وحدة الدراسات الاقتصادية

بين الانهيار والانتعاش: أداء أسواق النفط والذهب خلال 2020

كان عام 2020 عامًا مختلفًا لن تنساه أسواق النفط أو الذهب بسبب التقلبات السعرية الشديدة التي شهدها كلٌ منهما على حدٍ سواء. فقد بدأ النفط هذا العام عند مستويات مرتفعة من الأسعار، سرعان ما هوت بقوة عقب انتشار فيروس كورونا ليتراجع الخام الأمريكي إلى سعر غير مسبوق تاريخيًا، ومن ثم تعافت الأسعار بحلول يونيو، لترتفع خلال الأشهر التي تلت ذلك لتصل في نوفمبر وديسمبر إلى أعلى مستوياتها خلال العام. أما عن أسواق الذهب، فقد شهدت أفضل أداء سنوي لها خلال 2020 بدعم من زيادة الإقبال على المعدن النفيس كملاذ آمن للمستثمرين من التقلبات الحادة التي شهدتها باقي الأسواق. سوق النفط:…

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

كان عام 2020 عامًا مختلفًا لن تنساه أسواق النفط أو الذهب بسبب التقلبات السعرية الشديدة التي شهدها كلٌ منهما على حدٍ سواء. فقد بدأ النفط هذا العام عند مستويات مرتفعة من الأسعار، سرعان ما هوت بقوة عقب انتشار فيروس كورونا ليتراجع الخام الأمريكي إلى سعر غير مسبوق تاريخيًا، ومن ثم تعافت الأسعار بحلول يونيو، لترتفع خلال الأشهر التي تلت ذلك لتصل في نوفمبر وديسمبر إلى أعلى مستوياتها خلال العام. أما عن أسواق الذهب، فقد شهدت أفضل أداء سنوي لها خلال 2020 بدعم من زيادة الإقبال على المعدن النفيس كملاذ آمن للمستثمرين من التقلبات الحادة التي شهدتها باقي الأسواق.

سوق النفط: أداء ضعيف واستجابة سريعة للجائحة

تضرر الطلب العالمي على النفط بشدة بسبب فيروس كورونا وما ترتب عليه من إجراءات احترازية تهدف لاحتواء انتشار الوباء. وتمثلت تلك الإجراءات في إغلاق غالبية الاقتصادات حول العالم، وتوقف حركة التجارة العالمية، وتعليق حركة الطيران، وتطبيق حظر التجوال؛ مما أسفر عن تراجع الطلب على النفط مع زيادة المعروض منه. الشكل رقم (1) يوضح تغيرات أسعار النفط خلال عام 2020:

الشكل (1): سعر الخام الأمريكي (دولار للبرميل)

Source: Oil price.com, Oil Price Charts.

الشكل (2): سعر خام برنت (دولار للبرميل)

Source: Oil price.com, Oil Price Charts.

من الشكلين السابقين يُمكن ملاحظة أن الخام الأمريكي تأثر سلبيًا بسبب كورونا بشكل أعمق من خام برنت، ولكن يمكن تقسيم أداء كلٍ منهما خلال العام لأربع فترات متتالية، وذلك على النحو التالي:

أولًا- انخفاضات متتالية في أسعار النفط: 

قامت باتخاذ العديد من الإجراءات واسعة النطاق لاحتواء انتشار فيروس كورونا منذ بداية عام 2020، ولذا انخفض الطلب الصيني على النفط بنحو 1.8 مليون برميل يوميًا على أساس سنوي بالتوازي مع انخفاض الطلب العالمي بنحو 2.5 مليون برميل يوميًا.

وبالإضافة إلى ذلك، ساعد الخلاف بين السعودية وروسيا حول خفض إمدادات النفط وقيام ما يُعرف بـ”حرب الأسعار” على المزيد من التراجع في أسعار النفط؛ فقد كانت منظمة (أوبك +) ملتزمة باتفاق للحد من الإنتاج حتى الحادي والثلاثين من مارس 2020، ولكن في اجتماع المنظمة في السادس من مارس، أعلنت روسيا أنها لن تقيد الإنتاج مرة أخرى اعتبارًا من الأول من أبريل. وردًا على ذلك رفعت السعودية مستويات إنتاجها، الأمر الذي تسبب في تخمة المعروض في الوقت الذي يعاني فيه السوق من تراجع حاد في معدلات الطلب. وخلال أول ثلاثة أشهر من العام، تراجع سعر الخام الأمريكي من حوالي 61 دولارًا للبرميل في يناير ليتداول عند 21 دولارًا للبرميل بحلول أواخر مارس، كما هبط سعر خام برنت من 66 دولارًا للبرميل في بداية العام إلى نحو 26 دولارًا للبرميل بانتهاء الربع الأول من 2020.

ثانيًا- انهيار أسعار النفط لمستويات تاريخية:

في بداية أبريل، اجتمعت الدول الأعضاء بمنظمة (أوبك +) وتم الاتفاق على تخفيض الإنتاج بنحو 9.7 ملايين برميل يوميًا بحلول شهري مايو ويونيو من أجل دعم الأسعار، ليتم تقليص الخفض إلى 7.7 ملايين برميل يوميًا من يوليو وحتى نهاية 2020، و5.8 ملايين برميل من يناير 2021 وحتى نهاية أبريل 2022.

وقد ترتّب على هذا تعافٍ طفيف بأسعار النفط، ولكن لم يستمر الأمر على هذا الحال؛ إذ تدهورت أسعار النفط سريعًا لتصل في العشرين من أبريل إلى نطاقٍ سالبٍ لأول مرة في التاريخ عند -37.63 دولارًا للبرميل، بالتوازي مع انخفاض خام برنت إلى أقل مستوياته في نحو 18 عامًا ليسجل حوالي 19.3 دولار للبرميل.

ويُمكن تفسير هذا الأمر باقتراب موعد انتهاء العقود الآجلة للنفط تسليم مايو، وامتلاء مستودعات التخزين، واقترابها من بلوغ كامل طاقتها الاستيعابية، خاصة صهاريج التخزين في “كوشينغ” بولاية “أوكلاهوما” الأمريكية (وهو مركز التسليم الفعلي للعقود المستقبلية للخام الأمريكي) وهو ما أسفر عن هذا الانهيار.

ثالثًا- بدء التعافي التدريجي:

بدأت أسعار النفط في التعافي الطفيف مع حلول شهر مايو ودخول اتفاق خفض الإنتاج من قبل منظمة الدول المصدرة للنفط حيز النفاذ، مع عقد اجتماع جديد لمجموعة (أوبك +) في السادس من يونيو، نتج عنه تمديد خفض الإنتاج البالغ 9.7 ملايين برميل يوميًا حتى يوليو. وقد تزامن هذا القرار مع تخفيف معظم الدول حول العالم للإجراءات الاحترازية المُتخذة خلال الموجة الأولى من فيروس كورونا؛ إذ تم إعادة حركة الطيران بين الدول، وعودة الموظفين إلى أماكن عملهم بشكل تدريجي. ولهذا، تعافى طلب الصين على النفط بزيادة تبلغ 750 ألف برميل يوميًا على أساس سنوي في يونيو، كما ارتفع الطلب العالمي على النفط بمقدار 3.4 ملايين برميل يوميًا خلال يوليو على أساس شهري.

وبناءً عليه، سجل متوسط سعر الخام الأمريكي نحو 30.33 دولارًا للبرميل خلال مايو، و39.46 دولارًا للبرميل في يونيو، و42.07 دولارًا للبرميل بحلول يوليو.

رابعًا- تفاؤل الأسواق رغم بدء الموجة الثانية:

تجدد التفاؤل بشأن انتعاش الاقتصاد العالمي من جديد بعد إعلان ثلاث شركات أدوية عالمية خلال شهر نوفمبر عن التوصل إلى لقاحات مضادة لفيروس كورونا؛ إذ كشفت شركة “فايزر” الأمريكية بالتعاون مع نظيرتها الألمانية “بيونتك” عن لقاح لعلاج الفيروس بفعالية تصل إلى 90%، لتتبعها شركة “مودرنا” ومن ثم شركة “أسترازينيكا” التي أعلنت كل منهما عن لقاح خاص بها. ولهذا تزايدت الآمال بشأن التعافي السريع لمعدل الطلب العالمي على النفط، وهو ما انعكس على ارتفاع سعر الخام الأمريكي إلى حوالي 42.30 دولارًا للبرميل في نوفمبر و48.13 دولارًا للبرميل بحلول الثلاثين من ديسمبر.

وينبغي الإشارة إلى حدوث هذا التعافي على الرغم من بدء الموجة الثانية من فيروس كورونا وإغلاق الدول الأوروبية مرة أخرى، رغم اتفاق مجموعة (أوبك +) أوائل ديسمبر على البدء في زيادة الإنتاج تدريجيًا اعتبارًا من يناير 2021 بنحو 500 ألف برميل يوميًا.

كورونا تنعش أسواق الذهب العالمية

حقق الذهب مكاسب ضخمة خلال عام 2020 بدعم من العديد من العوامل التي تتمثل في زيادة الطلب على الذهب باعتباره أحد أهم سلع الملاذ الآمن التي يتزايد الإقبال عليها في ظل انتشار عدم اليقين حول آفاق الاقتصاد العالمي، مع تصاعد حدة التوترات بين الولايات المتحدة والصين عقب تفشي فيروس كورونا، وتبادل الاتهامات بشأن مصدر الوباء. وأخيرًا، ارتفع سعر الذهب مع ضعف قيمة الدولار الأمريكي في ضوء إطلاق الولايات المتحدة العديد من الحزم التحفيزية الهادفة لدعم الاقتصاد المتضرر من الوباء. ويُمكن الاستعانة بالشكل الآتي لعرض تطور أسعار الذهب خلال 2020.

الشكل (3): سعر الذهب الفوري (دولار للأوقية)

Source: Gold Hub, Gold spot prices. 

يتضح من الشكل السابق أن الذهب سجل ارتفاعات متتالية منذ بداية عام 2020 بضغطٍ من انتشار فيروس كورونا وتراجع الدولار الأمريكي كما سبق القول؛ إذ ارتفع سعر الذهب الفوري إلى حوالي 1596.5 دولارًا للأوقية في فبراير، و1593.8 دولارًا للأوقية خلال مارس.

وتوالت الارتفاعات خلال الشهور التالية لتصل إلى مستوى قياسي جديد في أغسطس متجاوزة مستوى 2000 دولار للأوقية لأول مرة منذ عدة سنوات، ولكن لم يستمر الأمر على هذا الحال؛ إذ بدأت الأسعار بالتراجع الطفيف بحلول سبتمبر مع عودة شهية المخاطرة إلى المستثمرين، وإعلان العديد من الشركات عن توصلها إلى لقاح فيروس كورونا مما دفعهم للتخارج من الملاذات الآمنة إلى استثمارات أكثر مخاطرة وأعلى جدوى فيما يتعلق بتحقيق الأرباح. ولهذا يُلاحظ أن متوسط أسعار الذهب قد انخفضت إلى 1922.5 دولارًا للأوقية في سبتمبر، و1901.1 دولار للأوقية في أكتوبر وصولًا إلى 1856.2 دولارًا للأوقية بحلول نهاية ديسمبر. ورغم هذا الانخفاض إلا أنها لا تزال عند مستويات مرتفعة مقارنة ببداية هذا العام.

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة