وحدة الدراسات الاقتصادية

2020: عام الحروب التجارية

سيطرت الحروب / النزاعات التجارية شرقًا وغربًا على الاقتصاد العالمي خلال عام 2020، بعدما بدأتها الولايات المُتحدة في النصف الثاني من عام 2018 بحرب تعريفات جمركية مع الصين امتدت بعدها لتطال شُركاءها جميعًا وعلى رأسهم الاتحاد الأوروبي والمكسيك واليابان، كما لم تَنجُ الهند من لهيبها. ولفرض إرادتها دون خسائر، عمدت الإدارة الأمريكية إلى تعطيل مُنظمة التجارة العالمية، مما اضطر عددًا من هؤلاء الشركاء إلى الرد بعيدًا عن أروقة المنظمة وقواعد التجارة العالمية، الأمر الذي شجع عددًا آخر من الدول على شن حروبها التجارية الخاصة، مثل الحرب بين كوريا واليابان، والحرب بين أستراليا والصين. وقد وقعت هذه الأحداث في ظل هيمنة…

د. محمد شادي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

سيطرت الحروب / النزاعات التجارية شرقًا وغربًا على الاقتصاد العالمي خلال عام 2020، بعدما بدأتها الولايات المُتحدة في النصف الثاني من عام 2018 بحرب تعريفات جمركية مع الصين امتدت بعدها لتطال شُركاءها جميعًا وعلى رأسهم الاتحاد الأوروبي والمكسيك واليابان، كما لم تَنجُ الهند من لهيبها. ولفرض إرادتها دون خسائر، عمدت الإدارة الأمريكية إلى تعطيل مُنظمة التجارة العالمية، مما اضطر عددًا من هؤلاء الشركاء إلى الرد بعيدًا عن أروقة المنظمة وقواعد التجارة العالمية، الأمر الذي شجع عددًا آخر من الدول على شن حروبها التجارية الخاصة، مثل الحرب بين كوريا واليابان، والحرب بين أستراليا والصين. وقد وقعت هذه الأحداث في ظل هيمنة إجراءات الإغلاق التي فرضتها جائحة كورونا على دول العالم، مما أشاع شعورًا بدخول حُرية التجارة العالمية منعطفًا خطيرًا في تاريخها، قد يُسفر عن تغيرات جذرية عليها وعلى الاقتصاد العالمي بشكل عام.

أولًا- الحروب التجارية للولايات المُتحدة الأمريكية:

تُعتبر الحرب بين الصين والولايات المُتحدة الأمريكية خلال العامين الماضيين هي أشرس الحروب التي شُنت خلال القرن الحالي، بينما أقدمها هي الحرب مع الشُركاء الأوروبيين، إذ يرجع تاريخها إلى خمسينيات القرن الماضي، وخاصة حول صناعة الطيران المدني.

1 – الحرب مع الصين

بدأت الحرب فعليًا بفرض تعريفات جمركية بنسبة 25% على ما قيمته 50 مليار دولار من الواردات الصينية في 15 يونيو 2018، ردت عليها الصين بتعريفات مُماثلة بذات النسبة وعلى ذات القيمة من الواردات الأمريكية في اليوم التالي، ونتج عن هذه الإجراءات سلسلة متوالية من الفعل ورد الفعل على الجانبين انتهت إلى رفع تعريفات جمركية على 550 مليارًا من الواردات الصينية إلى الولايات المُتحدة، و185 مليار دولار من الواردات الأمريكية إلى الصين. لم تقف الحرب عند حد التجارة في السلع، بل تحولت إلى حرب تكنولوجية، حيث استهدفت الولايات المُتحدة عددًا من أهم وأضخم شركات التكنولوجيا الصينية، وعلى رأسها عملاق تكنولوجيا الاتصالات والهواتف الذكية هواوي، وSMIC المشهورة بصناعة الرقائق الإلكترونية، وصانع الطائرات المُسيرة DJI، بالإضافة إلى قائمة أخرى يتم تحديثها دائمًا تتضمن عشرات الشركات الأخرى، جاء آخر تحديث لها في 15 يناير 2021، حيث أُدرجت بموجبه 9 شركات أخرى على رأسها شاومي “Xiaomi” ثاني أهم مُصنعي الهواتف الذكية الصينية، وشركة COMAC القوة الجديدة في صناعة الطائرات التجارية والمملوكة للحكومة الصينية.

