تنمية ومجتمع

“مؤشر المعرفة العالمي”: دلالات تحسن التعليم قبل الجامعي المصري

أظهر التقرير السنوي لمؤشر المعرفة العالمي، الذي تصدره مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقدمًا جديدًا للتعليم قبل الجامعي المصري. فبعد أن تقدم التعليم المصري من المركز 110 في 2018 إلى المركز 94 في 2019، تحسنت بعض المؤشرات الفرعية التي أدت بدورها إلى تحسن الترتيب في 2020 إلى المركز 83 من بين 138 دولة. فما هي المؤشرات التي شهدت تحسنًا؟ وما تأثير تحسن هذه المؤشرات على جودة المخرج التعليمي في النهاية؟. أولًا: ماذا تحسن؟ يتضمن مؤشر المعرفة العالمي سبعة مؤشرات قطاعية، أولها قطاع التعليم قبل الجامعي ويمثل 15% من إجمالي قيمة المؤشر، ويشتمل…

محمود سلامة
باحث ببرنامج السياسات العامة

أظهر التقرير السنوي لمؤشر المعرفة العالمي، الذي تصدره مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقدمًا جديدًا للتعليم قبل الجامعي المصري. فبعد أن تقدم التعليم المصري من المركز 110 في 2018 إلى المركز 94 في 2019، تحسنت بعض المؤشرات الفرعية التي أدت بدورها إلى تحسن الترتيب في 2020 إلى المركز 83 من بين 138 دولة. فما هي المؤشرات التي شهدت تحسنًا؟ وما تأثير تحسن هذه المؤشرات على جودة المخرج التعليمي في النهاية؟.

أولًا: ماذا تحسن؟

يتضمن مؤشر المعرفة العالمي سبعة مؤشرات قطاعية، أولها قطاع التعليم قبل الجامعي ويمثل 15% من إجمالي قيمة المؤشر، ويشتمل هذا المؤشر على محورين رئيسيين هما: رأس المال المعرفي، والبيئة التمكينية التعليمية. وقد تحسنت معظم مؤشرات التعليم قبل الجامعي بشكل ملحوظ عما كانت عليه في العامين السابقين. ويوضح الجدول التالي التغير في ترتيب مصر في المؤشرات الفرعية في قطاع التعليم قبل الجامعي منذ 2018 وحتى 2020.

جدول (1)

التغير في ترتيب مصر في المؤشرات الفرعية في قطاع التعليم قبل الجامعي منذ 2018 وحتى 2020

المصدر: التقرير السنوي لمؤشر المعرفة العالمي أعوام: 2018، 2019، 2020.

يوضح الجدول السابق أن مصر حققت تحسنًا فيما يتعلق بمؤشر الالتحاق، حيث حلت في المرتبة 58 بعد أن كانت في المرتبة 65 في عام 2019، ويرجع ذلك التحسن إلى زيادة قدرة النظام التعليمي المصري على الوصول إلى جميع الطلاب في سن الدراسة، خاصةً في سن التعليم الابتدائي، حيث يشير كتاب الإحصاء السنوي لوزراة التربية والتعليم لعام 2019/2020 إلى أن نسبة القيد الإجمالي للتلاميذ في المرحلة الابتدائية بلغت 102.7%، وفي المرحلة الإعدادية بلغت 95.5%، بينما تراجعت في التعليم الثانوي إلى 57% فقط، وهو ما أدى إلى تراجع ترتيب مصر من المركز 80 في 2018 إلى المركز 83 في 2020.

أما مؤشر الإتمام فقد تحسن مقارنةً بعام 2019، حيث حلت مصر في المرتبة 40 بعد أن كانت في المرتبة 55 في عام 2019، ويرجع ذلك التحسن في الأساس إلى الزيادة في أعداد الطلاب الذين أتموا المرحلة الثانوية العامة والفنية، حيث تقدمت مصر من المرتبة 50 في عام 2019 إلى المرتبة 22 في 2020.

وفيما يتعلق بالإنفاق على التعليم، فقد تحسن ترتيب مصر في هذا المؤشر نظرًا لزيادة مخصصات الإنفاق على التعليم في موازنة 2020 عما كانت عليه في 2019، حيث بلغت 132 مليار جنيه في 2020 بزيادة قدرها 16.3 مليار جنيه عن العام السابق. وعلى الرغم من التحسن الكبير في ترتيب مصر في الإنفاق الحكومي على التعليم الأساسي والتعليم الثانوي؛ إلا أن الترتيب الإجمالي في مؤشر الإنفاق على التعليم ما زال متراجعًا إلى حد ما، حيث تقبع مصر في المركز 93 بين 138 دولة، وقد يرجع ذلك لعدم توافر البيانات اللازمة حول الإنفاق الجاري على التعليم.

ويرجع تحسن ترتيب مصر في مؤشر البيئة المدرسية إلى المركز 70 في 2020 بعد أن كانت في المركز 92 في العام السابق إلى تحسن متوسط نصيب المعلمين من الطلاب في التعليم الأساسي والثانوي، ولكن يبدو أن هذا التحسن غير حقيقي، حيث ارتفع نصيب المعلمين من التلاميذ في جميع المراحل التعليمية عما كان عليه في 2019 وفقًا لما جاء في كتاب الإحصاء السنوي لوزارة التربية والتعليم.

عودة إلى المكانة الطبيعية

واجه نظام التعليم المصري موجة من التشكيك والسخرية بعد أن وضع تقرير التنافسية العالمي مصر في المرتبة 139 من بين 140 دولة فيما يتعلق بجودة التعليم الابتدائي في 2016، وهو ما استوجب إعادة النظر في المؤشرات التي تستند إليها التقارير الدولية في تقييم نظم التعليم حول العالم، وبناءً على ذلك أتاحت وزارة التربية والتعليم البيانات والمعلومات بما يتماشى مع آلية إعداد هذه التقارير ليعود نظام التعليم المصري إلى مكانته الطبيعية في منطقة الوسط، فهو لا يقدم أفضل خدمة تعليمية مقارنةً بدول العالم الأول، ولا أسوأها مقارنةً بالدول التي تنتمي لنفس شريحة الدخل التي تضم مصر، وإنما هو نظام تعليمي يحتضن كل الأطفال في سن الدراسة تقريبًا فيما يواجه مشكلة التقادم.

ولم يكن مؤشر المعرفة العالمي هو التقرير الوحيد الذي وضع مصر في منطقة الوسط، ولكن اتفق في ذلك أيضًا تصنيف (US News Global Ranking)، حيث جاءت مصر في المرتبة 42 في جودة التعليم من بين 80 دولة اشتمل عليها التصنيف. إضافةً إلى التصنيفين السابقين، فقد أوضح التقرير العالمي لرصد التعليم للجميع 2020 الذي تصدره اليونسكو أن مصر قد حققت تقدمًا في تنفيذ التوصية 1974 بشأن التربية من أجل التفاهم والتعاون والسلام على الصعيد الدولي والتربية في مجال حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، حيث أشار التقرير إلى أن تعديل الأطر والسياسات التعليمية وتدريب المعلمين قد تحقق نوعًا ما، في حين أن تعديل المناهج الدراسية وتقييم الطلاب قد تحقق كليًا.

وعلى الرغم من أن تقرير التنافسية العالمي 2020 لم يتطرق إلى تصنيف الدول أو ترتيبهم، إلا أن نسخة 2019 من التقرير تضمنت أربعة مؤشرات فقط تتعلق بالتعليم قبل الجامعي هي متوسط سنوات الدراسة، وقد جاءت مصر في المرتبة 97 من بين 141 دولة في هذا المؤشر، وسنوات الدراسة المتوقعة الذي جاءت فيه مصر في المرتبة 82، ونصيب المعلمين من التلاميذ الذي جاءت فيه مصر في المرتبة 89، وأخيرًا التفكير الناقد في التدريس، جاءت فيه مصر في المرتبة 123 نظرًا لحصولها على 2.7 نقطة من سبع نقاط وفقًا لاستطلاع رأي عالمي وليس مؤشرات كمية.

ما الذي يحتاج إلى مزيد من التركيز؟

ما زالت بعض المؤشرات الفرعية في مؤشر قطاع التعليم قبل الجامعي تحتاج إلى مزيدٍ من الجهود خاصةً فيما يتعلق بتوفير وإتاحة البيانات حول هذه المؤشرات، حيث لا تتوفر بيانات رسمية عن حجم الإنفاق الجاري على التعليم، وهو ما أثر سلبًا على الترتيب الكلي لمصر في مؤشر الإنفاق على التعليم. كما لا توجد بيانات رسمية حول نسبة الطلاب الجدد في الصف الأول الابتدائي ممن ارتادوا برامج الطفولة المبكرة، وأخيرًا، لا تتوفر البيانات حول أداء الطلاب (15 عامًا) في الرياضيات والعلوم والقراءة، ويرجع ذلك لعدم مشاركة مصر في الاختبارات الدولية مثل (بيرلز PIRLS) و(بيزاPISA ) التي تتيح بيانات معبرة عن أداء الطلاب في هذه المرحلة العمرية.

إضافةً إلى إتاحة البيانات والمعلومات، فإن وزارة التربية والتعليم في حاجة إلى بذل مزيد من الجهد لضمان تقديم خدمة تعليمية جيدة خاصةً فيما يتعلق بتحسين متوسط نصيب المعلم من التلاميذ، وتقليل متوسط كثافة الفصول في جميع المراحل التعليمية، والتوسع في برامج التعليم قبل الابتدائي لاستيعاب نسبة أكبر من الأطفال. 

جدول (2)

واقع متوسط كثافات الفصول ونصيب المعلمين من التلاميذ

المصدر: كتاب الإحصاء السنوي لوزارة التربية والتعليم 2020.

يتضح من الجدول السابق أن التعليم الابتدائي الذي يعد أهم مراحل السلم التعليمي يعاني من زيادة كبيرة في متوسط كثافة الفصول، حيث بلغت 50.61 تلميذًا لكل فصل، وهو ما لا ينطبق على جميع الفصول، فقد تخطت الكثافة في محافظة الجيزة 56 تلميذًا لكل فصل. وتواجه نفس المرحلة مشكلة ارتفاع نصيب المعلمين من التلاميذ، حيث يقترب متوسط نصيب كل معلم من 30 تلميذًا، وهو ما يتطلب تدخلًا فعليًا بإعادة توزيع المعلمين في المراحل الأعلى على المدارس الابتدائية، أو تعيين معلمين جدد لتحسين هذا المؤشر.

ولحل مشكلة ارتفاع الكثافة واستيعاب الزيادة السكانية، فقد جاء في النسخة السابعة لموازنة المواطن التي تصدرها وزارة المالية أنه وفقًا لخطة هيئة الأبنية التعليمية، فإنه من المقرر تنفيذ 2555 مشروعًا بإجمالي 39064 فصلًا في مختلف المراحل التعليمية بتكلفة حوالي 12.2 مليار جنية خلال العام الحالي. وعلى الرغم من أن هذا العدد لا يمثل سوى 20% من إجمالي ما تحتاجه مصر لحل مشكلة الكثافة، إلا أنه في حالة تنفيذه سيمثل نجاحًا كبيرًا لهيئة الأبنية التعليمية التي لم تكن في السنوات السابقة تنفذ أكثر من 15 ألف فصل فقط سنويًا.

أما فيما يتعلق بأداء الطلاب في العلوم والرياضيات والقراءة، فتحتاج الوزارة إلى أن تشرك التلاميذ في الصفين الرابع الابتدائي والثاني الإعدادي في التقييمات الدولية للتعرف على مستوى التلاميذ بطريقة تختلف عن نظام التقييم المتبع في المدارس. وبالرغم من مشاركات الطلاب المصريين المحدودة في التقييمات الدولية، إلا أن النتائج غير مرضية، حيث لم يصل الطلاب إلى المتوسط العالمي في العلوم والرياضيات في جميع مشاركاتهم منذ 2003 وحتى 2019 كما هو موضح بالشكل التالي.

شكل (1)

نتائج طلاب الصف الثاني الإعدادي في اختبار TIMSS

وتشير نتائج آخر مشاركة للطلاب المصريين إلى تغير إيجابي في نتائج الطلاب عما كانت عليه في 2015، ولكن هذا التغير غير كافٍ للحكم على جودة المُخرج التعليمي، حيث لم تقترب نتائج الطلاب من المتوسط العالمي على مدار المشاركات الثلاثة الأخيرة. ومن المقرر أن يشارك الطلاب المصريون في الصف الرابع الابتدائي لأول مرة في اختبار PIRLS نهاية العام الدراسي 2020/2021، كذلك سيشارك طلاب الصف الثالث الإعدادي في اختبار PISA، الأمر الذي يفتح المجال أمام إصدار أحكام على جودة برنامج إصلاح التعليم الذي بدأ منذ 2018.

مما سبق، يتضح أن نظام التعليم قبل الجامعي يشهد تحسنًا في بعض المؤشرات التي أعادته إلى مكانته الطبيعية بعيدًا عن ذيل الترتيب في التقارير الدولية، ولكن ما زالت هناك بعض المشكلات التي تحتاج إلى تدخل لضمان تحقيق الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة التي أقرتها الأمم المتحدة منذ 2015 والذي يتعلق بتقديم تعليم جيد ومنصف وشامل للجميع.

محمود سلامة
باحث ببرنامج السياسات العامة