وحدة الدراسات الاقتصادية

عهد جديد: تطوير شركة مصر الجديدة للإسكان والتعمير

تأسست شركة مصر الجديدة عام 1906 عندما صدر قرار بتأسيس شركة مصر للسكك الحديدية الكهربائية وواحة عين شمس كشركة مساهمة مصرية. وتم بيع مساحة 18000 فدان من الحكومة المصرية للشركة التي عرفت فيما بعد باسم (مصر الجديدة للإسكان والتعمير)، حيث كان دور الشركة الأساسي طوال ما يقرب من 85 عامًا إنشاء وتطوير حي مصر الجديدة وإدارة المرافق والكهرباء وإمدادات المياه حتى نهاية عام 1991 حين تم تنفيذ قرار رئيس مجلس الوزراء آنذاك لنقل هذه المسئوليات إلى الجهات المختصة في محافظة القاهرة. ومن بعدها اتجهت الشركة للعمل في تطوير مشاريع خارج حدود مصر الجديدة للمساهمة في تنامي حركة البناء والضرورية لمواجهة…

د. عمر الحسيني
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

تأسست شركة مصر الجديدة عام 1906 عندما صدر قرار بتأسيس شركة مصر للسكك الحديدية الكهربائية وواحة عين شمس كشركة مساهمة مصرية. وتم بيع مساحة 18000 فدان من الحكومة المصرية للشركة التي عرفت فيما بعد باسم (مصر الجديدة للإسكان والتعمير)، حيث كان دور الشركة الأساسي طوال ما يقرب من 85 عامًا إنشاء وتطوير حي مصر الجديدة وإدارة المرافق والكهرباء وإمدادات المياه حتى نهاية عام 1991 حين تم تنفيذ قرار رئيس مجلس الوزراء آنذاك لنقل هذه المسئوليات إلى الجهات المختصة في محافظة القاهرة. ومن بعدها اتجهت الشركة للعمل في تطوير مشاريع خارج حدود مصر الجديدة للمساهمة في تنامي حركة البناء والضرورية لمواجهة التكدس السكاني في المدن، واستثمار خبرات الشركة في هذا المجال بالكفاءات والكوادر الفنية. ولهذا السبب صدر القرار الجمهوري رقم (193) لسنة 1995 بتخصيص مساحة 5888 فدانًا بين طريق مصر الإسماعيلية وطريق مصر السويس السريع للشركة لتطوير هذه الأرض السكنية بالتزامن مع طرح أسهمها للبورصة للمرة الأولى. كما صدر القرار الجمهوري رقم 266 بتاريخ 8/10/2003 بتخصيص مساحة 1695 فدانًا للشركة بمدينة القاهرة الجديدة كتعويض عن المساحة الجديدة التي تم تخصيصها لهيئة مطار القاهرة من أراضي الشركة (الطريق الدائري الشرقي).

مشروعات الشركة الحالية

تعمل شركة مصر الجديدة للإسكان والتعمير بشكل عام في مشاريع البناء والإسكان. إذ يتمثل نشاط الشركة الأساسي في تنفيذ المشاريع المتعلقة بالإسكان والتنمية، بالإضافة إلى تطوير الأراضي وتخطيطها، وبناء المساكن والفنادق والمنتجعات السياحية والمستشفيات. كما تقدم الشركة أيضًا خدمات تقسيم الأراضي وتخطيط استخدام الأراضي وإدارة المشاريع للآخرين. والمالك الرئيسي الحالي للشركة هو الشركة القابضة للتشييد والتعمير بنسبة 72.251%. وتتوزع بقية أسهم الشركة على عدة شركات استثمارية لا يتعدى نصيب أي منها 1% من إجمالي الأسهم.

ومع انتهاء الدور التاريخي للشركة في إنشاء وإدارة حي مصر الجديدة، تضاءل حجم مشروعات الشركة إلا من بعض عمليات إعادة إعمار الحي وحديقة الميريلاند الملحقة به. إلا أنه بالتوازي تقوم شركة مصر الجديدة بالعمل في ثلاثة مشاريع للتنمية العمرانية الجديدة خارج ضاحية مصر الجديدة، وهي:

  • نزهة العبور: 94 فدانًا بالحي الثامن بمدينة العبور كاملة المرافق والخدمات تتكون من 153 عمارة سكنية، ومركز تسوق، ومسجد، وأراضٍ سكنية وخدمية أخرى.
  • مدينة هليوبوليس الجديدة: 55888 فدانًا على طريق القاهرة-الإسماعيلية وطريق القاهرة-السويس، وتعتبر امتدادًا لضاحية مصر الجديدة.
  • هليوبارك: 1695 فدانًا في القاهرة الجديدة، وتوفر حوالي 5700 قطعة أرض سكنية بين 400-600 متر مربع.

أصول الشركة

ربما كان أشهر أصول الشركة بعض أبرز معالم حي مصر الجديدة؛ إلا أنها تعتبر نسبة بسيطة من حجم أصول الأراضي المملوكة للشركة. ومن هذه المعالم حديقة الميريلاند ومبنى غرناطة، حيث تبلغ مساحة حديقة الميريلاند 10615 مترًا مربعًا، بينما تبلغ مساحة مبنى غرناطة 11400 مترًا مربعًا. أي ما يقابل حوالي 0.07% فقط من 33.1 مليون متر مربع من الأراضي تملكها الشركة.

ورغم تميز مواقع تلك المعالم وغيرها من مجمعات للمطاعم والحدائق والعديد من العقارات الأخرى المنتشرة في الحي؛ إلا أنها لم تنجح في إدرار إيرادات كبيرة للشركة عبر العقود الأخيرة من خلال عمليات الإيجار المختلفة التي تخضع أغلب عقودها لقانون الإيجار القديم. ولم تتمكن شركة مصر الجديدة للإسكان والتعمير من الاستفادة من حديقة الميريلاند بعد تدخل واعتراض وزارة البيئة، مما أدى لتغيير مخطط تطوير الحديقة وتأجير بضعة أجزاء فقط بشروط منها جزء بعقد إيجار مدته تسع سنوات بلغ 1.452 مليون جنيه شهريًا، مع زيادة سنوية بمقدار 10٪, وجزء آخر تم تأجيره لمدة أربع سنوات مقابل 6 ملايين جنيه سنويًا، بنفس نسبة الزيادة السنوية.

وكانت شركة فاروس القابضة قد نشرت تقريرًا في ديسمبر 2017، يفيد بكون شركة مصر الجديدة للإسكان والتعمير صاحبة المركز الأول من بين أكبر الشركات العقارية في مصر في امتلاك مساحات الأراضي غير المستخدمة. إذ تتملك شركة مصر الجديدة للإسكان والتعمير ثروة عقارية هائلة من تلك المساحات التي تبلغ 26.4 مليون متر مربع، تليها أوراسكوم بـ26.1 مليون متر مربع، ثم طلعت مصطفى بـ24.3 مليون متر مربع.

الاتجاه لإشراك القطاع الخاص

وتحتل الشركة حاليًا المركز التاسع وسط الشركات العقارية الكبرى وراء طلعت مصطفى، وبالم هيلز، وإعمار مصر، وسوديك، وأوراسكوم، ومدينة نصر، وعامر جروب، وبورتو؛ إلا أنه وعلى الرغم من مكاسب الشركة المستمرة منذ سنوات والتي كسرت حاجز الـ400 مليون جنيه مصري عام 2016؛ لا تزال الشركة غير قادرة على استغلال كل أصولها وإنهاء مشاريعها المختلفة، وهو ما كان قد صرح به في وقت سابق “محمود حجازي” الرئيس السابق للشركة. حيث إن الشركة تتبع سياسة ربحية غير مستدامة الأثر وغير فعالة حين تبيع أراضيها غير المطورة كحل سهل لزيادة الأرباح، وهو ما يعتبر تبديدًا لأصول الشركة. ورغم تبني قرارات لوقف هذه العملية, إلا أن هذا النهج لا يزال مستمرًا.

