وحدة الدراسات الاقتصادية

تحديات قائمة: البطالة وتحسين أوضاع سوق العمل

تُشير بيانات البطالة في مصر الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى حدوث تعافٍ سريعٍ من البطالة في مصر؛ حيث تراجع معدل البطالة خلال الربع الثالث من عام 2020 ليسجل 7.3%، مقابل 9.6% خلال الربع السابق له، بانخفاض قدره 2.3%. وعلى الرغم مما يحمله هذا التراجع من دلالات إيجابية؛ فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل ثمة بيئة أعمال جيدة تدعم النمو الاقتصادي الاحتوائي والمستدام اتساقًا مع الهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة وهو العمل اللائق ونمو الاقتصاد؟. ملامح سوق العمل المصري تُعد سوق العمل المصري سوقًا متنوعة، إذ تحتوي على العديد من قطاعات العمل، التي تحوي كفاءات متنوعة…

أسماء رفعت

تُشير بيانات البطالة في مصر الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى حدوث تعافٍ سريعٍ من البطالة في مصر؛ حيث تراجع معدل البطالة خلال الربع الثالث من عام 2020 ليسجل 7.3%، مقابل 9.6% خلال الربع السابق له، بانخفاض قدره 2.3%. وعلى الرغم مما يحمله هذا التراجع من دلالات إيجابية؛ فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل ثمة بيئة أعمال جيدة تدعم النمو الاقتصادي الاحتوائي والمستدام اتساقًا مع الهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة وهو العمل اللائق ونمو الاقتصاد؟.

ملامح سوق العمل المصري

تُعد سوق العمل المصري سوقًا متنوعة، إذ تحتوي على العديد من قطاعات العمل، التي تحوي كفاءات متنوعة من مختلف التخصصات والمستويات المهنية. وفي ظل الارتفاع المستمر للنمو السكاني تعتبر قضية البطالة من القضايا المهمة التي تواجه الاقتصاد المصري، فعلى الرغم من النتائج الإيجابية التي حققها الاقتصاد المصري بعد تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي؛ إلا أنه يلاحظ التباطؤ النسبي في نشاط القطاع الخاص، خاصة غير النفطي، ويشير تقرير مرصد الاقتصاد المصري الصادر عن البنك الدولي إلى أنه مع تحول الاقتصاد المصري تدريجيًّا نحو قيام القطاع الخاص بدور أكبر على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية، إلا أن انخفاض القيمة المضافة لكل عامل تشير إلى أن عملية التحول الاقتصادي في مصر بطيئة مع ارتفاع حجم العمالة في القطاعات منخفضة القيمة المضافة أو في القطاعات التي تشهد انخفاضًا في الإنتاجية، بما يفسر انخفاض قدرة الاقتصاد المصري على الإنتاج وخلق فرص عمل مرتفعة الدخل.

ووفقًا لأحدث بيانات صادرة من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بشأن معدلات البطالة، حدث تراجع في معدل البطالة خلال الربع الثالث من 2020، ويرجع ذلك إلى عودة الحياة لطبيعتها بعد انتهاء الحظر الجزئي وتخفيف الإجراءات الاحترازية المتعلقة بفيروس كورونا خلال تلك الفترة، فضلًا عن استمرار العمل بالمشروعات القومية الكبرى، بجانب إعادة فتح المطارات وعودة السياحة.

وبتحليل بيانات العمالة خلال الربع الثالث من عام 2020 يتضح أن معدل البطالة بين الذكور بلغ 5.8%، بينما بلغ معدل البطالة بين الإناث 15.2%. ويلاحظ هنا وجود فجوة نوعية في سوق العمل بالرغم من كون المرأة المصرية تمثل تقريبًا نصف المجتمع من حيث التركيبة الديموغرافية، وارتفاع مستوى التعليم بين الإناث في الوقت الحاضر، مع وجود العديد من مبادرات تمكين المرأة، بالإضافة لتزايد الحاجة لعمل النساء في بعض القطاعات -خاصة في أوقات الأزمات- مثل قطاع الصحة والتعليم وأنشطة العمل من المنزل. وقد أشار تقرير صادر عن معهد ماكينزي إلى أن الناتج المحلي الإجمالي من الممكن أن يرتفع في مصر بنسبة 34% خلال العقد المقبل عند القضاء على الفجوة النوعية في سوق العمل، كما يُعتبر التمكين الاقتصادي للمرأة وسيلة لمكافحة الفقر ودعم العدالة الاجتماعية. وفي السياق ذاته، تجدر الإشارة إلى انخفاض قوة العمل خلال عام 2019 وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وقد تمت الإشارة إلى انخفاض قوة العمل نتيجة خروج النساء من قوة العمل، الأمر الذي يتطلب إعادة النظر في توفير بيئة عمل مناسبة للنساء.

وجغرافيًّا يُلاحَظ ارتفاع معدل البطالة في الحضر عنه في الريف، إذ سجل معدل البطالة في الحضر 10.9% مقابل 4.5% في الريف خلال الربع الثالث من عام 2020. ومن الجدير بالملاحظة أنه على الرغم من تراجع معدل البطالة على مستوى الجمهورية؛ إلا أن نسبة البطالة من حملة المؤهلات في تزايد مستمر، إذ سجلت 78.9% خلال الربع الثالث من عام 2020، مقابل 69.2% خلال الربع السابق له، وتُعرف تلك الظاهرة بهرم البطالة المقلوب، وهذا يشير إلى ضعف قنوات التوصيل بين جانبي العرض والطلب على العمالة، وتدني جودة الوظائف بسوق العمل بما يُحقق طموحات الفئات المتعلمة من ناحية مع ضعف مخرجات المنظومة التعليمية لتلائم الوظائف مرتفعة الإنتاجية من ناحية أخرى، وهو ما يؤكد الحاجة إلى تطوير التعليم لتأهيل الكفاءات.

من جهة أخرى، يُلاحظ ارتفاع عدد المشتغلين ممن يعملون لحسابهم ولا يستخدمون أحدًا، إذ بلغت نسبتهم 11.9% خلال الربع الثالث من عام 2020 مقابل 11% خلال الربع السابق له. وهنا يلاحظ نمو مجال العمل المستقل في مصر، أو ما يُعرف باقتصاد الأعمال الحرة Gig Economy وهو الاقتصاد الذي يتسم بوجود سوق عمل مستقل يتم من خلال منصات العمل كمواقع الإنترنت أو تطبيقات إلكترونية مقابل أجر مادي. وقد نما اقتصاد الأعمال الحرة عالميًا بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة بنسبة تقدر بـ500% في الفترة من 2000 إلى 2014، خاصة مع ازدهار فكر ريادة الأعمال والعمل المستقل. وتتنوع مجالات اقتصاد الأعمال الحرة بين الوظائف والخدمات التكنولوجية والكتابة والترجمة والتصميم والدعم الفني والتسويق والمبيعات، بالإضافة إلى الاستشارات التجارية والقانونية، وقد اتسع ليشمل العديد من المجالات. ويفضله الكثيرون نظرًا لاتسامه بالمرونة، وانخفاض قيود العمل، كما يلجأ إليه البعض كوسيلة لدخل إضافي بجانب عملهم الأساسي، ويحقق توازنًا أكثر في الحياة، ويساعد على التركيز على مجال الاهتمام، ويمكّن من إدارة الوقت بشكل أفضل وحرية أكبر، كما تلجأ إليه بعض السيدات كمحاولة للتوفيق بين الالتزامات الأسرية والرغبة في العمل والحصول على دخل. أما من جهة أصحاب العمل فهو أقل تكلفة من عقود العمل الدائم، كما أنه يفترض أن مقدمي خدمات العمل الحر أكثر مهارة وكفاءة بما يساعد في خفض تكلفة ووقت التدريب.

كما يتسم سوق العمل بعددٍ من السمات الأخرى مثل ارتفاع البطالة بين العناصر الشابة في الفئة العمرية من 15 إلى 29 عامًا، وارتفاع عبء الإعالة مع تراجع قوة العمل وزيادة نمو السكان، فضلًا عن نقص الكفاءات والخبرات بما يُعرف بهروب العقول؛ إلا أن تلك الظاهرة ستبدأ في التراجع مع تغير أنظمة وقوانين العمل بالخارج.

جهود الحكومة المصرية لتعزيز سوق العمل

تسعى الحكومة إلى تحسين بيئة العمل والأحوال المعيشية للعمال، وقد قامت بالعديد من الإجراءات لتعزيز وضع العمالة المصرية، من بينها إصدار قرار برفع قيمة الحد الأدنى للأجور مراعاة للبعد الاجتماعي وتحسين أحوال معيشة العمال. بالإضافة إلى تسويات تتعلق بملف المعاشات بما يحفظ حقوق العمال، ويضمن استدامة التمويل. كما تم تدشين منظومة التأمين الصحي الشامل، التي يستفيد منها عمال مصر وأفراد أسرهم، بجانب التعديلات الأخيرة في قانون المنظمات النقابية العمالية.

ومع مواجهة الدولة لأزمة جائحة كورونا، اتخذت العديد من التدابير للتخفيف من الآثار الاجتماعية والاقتصادية السلبية، فتم تخصيص مبلغ 100 مليار جنيه للتخفيف من الضغوط المالية للأفراد والشركات ولدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، بالإضافة للعديد من التيسيرات الضريبية وتأجيل سداد القروض. مع التوسع في برامج الحماية الاجتماعية لحماية الفئات الأكثر احتياجًا، ومنها صرف مبالغ استثنائية للعمالة غير المنتظمة التي قدرت بمبلغ 500 جنيه شهريًا تم منحها لمدة 6 أشهر، فضلًا عن توسيع نطاق تغطية المستفيدين من برنامجي “تكافل” و”كرامة”. وعلى الرغم من تلك الجهود، إلا أنه كان لأزمة فيروس كورنا أثرها على سوق العمل، إذ ارتفعت معدلات البطالة إلى 9.6% خلال الربع الثاني من عام 2020، مقارنة بنسبة 7.7 خلال الربع الأول من العام ذاته.

وقد تضمنت خطة التنمية لعام 2020/2021 العديد من الحلول المقترحة بشأن التحديات التي تواجه سوق العمل، فبالنسبة لاستيعاب قوة العمل تعمل الحكومة على إفساح المجال أمام القطاع الخاص كي يأخذ دوره في دفع عجلة النمو الاقتصادي، وتفعيل قانون العمل الجديد لتحسين بيئة العمل المشجعة بالقطاع الخاص، وإضفاء المرونة في سوق العمل، وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وإدماج القطاع غير الرسمي في منظومة الاقتصاد الرسمي. أما بشأن قصور سوق العمل عن استيعاب كافة الإناث الراغبات في العمل فتضمنت الخطة تفعيل مشاركة المرأة في سوق العمل، ولا سيما في مجال المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، وتلك التي تدر دخلًا للمرأة المعيلة، وخاصة في المناطق الريفية، من خلال برامج الرعاية والحماية الاجتماعية، والمشاريع الممولة من خلال جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر. وفيما يخص التحدي الخاص بالارتفاع الملحوظ في معدلات البطالة بين العناصر الشابة في الفئة العمرية من 15 إلى 29 عامًا، فقد تضمنت الخطة العمل على تنمية المهارات البشرية من خلال تطوير وتحديث مراكز التدريب، وتهيئة فرص العمل المنتج واللائق أمام الشباب، وتسريع تنفيذ المجمعات الصغيرة (13 مجمعًا) في عدة محافظات في إطار مشروعات تشغيل الشباب وإتاحتها بقيمة إيجارية مناسبة. وبالنسبة للتحدي الخاص بارتفاع نسبة البطالة بين المتعلمين، فنصت الخطة على ضرورة ربط سياسات التعليم والتعلم والتدريب بالاحتياجات الحقيقية لسوق العمل، مع التركيز على التعليم الفني والتدريب المهني. وبالنسبة للتحدي الخاص بالتباين في معدلات البطالة بين الحضر والريف وبين الأقاليم، فقد أشارت الخطة إلى العمل على معالجة الفجوات التنموية في المناطق الريفية، وتكثيف الجهود الإنمائية في محافظات الصعيد التي تُعاني من ارتفاع نسبي في معدلات البطالة.

وختامًا، ففي ضوء ما سبق يُلاحظ أن التعامل مع تحديات سوق العمل في مصر يجب أن يمتد إلى أبعد من التعامل مع معدل البطالة، ويركز على تحسين أوضاع سوق العمل. فعلى الرغم من نجاح الحكومة المصرية في التعامل مع أزمة كورونا، والسير في مسارين متوازيين (مسار التعافي الصحي، والمسار الاقتصادي)، وهو ما مكّن الدولة من تحقيق العديد من النتائج الإيجابية التي جاء على رأسها عودة معدلات البطالة لمعدلاتها المنخفضة؛ إلا أنها لم تستطع دمج كافة الفئات وتحقيق الاستدامة في الوظائف المولدة. لذا فالأمر يتطلب ضرورة التوجه إلى القطاعات كثيفة العمل التي تستوعب العمالة، وتوفر فرص عمل لائقة ومستدامة، على أن يصاحب ذلك جهود في تهيئة بيئة استثمار ملائمة لجذب ودفع نمو القطاعات المرغوب في تنميتها. وعلى صعيد آخر، لا بد من الاهتمام بمخرجات العملية التعليمية من حيث ملاءمتها لسوق العمل واحتياجات القطاعات المستهدفة، مع مراعاة التوزيع الجغرافي. كما يجب أن يتم توطيد ثقافة العمل الحر وريادة الأعمال في إطار الاقتصاد الرسمي، وتوفير خدمات دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتقنين أوضاع القطاع غير الرسمي.

أسماء رفعت