النزول على الأرض ركضًا!

رئيس الهيئة الإستشارية

يقال دائما إن جندي المظلات المتمكن هو الذي يبدأ الركض والحركة في عمومها بمجرد ملامسته للأرض، لأنه ساعتها يكون جاهزا للاشتباك الفوري مع الأعداء. كان ذلك ما فعله الرئيس الأمريكي «جو بايدن» يوم الأربعاء الماضي عندما قام بحلف اليمين، وإلقاء خطاب التنصيب ثم الطرح الفوري لبرنامج عمل بعض منه يطبق فور إلقائه، وبعضه يوضع على رأس أعمال الإدارة الجديدة خلال المائة يوم المقبلة. بايدن هنا يريد أن يأخذ الأمة الأمريكية في أحضانه ولا يتركها لما هو متوقع من ألاعيب ترامب الجديدة والتي كان آخرها رفضه الحضور إلى حفل التنصيب كما جرت التقاليد القديمة؛ ولم يكن في ذلك يعبر عن رفضه لانتخاب منافسه،…

د. عبد المنعم سعيد
رئيس الهيئة الإستشارية

يقال دائما إن جندي المظلات المتمكن هو الذي يبدأ الركض والحركة في عمومها بمجرد ملامسته للأرض، لأنه ساعتها يكون جاهزا للاشتباك الفوري مع الأعداء. كان ذلك ما فعله الرئيس الأمريكي «جو بايدن» يوم الأربعاء الماضي عندما قام بحلف اليمين، وإلقاء خطاب التنصيب ثم الطرح الفوري لبرنامج عمل بعض منه يطبق فور إلقائه، وبعضه يوضع على رأس أعمال الإدارة الجديدة خلال المائة يوم المقبلة. بايدن هنا يريد أن يأخذ الأمة الأمريكية في أحضانه ولا يتركها لما هو متوقع من ألاعيب ترامب الجديدة والتي كان آخرها رفضه الحضور إلى حفل التنصيب كما جرت التقاليد القديمة؛ ولم يكن في ذلك يعبر عن رفضه لانتخاب منافسه، وإنما لأنه يريد خلق قصة إخبارية جديدة عن الرئيس الذي لم يحضر. ولكن الرئيس الجديد بدأ قصته حتى قبل فوزه فى الانتخابات عندما نجح في جذب الجمهور الأمريكي إلى قصة جديدة قوامها الإنجاز، خاصة تجاه ما هو أكثر الأمور خطرا على الإنسان الأمريكي والمتعلقة بوباء «كوفيد ١٩».

في خطاب تنصيبه لم يكن بايدن مهتما بالحديث عن مستقبل أمريكا وأقدارها التى على المواطن الأمريكي أن يرتفع إلى أسقفها العالية، كما فعل جون كنيدي عندما قال لا تسأل ماذا أعطاك وطنك، ولكن تساءل عما يمكن أن تفعله لهذا الوطن. الخطاب بات خالدا فى «الخطابة» الأمريكية، وكذلك كان خطاب أوباما الذي جعل من انتخابه كأول رئيس من أصول إفريقية مناسبة لطرح ما اعتبره القيم الأمريكية الأساسية والتى سوف يعتبرها نبراسا لإدارته. خطاب ترامب كان عكس ذلك كله، وبشكل ما كان من حيث الكلمات مضادا لكل من كنيدى وأوباما فلا كان هو راضيا عن ماضى أمريكا المتصور، ولا عن مستقبلها المتوقع، هو كان يريد «أمريكا أولا» وأخيرا أيضا وكفى.

بايدن أصبح ابن اللحظة التاريخية التى فرضت عليه أن ينزل إلى الأرض وهو يجرى لأنه يفعل ذلك وسط عاصمة متوترة وجمهور ديمقراطى مفرط فى توقعاته الليبرالية، وجمهور جمهورى مفرط فى غضبه المحافظ والرجعى. لم يكن أمام الرئيس إلا أن يعود فورا إلى الفضيلة الأمريكية الرئيسية وهى «البرجماتية»، أن يكون هناك ما هو عملى وما هو مشاهد ورأى العين وليس فيه خيال. خَطط «الرئيس المنتخب» رغم كل العقبات التى وضعها ترامب أثناء المرحلة الانتقالية لتغيير شكل الحكومة الأمريكية بسرعة من خلال خطاب تنصيب طموح، وحزمة تشريعية تهدف إلى التعافى من فيروس كورونا، ومجموعة من الأوامر التنفيذية المصممة للإشارة إلى انفصال فورى عن الرئيس ترامب. فى اليوم الذى تولى فيه منصبه، كان بايدن جاهزا لإعادة الولايات المتحدة إلى اتفاقيات باريس المناخية وإلغاء الحظر المفروض على دخول الولايات المتحدة لمواطنى بعض الدول ذات الأغلبية المسلمة؛ والتوقيع على أمر بتوسيع نطاق القيود على التجمعات مع التأكيد على «التباعد الاجتماعى»، وفرض لباس الكمامة ساعة التواجد فى الممتلكات الفيدرالية.

أصبح بايدن يسابق الزمن الذى بات يعنى وفاة أمريكيين مع كل ساعة ويعنى أنه مع كل إجراء وقائى فإنه يعنى إنقاذ أمريكيين آخرين؛ وأكثر من ذلك فإنه سوف يسمح بإعطاء إشارة لإجراءات تنفيذية لمساعدة المدارس على إعادة فتح أبوابها، ووضع معايير أكثر وضوحًا للصحة العامة. قبل أسبوع نقلت «الواشنطن بوست» عن رئيس موظفى البيت الأبيض «رون كلاين» فى مذكرة قوله «سيتخذ الرئيس المنتخب بايدن إجراءات- ليس فقط لعكس الأضرار الجسيمة لإدارة ترامب- ولكن أيضًا لبدء دفع بلادنا إلى الأمام». فى أيامه الأولى فى المنصب، يعتزم بايدن أيضًا إرسال العديد من التشريعات إلى الكونجرس بما فى ذلك مشروع قانون شامل للهجرة. وفى تصريحات الأسبوع الماضى، بدأ فى تحديد التشريعات التى يعتبرها الأكثر إلحاحًا خطة ١.٩ تريليون دولار تهدف إلى مواجهة الكورونا، واعدا بخطط أخرى للانتعاش الاقتصادى والبنية الأساسية.

كانت «برجماتية» بايدن عاكسة ليس فقط لشخصيته «المؤسسية» وإنما لفكره الواقعى الذى يعمل على تغيير الواقع من خلال ما هو ممكن وما هو حاصل على الرضا من المواطنين. لم يكن الرجل باحثا عن «كاريزما» أخاذة مشعة بالأفكار العظيمة؛ ولا بالسياسى الذى يعد الناس بانقلاب الدنيا كلها رأسا على عقب، ولا هو بالثورى الذى يتلاعب بمشاعر الخوف والاضطراب ويعدهم بحياة مجيدة وعظيمة. هو رئيس يحل المشكلات والمعضلات، ويجعل القطارات تسير فى مواعيدها، والأطفال تذهب إلى المدارس، والمصانع تدور على مدار الساعة، بينما العالم، وبقدر الإمكان، يعيش حالة من الاستقرار الممكن، لا أكثر ولا أقل.

نقلا عن جريدة المصري اليوم، ٢٤ يناير ٢٠٢١.

د. عبد المنعم سعيد
رئيس الهيئة الإستشارية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

البعث