ومع ارتفاع أسعار الأراضي بين عامي 2013 و2017 بأكثر من 50%، ازدادت بدورها قيمة الأراضي التي تمتلكها الشركة بالفعل. وتعود حوالي 75% من هذه الأراضي لمشروع هليوبوليس الجديدة, و22% منها لمشروع هليو بارك. وهو ما أدى بصورة مباشرة إلى تعزيز أداء أسهم الشركة في السوق في الفترة بين منتصف عام 2016 ومنتصف عام 2017. ومن ثم ساهم في تفعيل صفقات للشراكة مع المطوريين العقاريين. ومنها صفقة بين شركة مصر الجديدة وشركة سوديك في 2018 بهدف تطوير 2.7 مليون متر مربع من أراضي الشركة في منطقة هليوبوليس الجديدة حتى عام 2028 من خلال إنشاء 8600 وحدة سكنية وتجارية مختلفة المواصفات. وتم الاتفاق على أن تذهب 30% من الإيرادات, المتوقع وصولها إلى 30 مليار جنيه, لشركة مصر الجديدة. كما حددت الشركة سعر المتر المربع وقتها بـ3300 جنيه للمالك.

إعادة إحياء خطة التطوير للشركة

وبالتزامن مع وصول القيمة السوقية لأصول وأراضي شركة مصر الجديدة لقيم تتراوح ما بين 80 إلى 100 مليار جنيه, أعلنت الحكومة المصرية عن برنامج تطويري طموح لزيادة فرص الاستفادة من الأصول غير المستغلة والمملوكة للدولة. ومنها تلك الأصول المتعلقة بشركة مصر الجديدة. ويقر البرنامج التعامل مع تلك الأصول إما بالتطوير أو بنقلها لصندوق مصر السيادي.

ومن خلال هذا الإطار, أطلقت شركة مصر الجديدة خطتها الجديدة للتطوير بالاعتماد على شراكات مع القطاع الخاص، وهي الخطة البديلة للقرار الذي تم إلغاؤه بطرح حصة من رأس مال الشركة للبيع ومنح حقوق الإدارة لمستثمر استراتيجي. وتم إعداد الخطة في يوليو من عام 2020 قبل أن يتم الإعلان عنها رسميًا في أكتوبر من العام نفسه. وأعلنت الشركة القابضة للتشييد والتعمير, مالكة الحصة الأكبر من شركة مصر الجديدة, تلقي عدة عروض جادة من شركاء مختلفين منذ إعلان الخطة.

وتتضمن الخطة عدة محاور، منها: التركيز على تطوير مدينة هليوبوليس الجديدة ومراجعة مخططات المشروع الحالية، مع إعداد خطط تسويقية تتناسب مع أهداف الخطة بقدوم منتصف عام 2021. كما تضمنت الخطة تطوير 400 فدان من أراضي المشروع، وعرض 500 فدان أخرى للشراكة في التطوير, منها 240 فدانًا تم بالفعل تلقي عروض لها من القطاع الخاص. وتشمل الخطة كذلك دراسة لكامل أصول الشركة في حي مصر الجديدة خلال 2021 لإيجاد أفضل الطرق لإدارتها. أما عن مشروع هليو بارك، فقد تم الاتفاق على تقييم المشروع من خلال فريق دولي يتم تعيينه في عام 2021 من الشركات الاستشارية من ذوي الخبرات بقطاع التطوير العقاري. وستقوم الشركة بطرح ما فوق الـ100 فدان للتطوير بالشراكة, مع تطوير 200 فدان فقط بجهود الشركة الذاتية.

ويبدو أن عهدًا جديدًا ينتظر الشركة في حالة استطاعتها إنجاح خططها الطموحة، خاصة بعد وضع عدة بدائل لتمويل المشاريع واستراتيجية جديدة لمضاعفة رأس المال إلى 1.5 مليار جنيه بدلًا من 300 مليون جنيه، على ألا تتجاوز عمليات بيع الأراضي 5% فقط من خطط التمويل تلك. كما ستقوم الشركة بعملية إعادة هيكلة واسعة تتضمن القطاع الإداري بها، بما يتناسب مع مستقبلها المرجو. ومن المتوقع أن تنتهي المرحلة الأولى من الخطة عام 2025 بعد ضمان التمويل المبدئي عبر تحالف بنكي من 4 إلى 5 بنوك خلال العام الأول للخطة.

د. عمر الحسيني
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة