القمة العالمية لـ”بايدن” لنشر الديمقراطية

مساعد وزير الخارجية السابق

ما إن أعلن “جو بايدن” في إطار برنامجه الانتخابي عن توجهه إلى عقد قمة عالمية للديمقراطية خلال السنة الأولى من فترة رئاسته لتركز -ضمن جملة أمور- على نشر الديمقراطية ومكافحة الفساد وحماية حقوق الإنسان، حتى تباينت ردود الأفعال التي تفاعلت مع هذا الاقتراح، والتي يمكن تقسيمها إلى ثلاث مجموعات ركز أولها على تأكيد أهمية قيام الولايات المتحدة الأمريكية بدور مركزي على المستوى الدولي من أجل نشر الديمقراطية، ومقاومة نظم الحكم الديكتاتورية الاستبدادية، في حين أشارت المجموعة الثانية إلى أن فكرة تشكيل تحالف فيما بين الديمقراطيات المختلفة تحت مسمى D.10 يشمل الدول الأعضاء في الـG.7 يُضاف إليها الديمقراطيات الثلاث، وهي أستراليا…

السفير عمرو حلمي
مساعد وزير الخارجية السابق

ما إن أعلن “جو بايدن” في إطار برنامجه الانتخابي عن توجهه إلى عقد قمة عالمية للديمقراطية خلال السنة الأولى من فترة رئاسته لتركز -ضمن جملة أمور- على نشر الديمقراطية ومكافحة الفساد وحماية حقوق الإنسان، حتى تباينت ردود الأفعال التي تفاعلت مع هذا الاقتراح، والتي يمكن تقسيمها إلى ثلاث مجموعات ركز أولها على تأكيد أهمية قيام الولايات المتحدة الأمريكية بدور مركزي على المستوى الدولي من أجل نشر الديمقراطية، ومقاومة نظم الحكم الديكتاتورية الاستبدادية، في حين أشارت المجموعة الثانية إلى أن فكرة تشكيل تحالف فيما بين الديمقراطيات المختلفة تحت مسمى D.10 يشمل الدول الأعضاء في الـG.7 يُضاف إليها الديمقراطيات الثلاث، وهي أستراليا والهند وكوريا الجنوبية، تبدو أكثر واقعية عن محاولة عقد قمة عالمية توجه الدعوة لحضورها إلى مجموعة من الدول البعيدة تمامًا عن الأخذ بالنظام الديمقراطي، ومنها: روسيا، والصين، وفنزويلا، وتركيا، وبولندا، والمجر، وغيرها أيضًا. وأكدت المجموعة الثالثة على ضرورة التركيز على التحديات التي تواجه مختلف الدول الديمقراطية والناجمة عن أزمة (كوفيد-19)، فضلًا عن تلك المتعلقة بتغير توازنات القوى العالمية والتي يدخل في إطارها تزايد الثقل الاقتصادي والعسكري للصين، وتزايد نفوذ روسيا في تناول العديد من القضايا الدولية والإقليمية.

وفور حدوث اقتحام الكونجرس الأمريكي يوم ٦ يناير الماضي، ظهرت مجموعة رابعة من الآراء لتؤكد على أن الولايات المتحدة الأمريكية في ظل ظروفها الراهنة لم تعد في وضع يسمح لها بالحديث عن نشر الديمقراطية على المستوى الدولي؛ إذ من الأهمية بمكان بدلًا من عقد قمة عالمية للديمقراطية أن يتم عقد مؤتمر وطني لإصلاح الديمقراطية الأمريكية، وهو ما أكدته المقالة الصادرة يوم ٧ يناير في دورية الـForeign Policy المعنونة “أمريكا لا يمكنها التركيز على نشر الديمقراطية عالميًا، في الوقت الذي تبدو فيه عاجزة عن معالجة الديمقراطية الأمريكية”، وكذلك المقالة المنشورة في دورية الـForeign Affairs يوم ٩ يناير تحت عنوان “أمريكا في حاجة قمة لعلاج ديمقراطيتها”، أعقب ذلك مقالة ثالثة في ١٤ يناير في الدورية نفسها تناولت اقتحام الكونجرس الأمريكي، وماهية الدوافع التي حدت بالآلاف من الأمريكيين للقيام بهذا العمل.

وجاءت صور نشر قوات عسكرية في واشنطن (يعادل تعدادها أضعاف إجمالي عدد القوات الأمريكية المتمركزة في أفغانستان والعراق وسوريا) لتأمين مراسم تنصيب الرئيس “بايدن” يوم الأربعاء ٢٠ يناير لتُلقي الضوء على خطورة ما آلت إليه حاله الديمقراطية الأمريكية.

وعلى الرغم من الأهمية التي قد تبدو عليها الفكرة التي طرحها الرئيس “بايدن” المتعلقة بعقد قمة للديمقراطية؛ إلا أنها -في حقيقة الأمر- لا تُعد فكرة جديدة، إذ سبق وأن تبنتها إدارة الرئيس “كلينتون”، حيث دعت وزيرة الخارجيه “مادلين أولبرايت” -آنذاك- إلى اجتماع لوزراء خارجية ١٠٦ دول في بولندا لإطلاق ما عُرف “بمجتمع الديمقراطيات” Community of Democracies CoD، وهو تحالف حكومي دولي لا يزال قائمًا حتى الآن، وصدر عن هذا الاجتماع إعلان وارسو الذي تم إقراره في ٢٧ يونيو عام ٢٠٠٠ والذي أكد على ضرورة الالتزام بمبادئ عقد انتخابات حرة ونزيهة، وحكم القانون، وحرية الرأي والتعبير، وحرية الفكر، والحرية الدينية، والمساواة في الحصول على التعليم، وحق التظاهر السلمي، وحق الأقليات في الحماية المتساوية، وإلغاء الاعتقال والحجز التعسفي والقضاء على التعذيب. ومن غير المعروف ما إذا كانت القمة الجديدة المقترحة ستتمكن من الخروج بنتائج إضافية عن تلك التي سبق إقرارها من قبل ومدى التزام كافة الدول دون استثناء بتطبيقها دون معايير مزدوجة.

فبالتوازي مع ما تصفه العديد من التقارير الدولية بتآكل الديمقراطية أو بأزمة الديمقراطية في أكثر دول العالم تقدمًا، والتي تتمثل أبرز صورها في تزايد ثقل التيارات اليمينية والشعبوية، وحتى العنصرية، وارتفاع معدلات عدم المساواة inequalities، والفقر، وتركز الثروة في نسبة ضئيلة من السكان، وتراجع مستويات الثقة في الأحزاب السياسية التقليدية وفي المؤسسات السياسية وحتى الإعلامية، يلاحظ أن ردود الأفعال على فكرة عقد تلك القمة، وإن كانت قد أشارت إلى “الدول الديمقراطية” إلا أنها تجنبت تمامًا التطرق إلى مدى التزام تلك الدول بمبادئ الديمقراطية في علاقاتها الخارجية، فعلى الرغم مما تشمله أهداف السياسة الخارجية والأمنية المشتركة للاتحاد الأوروبي من اهتمام بتطوير وتدعيم الديمقراطية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، وما تضمنته معاهده الاتحاد الأوروبي ذاتها، وما أكدته الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، وخطة العمل الأوروبية لحمايه الديمقراطية؛ إلا أنه من الثابت أن الاتحاد الأوروبي سبق وأن توصل عام ٢٠١٦ إلى اتفاقية مع تركيا حول اللاجئين تمثل انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني، فالاتحاد الأوروبي وإن كان قد قام بفرض عقوبات على روسيا؛ إلا أن ذلك لم يعرقل تمسك الاتحاد الأوروبي بتنفيذ المرحلة الثانية من مشروع North Stream Pipeline بقيمة ١١ بليون دولار لنقل الغاز الطبيعي الروسي إلى أوروبا. ورغم ما صدر عن البرلمان الأوروبي من إدانة لأوضاع حقوق الإنسان في الصين؛ إلا أن ذلك لم يمنع توصل الاتحاد الأوروبي معها إلى اتفاقية للاستثمار.

ومع كل ما يقال عن اهتمام مختلف الديمقراطيات بحقوق الإنسان؛ إلا أنه من الملاحظ أن تركيزها أصبح ينصب بدرجة رئيسية على مجرد “الحالات الفردية” لانتهاكات حقوق الإنسان المتعلقة بحالات حرية التعبير وسجناء الرأي والاحتجاز التعسفي وحق التظاهر السلمي والعراقيل التي تواجه أنشطة منظمات المجتمع المدني، حيث يتم استغلالها بشكل انتقائي وفقًا للأولويات التي تتباين من حالة دولة لأخرى وفقًا لمجموعة من العوامل المتصلة بالمصالح السياسية والاقتصادية ومقتضيات التعامل مع عدد من القضايا الإقليمية والدولية، وتظل تلك الدول عاجزة -إلى حد كبير- عن تناول حالات “الانتهاكات الجسيمة” لحقوق الإنسان المتعلقة بالعدوان والاحتلال وتمويل الإرهاب واستخدام المرتزقة ومجمل انتهاكات القانون الدولي العام والإنساني، وتعد مواقفها من الممارسات التي تقوم بها كل من إسرائيل وتركيا مثالًا واضحًا على ذلك.

وتظل الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان من بين الأهداف السامية التي تسعى كافة المجتمعات للوصول إليها؛ إلا أن ذلك لا يجب أن يعطي الحق لدولة أو لمجموعة من الدول في التدخل العسكري أو ممارسة الضغط السياسي بهدف تغيير نظم حكم قائمة تحت دعاوى نشر الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، حيث ثبت من مختلف تجارب العراق وسوريا وليبيا أن انتهاك سيادة دول والتدخل في شئونها الداخلية قد أدى إلى مآسٍ إنسانية وخسائر اقتصادية وتصاعد للإرهاب والأصولية والتطرف، وخلق أزمة للاجئين تعد الأكبر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وزعزعة الأمن والاستقرار الإقليمي، فقضية نشر الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان لا يجب النظر إليها كقضية منفصلة عن احترام القانون الدولي حتى لا تتحول الأمور إلى نشر للفوضى وإلى تدمير دول وتمزيق مجتمعاتها.

السفير عمرو حلمي
مساعد وزير الخارجية السابق

مقالات أخرى للكاتب