الديمقراطية في خطر

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

حبس العالم أنفاسه وهو يشاهد حادث اقتحام الكونجرس الأمريكي على يد أنصار الرئيس ترامب. توقفت جلسة الكونجرس بسبب الاجتياح، لكن سرعان ما تم طرد المقتحمين، وواصل الكونجرس تصويته لإقرار فوز جو بايدن برئاسة الولايات المتحدة. تعطلت مؤسسات الديمقراطية الأمريكية عن العمل، ولكن فقط لأقل من 24 ساعة، فما هي العبرة التي سنحملها معنا في السنوات القادمة؟ هل هي فشل الديمقراطية، أم نجاحها السريع في استعادة زمام الأمور بخسائر محدودة، أم أن في الأزمة الأمريكية دروس أخرى؟  الديمقراطية هي مجموعة من الإجراءات التي تنظم ممارسة السلطة. الانتخابات الدورية النزيهة هي حجر الزاوية في الديمقراطية، فبدلا من أن يتقاتل الناس أو يتآمروا…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

حبس العالم أنفاسه وهو يشاهد حادث اقتحام الكونجرس الأمريكي على يد أنصار الرئيس ترامب. توقفت جلسة الكونجرس بسبب الاجتياح، لكن سرعان ما تم طرد المقتحمين، وواصل الكونجرس تصويته لإقرار فوز جو بايدن برئاسة الولايات المتحدة. تعطلت مؤسسات الديمقراطية الأمريكية عن العمل، ولكن فقط لأقل من 24 ساعة، فما هي العبرة التي سنحملها معنا في السنوات القادمة؟ هل هي فشل الديمقراطية، أم نجاحها السريع في استعادة زمام الأمور بخسائر محدودة، أم أن في الأزمة الأمريكية دروس أخرى؟ 

الديمقراطية هي مجموعة من الإجراءات التي تنظم ممارسة السلطة. الانتخابات الدورية النزيهة هي حجر الزاوية في الديمقراطية، فبدلا من أن يتقاتل الناس أو يتآمروا للاستيلاء على السلطة، فإنهم  يذهبون لصناديق الاقتراع، ليتولى السلطة الطرف الفائز بأكثر الأصوات، فيهنئه المنافسون، ثم يعودون إلى بيوتهم ليستعدوا للانتخابات التالية، على أمل أن يكون حظهم فيها أفضل. إنها صورة مثالية بالفعل، ولكن هذا هو جوهر ما حدث في البلاد الديمقراطية طوال القرنين الأخيرين.

انتصار المرشح الفائز بأغلبية الأصوات ليس هو أهم ما في النظم الديمقراطية، فالأهم منه هو قبول المهزوم بنتيجة الانتخابات، لأنه يثق في المؤسسات القائمة على تشغيل النظام، ويثق في أن هناك فرصة عادلة للفوز تنتظره في المرة القادمة، وأن المسافة بين الخاسرين والفائزين في الانتخابات ليست كبيرة في كل حال، وأنه سوف يكون من الممكن إصلاح وتعويض أي ضرر تنتجه سياسات الخصوم، وأن تكلفة قبول خسارة الانتخابات هي بالتأكيد أقل من تكلفة هدم الديمقراطية. 

لم يعد الناس في الولايات المتحدة واثقين من نزاهة الانتخابات، فالاستطلاعات تشير إلى أن أكثر من ثلث الأمريكيين يعتقدون أن الانتخابات الأخيرة تم تزويرها. لقد تم فحص كل شكوى وكل مصدر للشك في نزاهة الانتخابات، بمعرفة قضاة محترفين، لكن هذا لم يكن كافيا لتغيير رأي المتشككين، الذين لم يعودوا إلى بيوتهم، وقرروا العمل بإيجابية لإحقاق ما يعتبرونه حقا، فقاموا باقتحام الكونجرس، وكان الحدث الذي شهدناه جميعا. 

لا توجد أدلى تعزز الادعاء بأن ما حدث في الانتخابات الأمريكية الأخيرة يختلف عما كان يحدث في الانتخابات السابقة، لكن ما حدث هو أن بعض الأمريكيين أصبحوا يكرهون البعض الآخر، ويعتبرونهم أعداء متعصبين خطرين، لا يتورعون عن فعل أي شيء يعزز مصالحهم، وهم بالتالي غير جديرين بالثقة. لم تعد رابطة المواطنة والوطن كافية لتأسيس الثقة بين الأمريكيين بغض النظر عن اختلاف الآراء السياسية. فقدت مؤسسات النظام السياسي الأمريكي معناها كمظلات جامعة، وتحولت إلى أسلحة وأدوات للصراع، وليس هناك من يسلم للأعداء أسلحة يفتكون بها، ولو باسم الديمقراطية، واقتحام الكونجرس لم يكن سوى محاولة لمنع وقوع سلاح الرئاسة في يد الأعداء. 

ما حدث في الولايات المتحدة هو انشطار المجال السياسي إلى قسمين وفريقين متباعدين، ينظر كل فريق إلى الآخر باعتباره عدوا يمثل تهديدا خطيرا. بالنسبة لأنصار الرئيس ترامب، فإن خصومهم الليبراليين هم من الملاحدة، والمهاجرين الملونين، والشيوعيين، الذي يسعون للاستيلاء على أمريكا ممن قاموا ببنائها على مدى خمسة قرون، والذين نجحوا في السيطرة على الإعلام، وعلى مساحات كبيرة من القضاء، وهم يستخدمون كل موقع تنفيذي يحتلونه للسيطرة على السلطة، بأي وسيلة، حتى لو لجأوا إلى تزوير الانتخابات. الليبراليون الديمقراطيون، على الجانب الآخر، ليسوا أفضل حالا في نظرتهم إلى الفريق الآخر. فكلما نظر واحد من هؤلاء للحزب الجمهوري لا يرى هناك سوى عنصريين، متعصبين، ضيقي الأفق، يؤمنون بتفوق العرق الأبيض، تسيطر على عقولهم الخرافات والأساطير. 

انشطرت أمريكا إيديولوجيا إلى فريقين، كل منهما يكره الآخر، ولا يحمل له أي تقدير أو مشاعر إيجابية، وما جرى هناك يوم اقتحام الكونجرس هو النتيجة المنطقية لهذا الانقسام. أظن أننا في العالم العربي كنا أقل المصدومين مما حدث في أمريكا لأننا نعيش منذ عشر سنوات في عالم تحكمه الانقسامات الإيديولوجية العميقة، وما الاضطرابات السياسية والحروب الأهلية، التي تلت انتفاضات ذلك الشتاء في عام 2011، سوى نتيجة لهذه الانقسامات. خرج الناس في بلاد العرب قبل عشرة سنوات ضد نظم فيها الكثير من الفساد والاستبداد، لكنهم اكتشفوا بعد ذلك أنهم غير متفقين على البديل الذي يريدون إقامته محل النظم الساقطة. فبينما كان الإخوان وأنصارهم يريدون إقامة حكومة دينية على نسق النظم القائمة في إيران أو أفغانستان طالبان؛ كان هناك الوطنيون المتمسكون بتقاليد الدولة الوطنية والحداثة الاجتماعية والثقافية والسياسية. سقطت النظم القائمة، لكن الشك بين الخصمين الإيديولوجيين خيم على الأجواء، وانتهى الأمر بالصدام بينهما، وصولا إلى الحرب الأهلية في بعض البلاد.

بينما كانت مشاهد العنف تأتي من الكونجرس، كان هناك شامتين في قوة عظمي متغطرسة، طالما تدخلت في شئون الآخرين بدعوى نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان. النظام الديمقراطي هو إنجاز رائع للجنس البشري، والمؤكد أن العالم لن يكون أفضل حالا لو فشلت الديمقراطية. مشكلتنا مع الديمقراطية الأمريكية ليست هو أننا نكرهها، ونكره ما يرافقها من حريات، على العكس؛ ولكن مشكلتنا معها هو أنها تستخدم ذريعة للتعالي علينا، ولإسماعنا محاضرات مطولة حول فضل الديمقراطية، ولتبرير التدخل في شئوننا في تجاهل تام لظروف مجتمعاتنا.

الديمقراطية نظام فعال لإدارة الخلافات بين متنافسين، تجمعهم أشياء تزيد عما يفرقهم، يقفون على نفس الأرض، وإن فصلتهم بعض المسافات. عندما تزيد أسباب الخلاف عن أسباب الاتفاق، وعندما يتعمق الاختلاف السياسي ليصبح انقساما إيديولوجيا يبرر الكراهية؛ عندها لا تقوم الديمقراطية، أما إذا كانت قائمة فإنها تصبح في خطر. إقامة الديمقراطية والحفاظ عليها يحتاج إلى قدر مناسب من التوافق الإيديولوجي. هذا هو الدرس الأمريكي. 

ــــــــــ

نقلا عن “جريدة الأهرام”، ١٤ يناير ٢٠٢١.

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب