وحدة الدراسات العربية والإقليمية

المسارات المحتملة: العلاقات التركية الخليجية بعد قمة العلا

في أعقاب توقيع بيان العلا بشأن المصالحة الخليجية، يسعى المتابعون لملف العلاقات التركية الخليجية للإجابة عن تساؤل رئيسي مفاده: هل تعود العلاقات التركية الخليجية إلى ما كانت عليه قبل المقاطعة العربية لقطر (يونيو 2017)، أم إن ما جرى خلال سنوات الأزمة من أحداث وتفاعلات وأنماط مختلفة من التحالفات، وما سببته الأزمة من حواجز نفسية يصعب تجاوزها عل المدى القريب على أقل تقدير، يجعل أي محاولات لطمسها أو الالتفاف عليها على المدى المتوسط -على أقل تقدير أيضًا- عديمة الجدوى؟. ليبقى الرهان على البراجماتية السياسية ولغة المصالح وعوامل أخرى قد تحدث على المدى البعيد في سياقات البيئة الاستراتيجي الخليجية والتركية، تكون قادرة…

د. أكرم حسام
باحث متخصص في الشؤون العربية والإقليمية

في أعقاب توقيع بيان العلا بشأن المصالحة الخليجية، يسعى المتابعون لملف العلاقات التركية الخليجية للإجابة عن تساؤل رئيسي مفاده: هل تعود العلاقات التركية الخليجية إلى ما كانت عليه قبل المقاطعة العربية لقطر (يونيو 2017)، أم إن ما جرى خلال سنوات الأزمة من أحداث وتفاعلات وأنماط مختلفة من التحالفات، وما سببته الأزمة من حواجز نفسية يصعب تجاوزها عل المدى القريب على أقل تقدير، يجعل أي محاولات لطمسها أو الالتفاف عليها على المدى المتوسط -على أقل تقدير أيضًا- عديمة الجدوى؟. ليبقى الرهان على البراجماتية السياسية ولغة المصالح وعوامل أخرى قد تحدث على المدى البعيد في سياقات البيئة الاستراتيجي الخليجية والتركية، تكون قادرة على سحب وتيرة العلاقات بين الجانبين لمسارات مستقرة واستراتيجية. 

في ضوء ما سبق، فإن كل الاحتمالات واردة بشأن المسارات المتوقعة للعلاقات التركية الخليجية. وبكل تأكيد فإن الوعي الاستراتيجي للنخبة السياسية في الجانبين ستكون عاملًا حاسمًا ومرجحًا للخيارات المختلفة، بجانب ما تشهده المنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط من تطورات قد تفرض نفسها على الجميع.

فرصة أم تهديد؟: نظرة النخبة التركية للمصالحة الخليجية

أيدت تركيا جهود لم الشمل الخليجي، وانعكس ذلك في تصريحات المسئولين الأتراك والبيانات الرسمية الصادرة بهذا الخصوص، ويبدو أن تركيا كانت مُطلعةً مُسبقًا على تفاصيل ما كان يُعد له في قمة العلا الأخيرة، من خلال اتصالاتها وتنسيقها مع الجانب القطري. ويبدو أيضًا أن أنقرة غير منزعجة من أي احتمالات أو ارتدادات سلبية لهذه المصالحة على مصالحها في قطر على الأقل، وفي الخليج بشكل عام. بل هناك من يرى أن المصالحة تصب في صالح تركيا بشكل غير مباشر، وأنها قد يكون بمثابة فرصة لتعظيم المصالح التركية في الخليج بشكل خاص، وفي الإقليم بشكل عام، وذلك استنادًا إلى ما يلي: 

الثقة التركية في الحليف القطري، والاطمئنان لعدم رغبة الدوحة حاليًا وعلى المدى المنظور في إحداث أي تغيير في مستوى العلاقة الاستراتيجية بين البلدين، خاصة فيما يتعلق بالشق السياسي (الأيديولوجي) والشق الاقتصادي، حيث غذت تركيا خلال سنوات الأزمة، وبطرق مختلفة، دافع الشك وعدم الثقة داخل النخبة القطرية خاصة تجاه السعودية والإمارات، وهو دافع يصعب التخلص منه على المدى القريب والمتوسط.

إمكانية الاستفادة من موضوع المصالحة الخليجية على مستوى الداخل التركي، خاصة لصالح التحالف الحاكم بقيادة حزب العدالة والتنمية، وذلك للتخلص من الضغوط والانتقادات الكثيرة الموجهة للرئيس “أردوغان” بأنه اختار الانحياز لقطر في الأزمة، وضحى بمصالح استراتيجية عليا للدولة التركية في منطقة الخليج.

الاطمئنان إلى أن الوجود العسكري التركي في قطر لن يتأثر بهذه المصالحة، لعدم رغبة القطريين حاليًا في تقويض المستوى الراهن للتعاون العسكري، فالوجود العسكري التركي في الدوحة جرى تطويره خلال سنوات الأزمة، حيث لم يعد قاصرًا على تواجد عسكري رمزي، بل تم توسيعه ليصبح قاعدتين عسكريتين، مع تأسيس مركز قيادة وعمليات مشتركة، إلى جانب تعاون مشترك في مجال الصناعات الدفاعية.

الرهان على أن هذه المصالحة يُمكن أن تشجع دولًا خليجية أخرى كانت مُترددة في القبول بصيغ معينة للتعاون الاستراتيجي والعسكري مع تركيا (الكويت وسلطنة عمان)، وتسويق فكرة أن تركيا حليف موثوق للدول الصغيرة المحاطة بجوار معادٍ من دول أكبر.

الرهان التركي على إمكانية أن تساعد هذه المصالحة في استعادة العلاقات التركية مع كل من السعودية والإمارات لسابق عهدها، بما يعكسه ذلك على الوضع الاقتصادي التركي، وما يمكن أن يُتيحه من فرص للاستفادة من دعم خليجي لها في التعامل مع بعض الأزمات في المنطقة، وعلى رأسها الأزمة السورية والليبية وتوترات شرق المتوسط.

رغم هذه النظرة المتفائلة لجدوى المصالحة الخليجية بالنسبة لتركيا على المدى المنظور؛ فإن هناك أصواتًا من داخل تركيا غير متفائلة ومتشككة بصورة كبيرة من بعض الرهانات السابقة، وتعتبرها غير مؤكدة الحدوث، ونسب تحقق بعضها يبدو ضعيفًا، وذلك استنادًا لما يلي:

التخوف من أن تؤدي المصالحة لممارسة ضغوط أمريكية على قطر لتقليص تعاونها العسكري مع تركيا، خلال الفترة القادمة، فالقاعدة التركية تثير قلقًا كبيرًا لدى الأوساط الأمريكية، خاصة الدوائر العسكرية والاستخباراتية، خاصة مع الوضع الراهن للعلاقات التركية الأمريكية، وعدم توقع حدوث تحسن كبير في العلاقات بين الجانبين في ظل إدارة “بايدن” (المعروف بمواقفه المنتقدة لتركيا فيما يتعلق بملف حقوق الإنسان وملفات أخرى).

التشكك في أن المصالحة الخليجية هي جزء من عملية ترتيبات إقليمية يجري الإعداد لها في المنطقة، بمشاركة إسرائيلية من خلف الكواليس، بما يمكن أن يوسع من نطاق الحركة الإسرائيلية في الخليج، بما يتقاطع مع المصالح التركية في الخليج والمنطقة بشكل عام، حيث تتخوف الدوائر التركية من أن توفر هذه المصالحة فرصة لإسرائيل للقيام بدور الضامن الإقليمي لأمن بعض دول الخليج، تحت المظلة الأمريكية.

التشكك في صعوبة عودة العلاقات التركية، خاصة مع السعودية والإمارات، لسابق عهدها، لأسباب كثيرة يقف على رأسها وجود مصر في هذه المعادلة، وبالتالي فإن أقصى التوقعات تنحصر في استعادة التعاون الاقتصادي لمستويات قريبة من مرحلة ما قبل 2017، دون ترجمة ذلك في صورة دعم خليجي لتركيا في ملفات إقليمية على رأسها ليبيا وشرق المتوسط وربما سوريا أيضًا.

آفاق وسيناريوهات العلاقات التركية الخليجية على المدى المنظور

في ظل ما سبق طرحه من قراءة لموقف النخبة التركية من مسألة المصالحة الخليجية، يلاحظ أن ثمة اهتمامًا كبيرًا بثلاث دول هي قطر والسعودية والإمارات، وهي بالقطع الدول التي تملك مصادر ثروة كبيرة، سواء في البترول أو الغاز، علاوة على أدوارها في التفاعلات الإقليمية التي تقع ضمن نطاق الاهتمام التركي. وفي هذا الإطار تريد تركيا أن تحافظ على علاقاتها مع قطر، وفي الوقت نفسه تعيد الزخم لعلاقاتها مع السعودية والإمارات، وهي معادلة صعبة وسبق تجريبها في السابق وفشلت فشلًا ذريعًا، ليظل الرهان التركي حاليًا على المصالحة وما يمكن أن تدفعه من مياه تحت الجسور الخلافية. وفي هذا الإطار فإن المسارات القادمة للعلاقات التركية الخليجية ستدور حول أحد السيناريوهات التالية:

السيناريو الأول- الانفتاح الحذر: ويقوم هذا السيناريو على تصور حدوث انفتاح كبير خلال الفترة القادمة بين تركيا من جانب وكلٍّ من السعودية والإمارات من جانب آخر. وقد تلعب قطر دورًا في تسهيل هذا الانفتاح بصورة أو بأخرى، بما يسهل من مسألة استعادة مستويات العلاقات لما قبل 2017. ويدعم هذا السيناريو الاعتبارات الاقتصادية بالأساس (حجم الاستثمارات السعودية والإماراتية في تركيا، والاستثمارات التركية في كل من الإمارات والسعودية، يُعتبر كبيرًا ولم يتأثر كثيرًا بالأزمة الخليجية). هذا السيناريو تدعمه بعض المؤشرات التي وضحت في الأيام الماضية (تصريحات من جانب الإمارات تتحدث عن أن الإمارات هي الشريك التجاري الأول لأنقرة في المنطقة، وكذلك تصريحات سعودية إيجابية باتجاه تركيا، تعيين تركيا سفراء جدد في أبوظبي والرياض). ومن المرجح أنّ تركيا ستدفع بقوة في هذا الاتجاه، حيث تعاني حاليًا ضغوطًا اقتصادية قوية تؤثّر سلبًا على مناعتها الاقتصادية، وخصوصًا في ظلّ انتشار وباء كورونا، وتأمل أنقرة في ضخّ دماء جديدة في شرايين الاقتصاد التركي عبر عودة الاستثمارات الخليجية إليها. هذا السيناريو سيظل محفوفًا ببعض المحاذير النفسية نتيجة فقدان الثقة بين الجانبين، والحواجز النفسية التي حدثت بين تركيا والسعودية خلال أزمة مقتل الصحفي “جمال خاشقجي”، والتهديدات التركية الصريحة للإمارات، والتقليل من شأن الدور الإماراتي في المنطقة، ووصفه بالدور الوظيفي المُسخر لحساب دول أخرى.

السيناريو الثاني- الاقتراب المشروط: يقوم هذا السيناريو على تصور حدوث اقترابٍ ما في العلاقات التركية مع كلٍّ من السعودية والإمارات، قد يتم ترجمته في صور عديدة، منها: إيقاف الحملات الإعلامية المضادة، وتحسن في مستوى العلاقات السياسية (زيارات متبادلة)، وتسوية الخلافات حول قضايا هامشية تزعج الجانبين (دعم المعارضين)، دون ترجمة ذلك لدعم سعودي-إماراتي لتركيا في الملفات الرئيسية في المنطقة، خاصة ملف ليبيا وملف شرق المتوسط، لوجود مصر كطرف قوي وحاضر في هذه الملفات، وكذلك دون ترجمة ذلك لموقف تركي مساند للسعودية والإمارات ضد إيران (سواء في اليمن، أو في الملف النووي الإيراني)، فالعلاقات التركية الإيرانية تمر حاليًا بأفضل فتراتها، ولا يمكن لأنقرة أن تضحي بعلاقاتها مع طهران خاصة في ملفات مهمة لها كالملف السوري والعراقي. وهذا السيناريو مشروط بأن يحدث اقتراب موازٍ في العلاقات التركية المصرية، وهو أمر تراه السعودية والإمارات ضروريًا لعدم خسارة مصر وما تمثله من ثقل للأمن الخليجي بشكل عام (تصريحات “أنور قرقاش” وزير الدولة للشئون الخارجية الإماراتي تحدثت صراحة عن ربط أي تفاهمات مستقبلية مع تركيا بمسألة تقديم تركيا مؤشرات إيجابية تجاه مصر).

السيناريو الثالث- المراوحة وثبات الموقف: يقوم هذا السيناريو على فرضية أن المصالحة الخليجية لا تزال تعترضها تحديات كثيرة حتى تكتمل، وأنها مرهونة بالفعل بصدق النوايا، لذلك قد تظل العلاقات التركية الخليجية على مستوياتها الحالية إلى حين اتضاح الصورة، وتنفيذ كل طرف لتعهداته. 

في ظل هذا السيناريو، ستظل العلاقات التركية القطرية على مستوياتها الحالية، والعلاقات التركية مع السعودية والإمارات والبحرين لن تشهد تطورًا ملموسًا على الصعيدين السياسي والاقتصادي، وقد تنحصر في خطوات سياسية وإعلامية تكتيكية، تجاوبًا مع سياقات المصالحة أمام الرأي العام المحلي داخل كل دولة، وأمام الدول الضامنة لاتفاق المصالحة وعلى رأسها الولايات المتحدة، بينما تستمر نقاط الخلاف الكبرى موجودة دون حلحلة. ووفق هذا السيناريو ستستمر تركيا في الاقتراب مما تسميه “الدول الصغيرة في الخليج” (الكويت، وسلطنة عمان) وتقدم نفسها كضامن لأمنها ضد أي محاولات تهديد من جيرانها الكبار.

الخلاصة

سيكون اتفاق المصالحة الخليجية نقطة مهمة في مسار العلاقات التركية الخليجية، قد يطوي صفحة من صفحات الخلاف، وقد يفتح صفحة جديدة من صفحات التعاون؛ لكن لا يمكن الجزم إلى أي مدى ستصل إليه العلاقات بين الجانبين، لكن بشكل عام ليس من المتوقع حدوث تحولات لافتة أو استدارات استراتيجية مُكتملة، حيث لا توجد علاقات تركية خليجية واحدة، بل علاقات تركية مع كل دولة من دول مجلس التعاون الخليجي كل على حدة، فسنوات الأزمة الخليجية باعدت دولًا خليجية مهمة عن تركيا، وخلقت حواجز نفسية بينها، خاصة بالنسبة للسعودية (على إثر حادث خاشقجي)، بينما اقتربت دول خليجية أخرى من تركيا بشكل أو بآخر مثل قطر والكويت وسلطنة عُمان، وهذا يعني من المنظور الاستراتيجي غياب الرؤية الخليجية الموحدة إزاء التعامل مع تركيا، وغياب الرؤية التركية الشاملة للتعامل مع منظومة موحدة (مجلس التعاون الخليجي). وطالما استمرت تركيا في التعامل الثنائي مع كل دولة خليجية على حدة وبمقاربات مختلفة؛ سيظل الطريق أمامها عسيرًا وصعبًا على الاختراق، مع الوضع في الاعتبار أن تركيا فقدت مكانتها كدولة موازنة لإيران في الخليج، بسبب تقاربها وتوافقها مع إيران إزاء ملفات كثيرة تقع في صميم الأمن القومي العربي بشكل عام والخليجي بشكل خاص، وهذه نقطة جوهرية أصبحت مسار بحث حاليًا في بعض الدوائر الخليجية الخاصة، وقد تظهر آثارها كمُدرك استراتيجي جديد في المستقبل.

د. أكرم حسام
باحث متخصص في الشؤون العربية والإقليمية