عمن بدأها و كيف انتشرت، و لكنها كثيرا ما تؤدى الى زيادة حدة الانقسام و الاستقطاب في المجتمع، و تدنى لغة الخطاب، و انتهاك الخصوصية، بالإضافة الى الانشغال بما لا يجب الانشغال به، والذى يأتي غالبا على حساب قضايا أكثر أهمية، كان يجب أن تحتل أولوية الجدل.

قضية المسئولية عن محتوى الانترنت تشغل العالم هذه الأيام، بسبب قيام منصات التواصل الاجتماعي الرئيسية بتجميد حسابات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في أعقاب هجوم أنصاره على مبنى الكونجرس يوم ٦ يناير الماضي. 

البعض رحب بالقرار باعتباره عقابا ملائما لترامب لاستخدمه هذه المنصات للتحريض على العنف. واعتبره أخرون تحولا إيجابيا في مواقف شركات التواصل الاجتماعي مثل الفيس بوك و تويتر، واعترافها أخيرا بأن لها مسئولية تحريرية عما ينشر بها، و تخليها عن الحياد الذى كانت تتمسك به، و زعمها أن القانون الأمريكي لا يحملها أي مسئولية مدنية عن المحتوى الذى ينشره بها، و يحميها من التعرض للمقاضاة من قبل أي شخص يشعر بالظلم بسبب شيء قام شخص آخر بنشره. وبالتأكيد فإن هذه الشركات قد استفادت ماليا بشكل كبير من الاستقطاب الناتج عما ينشر من خلالها، ولم تكن تريد التقليل من هذه المكاسب.

ولكن من ناحية أخرى فإن قرار تجميد حسابات ترامب تعرض لعدة الانتقادات، حيث اعتبره البعض اعتداءا على حرية التعبير ومخالفة للتعديل الأول للدستور الأمريكي الذي يصون هذا الحق. البعض الأخر اعتبر أن هذا القرار سيشجع أنصار ترامب على التحرك نحو منصات أخرى قد يغلب عليها طابع التطرف، مما قد يساهم في تعميق فجوة الاستقطاب وإحساس أنصاره بأن المجتمع يعاديهم. كما انتقد البعض تحرك الشركات ضد ترامب، في حين انها لم تفعل شيئا في مناطق ودول أخرى حيث استخدمت منصاتها للترويج للاضطهاد والكراهية والعنف.

القرار أيضا تعرض لانتقادات في عدد من العواصم الأوربية، حيث صرحت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بأن حظر حسابات ترامب بشكل دائم يمثل “مشكلة”. ولكن جوهر الانتقادات الاوربية تركزت حول من له حق حظر الحسابات على الانترنت. وتمثلت وجهة النظر الاوربية في أنه يمكن التدخل في حرية التعبير وفقا لحدود تضعها الحكومات الوطنية او المشرعين بها، وليس بقرار من إدارة الشركات الخاصة مثل تويتر وفيس بوك، وخاصة أن قيادات هذه الشركات غير منتخبة ولا تخضع للمساءلة.

وبالتالي فالموقف الأوربي يتمثل في التمييز بين إزالة تغريدات ومحتوى محدد وبين إغلاق الحساب بالكامل، و في الثقة في دور الحكومات و ليس شركات المنصات الاجتماعية في تنظيم حرية التعبير على الانترنت و حظر محتوى معين. 

وقد تبنت المانيا قانونا يمنح شركات التواصل الاجتماعي ٢٤ ساعة لإزالة المحتوى غير القانوني والا تعرضت لغرامات مالية، وتطالب المانيا بوضع لائحة للمحتوى الإرهابي، ووفقا لها ستمنح الشركات ساعة واحدة فقط لإزالة “المحتوى الإرهابي”.

باختصار العالم يشهد جدلا كبيرا حول محتوى الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، أحد ملامحه هو إدراك أن الانترنت لم تكن فقط قوة لتحقيق التقدم، و أداة محايدة في نشر المحتوى و التعبير عن الرأي، بل يمكن اختطافها و استخدامها لتحقيق التدمير، و اثبتت أحداث الكونجرس و غيرها ان هناك ربط بين العالم الافتراضي على الانترنت و الواقع على الأرض، و أن الخطاب الموجود على المنصات يمكن أن يتحول بسهولة الى أعمال عنف حقيقية، والى قتل كما حدث في الاعتداء على المسجد في نيوزيلندا، و على كنائس و معابد في أوربا.

العالم اذن يناقش الحدود الفاصلة بين حرية التعبير والمحتوى الذى يؤدى للعنف و الكراهية، و كيفية منع الانتشار الفيروسي لهذا المحتوى، و وضع قواعد أو على الاقل مدونة سلوك تضمن ذلك و تحد من اختطاف الانترنت لمصلحة قوى التطرف. هذا النقاش يهمنا كما يهم العالم، ومن الضروري أن نكون جزءا منه، بدلا من الانشغال بالقضايا الوهمية التي تقرضها علينا شبكات الانترنت.

نقلا عن جريدة المصري اليوم، الإثنين ٢٥ يناير ٢٠٢١.

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

خبراء مصر

img

رأي

التوك شو

img

رأي

مكانة مصر