وأتت هذه التصعيدات المُتوالية من الإدارة الأمريكية برغم ما كانت انتهت إليه الدولتان من توقيع اتفاق تجاري في 15 يناير 2020، فيما سُمي بالمرحلة الأولى من التسوية التجارية، تضمن رفع الصين وارداتها السلعية والخدمية من الولايات المُتحدة بوتيرة مُتصاعدة خلال الفترة 2020-2022 بمقدار 76.7 مليار دولار في العام الأول لتصل إلى 200 مليار دولار في العام الثالث، وذلك مُقارنة بالواردات في عام 2017 الذي سجل أعلى صادرات سلعية للولايات المُتحدة إلى الصين في تاريخ التبادل التجاري بينهما بنحو 129 مليار دولار. ويستعرض الجدول التالي سلع الاتفاق التجاري بين الدولتين بالمليار دولار:

جدول 1 – سلع المرحلة الأولى من الاتفاق التجاري بين الولايات المُتحدة الأمريكية والصين

وبحلول شهر ديسمبر 2020 أجرت بلومبرج مسحًا لمدى التزام الصين بالاتفاق تبين من خلاله أنها لم تتجاوز 50.5% من مُقررات الاتفاق، لكن الوكالة أرجعت ذلك أساسًا لانخفاض أسعار الطاقة وما شهدته بوينج من مشاكل أجلت شراء السُلطات الصينية لمُنتجاتها، وفي المُحصلة انخفض العجز التجاري بين الدولتين من مستوى 418.9 مليار دولار في كامل 2018، إلى 345.5 مليار في 2019 ثم إلى 283.5 مليار دولار في الأحد عشر شهرًا الأولى من 2020، وهو أدنى مستوى مُنذ 2012، كما يوضح الشكل التالي:

شكل 1 

جاء انخفاض العجز أساسًا من انخفاض الصادرات الصينية إلى الولايات المُتحدة لكن دون ارتفاع في الصادرات الأمريكية إلى الصين كما خططت المرحلة الأولى من الاتفاق التجاري بين الدولتين، حيث انخفضت الواردات الصينية من مستوى 493.3 مليار دولار في الأحد عشر شهرًا الأولى من 2018 إلى 393.5 مليار دولار في 2020 حتى نوفمبر. كما انخفضت الصادرات الأمريكية من مستوى 111 مليار دولار في 2018 إلى 110 مليارات في الأحد عشر شهرًا الأولى من 2020. وجدير بالإشارة كذلك أن جزءًا مُعتبرًا من الانخفاض في 2020 يرجع إلى الجائحة وما سببته من أضرار فادحة للتجارة الدولية بشكل عام، لا تُستثنى منها التجارة بين الدولتين. 

2- الحرب مع الاتحاد الأوروبي

في ظل الحرب المُحتدمة مع الصين، بدأت الإدارة الأمريكية في اتخاذ قرارات عدائية تجاه الاتحاد الأوروبي، خصوصًا في مجالي الطيران المدني وبعض السلع الرئيسية الأخرى القادمة من الدول الأوروبية، مثل الشاحنات الألمانية والبيرة الفرنسية والزيتون الإيطالي والإسباني، حيث أعلن المُمثل التجاري للولايات المُتحدة الأمريكية في 26 يناير 2020 عن بدء إجراءات إعادة النظر في التعريفات الجمركية المفروضة على الواردات من الاتحاد الأوروبي، وذلك بموجب المادة 301 من قانون التجارة الأمريكي الصادر في 1974، وهو القانون نفسه الذي تُفرض بموجبه تعريفات جمركية على الصين، على أن تتم هذه المُراجعة على 395 سلعة وقد تصل نسب الرفع إلى نحو 100%، وذلك ردًا على المُساعدات التي تُقدمها دول الاتحاد لصانع الطائرات الأوروبي Airbus.

أتى هذا الإعلان على الرغم من أن مُنظمة التجارة العالمية كانت قد خولت الولايات المُتحدة في أكتوبر 2019 بفرض تدابير مضادة على 7.5 مليارات دولار أمريكي من السلع ذات المنشأ الأوروبي. وبناءً عليه، فرضت الإدارة الأمريكية اعتبارًا من 18 أكتوبر 2019، بموجب المادة 301 تعريفة إضافية بنسبة 10٪ على واردات الطائرات الجديدة من دول منشأ فرنسا وألمانيا وإسبانيا والمملكة المتحدة، بالإضافة إلى تعريفة عقابية بنسبة 25٪ على أكثر من 150 فئة من البضائع من دول الاتحاد الأوروبي. لكن في فبراير 2020 أُعلن عن تعديلات على 4 سلع فقط من بين القائمة الطويلة التي أُعلن عنها في البداية، وعلى وجه التحديد، رُفعت الرسوم الجمركية المفروضة على الطائرات الجديدة الواردة من فرنسا وألمانيا وإسبانيا والمملكة المتحدة إلى 15٪ اعتبارًا من 18 مارس 2020. مُجددًا في 23 يونيو أعلن مكتب الممثل التجاري للولايات المتحدة عن خطط لتعديل قائمة منتجات الاتحاد الأوروبي الخاضعة للتعريفات العقابية مرة أخرى.

على الجانب الأوروبي، اتخذت خطوات أكثر تصعيدًا في اتجاه عمالقة التكنولوجيا، التي تُعتبر أصلًا أمريكية مثل آبل وجوجل وفيسبوك، وغيرها بمستوى 3%، وهو ما قد يُدر على الاتحاد نحو 5 مليارات دولار من العوائد سنويًا، وهو ما اعتبرته الإدارة الأمريكية ضريبة انتقامية موجهة لها. في الوقت نفسه، يقول الاتحاد إن أكثر من 150 شركة غير أمريكية ستخضع للضريبة، لكن الإدارة الأمريكية تتخوف من أن تؤدي حركة الاتحاد الأوروبي إلى خلق موجة عالمية تُكلف شركات التكنولوجيا الأمريكية جزءًا كبيرًا من أرباحها خارج الحدود الأمريكية، لذلك هددت الإدارة الأمريكية باتخاذ إجراءات عقابية إذا ما سلك الاتحاد الأوروبي هذا الطريق. هذه التهديدات المُتبادَلة كانت قد خفتت بسبب المعركة الانتخابية الأمريكية خلال النصف الثاني من العام، حيث عول الاتحاد الأوروبي على تغيير يأتي من الداخل الأمريكي وهو ما تحقق فعلًا بعد انتخاب “جو بايدن” بدلًا من “دونالد ترامب”، وبناء عليه يجري الآن الإعداد لخُطة “تطبيع” العلاقات التجارية الأمريكية الأوروبية، وتضمنت عدة محاور يستعرض الجدول التالي أهمها:

جدول 2 – يوضح أهم محاور الخُطة الأوروبية لاستعادة العلاقات مع الولايات المُتحدة تحت إدارة “ترامب”

في المُحصلة، لم تنعكس التوترات بشكل ضخم على التبادل بين الطرفين -إذا استبعد تأثير كورونا على التجارة العالمية- حيث انخفضت الصادرات الأمريكية إلى أوروبا إلى حوالي 218.5 مليار دولار، في حين انخفضت الواردات من أوروبا إلى 380.6 مليار دولار، مما قلص العجز التجاري إلى 162 مليار دولار خلال الأحد عشر شهرًا الأولى، في حين بلغت الصادرات الأمريكية في 2019 نحو 336.7 مليار، أما الواردات من أوروبا فقد تجاوزت 515 مليارًا وهو ما دفع العجز إلى 178.4 مليار دولار. ويوضح الشكل التالي تطور العجز التجاري الأمريكي مع الاتحاد الأوروبي:

شكل  2 – يوضح تطور العجز التجاري الأمريكي مع الاتحاد الأوروبي

ثانيًا- الحروب غير الأمريكية:

دارت حروب أخرى غير أمريكية خلال العام بين الدول المُتقدمة وبعضها بعضًا وكذلك بين دول نامية، لكن أهم ما يُمكن مُلاحظته على الحروب غير الأمريكية أنها جاءت مدفوعة بالخلافات السياسية بين أطرافها، ولعل أهم ما يُمكن الإشارة إليه في هذا الصدد، الحرب الكورية اليابانية، والصينية الأسترالية.

1- الحرب الكورية اليابانية

بدأت هذه الحرب على إثر قرار للمحكمة العُليا الكورية الجنوبية بقبول دعوى بعض مواطنيها ضد بعض الشركات اليابانية بتعويضهم أو ذريتهم عن إجبارهم على العمل قسريًا لحسابها في ظل الفترة الاستعمارية اليابانية لكوريا الجنوبية في النصف الأول من القرن الماضي، وهو ما استنكرته الحكومة اليابانية بشدة، وردت عليه بفرض حظر على الصادرات اليابانية من المواد الكيميائية والمواد الأخرى الضرورية لإنتاج أشباه الموصلات الضرورية للغاية لأكبر الصناعات التصديرية في كوريا، على أن تكون الموافقة على الصادرات عن طريق أذون مُنفردة خاصة بكل رسالة على حدة، بحيث يستغرق الإذن الواحد نحو 90 يومًا لاستصداره، وهو ما يعني ضرب الصادرات الكورية الجنوبية للعالم في مقتل.

بناء عليه، ردت كوريا الجنوبية بكامل قوتها، حيث أعلنت عن حملات لمُقاطعة السيارات، والملابس، والرحلات والبيرة اليابانية، بالإضافة إلى إعلانها أنها ستسقط اليابان رسميًّا من قائمتها للشركاء التجاريين المفضلين، وتضع اليابان في فئة أدنى أُنشئت خصيصًا لليابان، وكجزء من الفئة الجديدة، سيتعين على المصدرين الكوريين الجنوبيين للسلع “الاستراتيجية” تقديم المزيد من الأوراق والانتظار لفترة أطول قبل أن يتمكنوا من تصديرها إلى اليابان، كما تقدمت في يونيو 2020 بدعوى لجهاز تسوية المُنازعات بمُنظمة التجارة العالمية. وعلى الرغم من أن وتيرة النزاع تصاعدت إلى أعلى درجاتها خلال شهر أغسطس 2020، فقد انضمت الدولتان في الشهر ذاته إلى اتفاقية التجارة الحرة بين 15 دولة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ RECP، بصفتها اتفاقية تجارية متعددة الجنسيات، وبالتالي مثلت RCEP أول اتفاقية للتجارة الحرة بين البلدين، حيث سيتم بموجبها إلغاء نحو 83٪ من التعريفات الجمركية على التجارة بينهما. على إثر ذلك تراجع النزاع بين الدولتين، لكنه حتى وقت كتابة المقال لم تُحل القضايا العالقة بالكامل.

2- الحرب الصينية الأسترالية

ترجع جذور الحرب التجارية بين الدولتين إلى عام 2018 عندما أعلنت أستراليا منع شركة هواوي الصينية من تحديث شبكة اتصالاتها للجيل الخامس استجابة للضغوط الأمريكية، وهو ما اعتبرته الصين إساءة للعلاقات التجارية القوية بين البلدين، مع خشيتها من امتداد القرار إلى دول أخرى تتبع أستراليا في قرارها. تلا ذلك دعوة وجهتها الحكومة الأسترالية للعالم بضرورة تقصي أصول فيروس كورونا، للتعرف على إذا ما كان مُخلقًا معمليًا، وردت الصين بتعريفات جمركية مُرتفعة على الشعير والنبيذ الأسترالي، حيث فرضت رسوم مكافحة إغراق على الشعير بنسبة 73.6٪ ورسوم مكافحة الدعم بنسبة 6.9٪، اعتبارًا من 19 مايو 2020. كما أمرت مُستورديها بعدم شراء عدد كبير من السلع الأسترالية أبرزها الفحم والنحاس والسكر والأخشاب وغيرها. وفي 14 ديسمبر 2020 أبلغت أستراليا عن وجود أكثر من 50 سفينة في الطريق الملاحي بين الموانئ الصينية والأسترالية، رفضت الصين استقبالها. وكانت صادرات الفحم الأسترالية قد بلغت 9.5 مليارات دولار إلى الصين في 2019.

وتعد الصين الشريك التجاري الأول لأستراليا، حيث بلغت الصادرات الأسترالية إلى الصين نحو 89.2 مليار دولار من إجمالي 272.5 مليار دولار وذلك بنسبة 32% من إجمالي صادراتها. لذلك اكتفت أستراليا بالرد على الخطوات الصينية بإعلانات دبلوماسية مُقتضاها أنها لن تُغير من عقيدتها السياسية استجابة للضغوط التجارية الصينية، وأنها ستتقدم بشكوى لمُنظمة التجارة العالمية لتنظر في الإجراءات الصينية بجملتها، وخاصة تلك التي فُرضت بمقتضاها تعريفات على الشعير والنبيذ.
خُلاصة القول، إن عام 2020 قد شهد تفشي حمى الحروب التجارية في ظل غياب تام لفاعلية مُنظمة التجارة العالمية التي تتلخص وظيفتها الأساسية في حماية حُرية التجارة، وحل النزاعات التجارية بين أعضائها بحيث لا تصل التوترات إلى هذه المراحل التي تخنق الاقتصاد العالمي. لكن المُنظمة ذاتها تعرضت لضغوط أمريكية هدمت أهم أجهزتها وهو جهاز تسوية المُنازعات التجارية، حيث فضلت إعاقة عمل الجهاز بالكامل حتى تستطيع شن حروبها على مُختلف الجبهات دون رقابة أو عقوبة من المُنظمات الدولية، لذلك سيحتاج نظام إدارة التجارة العالمية إلى إعادة ترتيب هيكلية بعدما ينقشع رماد المعارك الدائرة، وتستتب الأمور للإدارة الأمريكية الجديدة في الداخل.

د. محمد شادي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة