ولما كانت الذكرى العاشرة

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

لن يتوقف الجدل حول ما حدث في العالم العربي والشرق الأوسط في تلك الأيام قبل عشرة أعوام، عندما خرج الملايين للشوارع في مدن عربية عدة احتجاجا على أوضاع المجتمع والاقتصاد والحكم. الحدث كبير وغير مسبوق، ومن الطبيعي أن يختلف الناس في تقييمه، وأظن أننا كلما ابتعدنا عن الحدث، زادت قدرتنا على تقييمه بطريقة أكثر موضوعية، وأقل انفعالا بذكريات الاحتجاجات والميادين.  في عواصم عربية عدة، خرج الناس إلى الشوارع في موجات كبيرة، ركبها الإخوان، فقد كانوا القوة الوحيدة المنظمة في تلك الأيام. كان هناك كثير من الإخوان وقليل جدا من الديمقراطيين الحقيقيين. عندما تكون الغلبة للإخوان وأشباههم فإنه لا تكون هناك…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

لن يتوقف الجدل حول ما حدث في العالم العربي والشرق الأوسط في تلك الأيام قبل عشرة أعوام، عندما خرج الملايين للشوارع في مدن عربية عدة احتجاجا على أوضاع المجتمع والاقتصاد والحكم. الحدث كبير وغير مسبوق، ومن الطبيعي أن يختلف الناس في تقييمه، وأظن أننا كلما ابتعدنا عن الحدث، زادت قدرتنا على تقييمه بطريقة أكثر موضوعية، وأقل انفعالا بذكريات الاحتجاجات والميادين. 

في عواصم عربية عدة، خرج الناس إلى الشوارع في موجات كبيرة، ركبها الإخوان، فقد كانوا القوة الوحيدة المنظمة في تلك الأيام. كان هناك كثير من الإخوان وقليل جدا من الديمقراطيين الحقيقيين. عندما تكون الغلبة للإخوان وأشباههم فإنه لا تكون هناك فرصة حقيقية يمكن الفوز بها، ولكن فقط نكبات محققة، الفائز هو من يتجنبها. خطف السلفيون الجهاديون الثورة السورية، التي تحولت بسرعة إلى ثورة مسلحة، فانزوى المعتدلون والمثقفون الديمقراطيون. في اليمن قاد حزب الإصلاح الإخواني الثورة على الرئيس الراحل علي عبد الله صالح، فخلق أجواء استقطاب ديني وطائفي، أنتجت في النهاية حزب أنصار الله الشيعي، المعروف بالحوثيين. في ليبيا تداخلت القبلية والجهوية والسلفيين والإخوان لتصنع لنا خليطا فريدا مازال مستعصيا على جهود الحل. خسر الإخوان الليبيين انتخابات يونيو 2014، فلم يفوزوا سوى بثلاثين من أصل مائتي مقعد، فلجأوا إلى السلاح، واختطفوا العاصمة، وأجبروا مجلس النواب المنتخب على الفرار إلى طبرق، ومن يومها وليبيا في حرب أهلية. 

احتل المتأسلمون المجال السياسي في سوريا واليمن وليبيا، فوقعت البلاد الثلاثة فريسة لحروب أهلية. مصر وتونس تجنبا المصير المظلم. ركب الإخوان الموجة الثورية في مصر، واستخدموا تنظيمهم الحديدي وأموالهم الوفيرة للفوز بأكثرية مقاعد البرلمان ورئاسة الجمهورية. قضى الإخوان فترة قصيرة في الحكم، لكنها كانت كافية لتأكيد نيتهم في استبعاد القوى الأخرى، ولتحويل مصر إلى ما يشبه نظام حكم الملالي الإيرانين، حيث تتركز السلطة في يد مرشد التنظيم ونوابه المقربين، بديع والشاطر، فيما يبقى الرئيس المنتخب واجهة ديمقراطية محرومة من السلطة ومعطلة عن العمل، ولولا ثورة الشعب في الثلاثين من يونيو لكنا اليوم نعيش تحت دكتاتورية إخوانية، تستخدم الدين لإضفاء الشرعية على القمع والانفراد بالسلطة.  

ساندت أمريكا حكم الإخوان بحجة الانتخابات. رفض الأمريكيون ما قلناه عن أن انتخابات الإخوان هي انتخابات لمرة واحدة فقط، وطالبونا بالانتظار حتى يحدث ذلك فعلا؛ أو أن نتحلى بالهدوء فيما نساق إلى المقصلة. كان مطلوبا لمصر أن تتحول إلى حقل تجارب لاختبار نظرية روجها ليبراليون ويساريون أمريكيون عن ديمقراطية الإخوان. كان مطلوبا منا دفع ثمن حكم مبارك مرتين؛ مرة عندما أضعف كل القوى السياسية، سامحا للإخوان وحدهم بحرية الحركة؛ ومرة ثانية عندما فشل في الدفاع عن نظامه، فسلمنا لحكم الإخوان. أنا أو الإخوان؛ كانت هذه خطة مبارك للإبقاء على حكمه، متصورا أنه سيخرج رابحا في أي عملية تفضيل واختيار بين نظامه وحكم الإخوان. كانت صدمة مبارك كبيرة عندما وجد الأمريكيون، وآخرون غيرهم في الغرب، مستعدين لإعطاء الإخوان فرصة، هي في الحقيقة الأولى والأخيرة، فكل ما يحتاجه تنظيم إيديولوجي مغلق مثل الإخوان هو فرصة واحدة فقط، ليحولها إلى سلطة مطلقة أبدية. ألم يقل أحد زعمائهم أنهم جاءوا ليبقوا في الحكم لمائتي عام ؟

تفردت تونس بحالة نادرة من التوازن بين الإخوان وخصومهم الديمقراطيين، فحرموا الإخوان من الانفراد بالسلطة، وتأسس نظام قائم على التوازن والمحاسبة. تجنبت تونس الصراعات الدامية، وإن كانت قد دخلت في أزمة ثقة وصراع سياسي ممتد بين شركاء الحكم من الإخوان وغيرهم. 

نجحت مصر وتونس في تجنب كارثة حلت بباقي بلاد الربيع المزعوم، فيما يقدم البلدان نموذجين مختلفين لإدارة المجتمع والسياسة والاقتصاد في مرحلة ما بعد الثورة. ركزت تونس، بفضل التوازن السياسي والإيديولوجي، على قضايا الحقوق والحريات، فيما ركزت مصر على قضايا التنمية الاقتصادية والحماية الاجتماعية. تجاهد الحكومة في تونس من أجل إرضاء كل الأطراف السياسية حفاظا على التوازن بينها، الأمر الذي يحد من قدرتها على تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية. فقد تراجع الناتج المحلي الإجمالي في تونس بنسبة 12% في الفترة 2010 – 2019، منخفضا من 44.05 إلى 38.8 مليار دولار، كما انخفض متوسط دخل الفرد في الفترة نفسها بنسبة 18%، فتراجع من 4130 إلى 3370 دولار. ورغم التراجع فإن متوسط دخل الفرد في تونس مازال أعلى من نظيره في مصر، وإن كانت مصر تحقق قفزات كبيرة تؤهلها لعبور الفجوة في فترة ليست طويلة. فرغم أن معدل الزيادة السكانية في مصر يبلغ ضعف معدله في تونس، فقد زاد الناتج المحلي الإجمالي في مصر في الفترة 2010 – 2019 بنسبة 34%، مرتفعا من 218.98 إلى 303.09 مليار دولار، فيما زاد متوسط دخل الفرد بنسبة 13%، مرتفعا من 2370 إلى 2690 دولار سنويا للفرد، خلال نفس الفترة. 

لا يمكن للمقارنة بين النهجين أن تكون أوضح مما عليه في الحالتين المصرية والتونسية. لقد فازت النخب السياسية في تونس بالحريات والحقوق، لكن يبدو أن هذا جاء على حساب الطبقات الوسطى والدنيا. الوضع في مصر يبدو معكوسا، فالتنمية الاقتصادية والاجتماعية لها الأولوية على الاحتياجات السياسية للنخب. المهم هو أن البلدين نجحا في الابتعاد عن خطر الفوضى الذي سقطت فيه بلاد مجاورة. والمهم أيضا هو أن لكلا البلدين فرصة لتدارك ما فاته، فتحقق مصر انفتاحا سياسيا تبدو مؤهلة له ومقدمة عليه، فيما تتوافق النخبة التونسية على استثناء قضايا الاقتصاد والتنمية من الشلل الناتج عن توازنات السياسة. فهل تتقدم الأمور فعلا في هذه المسارات؟ 

نقلا عن جريدة الأهرام، الخميس ٢٢ يناير ٢٠٢١.

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب