احتجاجات أمريكا وسؤال الديمقراطية

عضو الهيئة الاستشارية

في واحد من أسوأ أيام الديمقراطية في امريكا، واثناء موعد دستوري هام، وفي مكان يمثل مركز الديمقراطية الامريكية، اقتحم عدد من المحتجين مبنى الكابيتول لمنع تصديق مجلسي الكونجرس على انتخاب الرئيس الجديد، بتحريض من الرئيس المنتهية ولايته.  وهو الرئيس الذي خسر الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ. والرئيس الذي أحدث شروخا كبيرة داخل الحزب الجمهوري. والرئيس الذي يرفض تسليم السلطة ويكرر مزاعمه حول سرقة الانتخابات ويحرض على العنف. والرئيس الذي تتعالى المطالب لعزله قبل أسبوعين من انتهاء ولايته، ومحاسبته جنائيا عما حدث. صور المحتجين وهم يقتحمون مبنى الكونغرس لم تشكل صدمة فقط للشعب الأمريكي، بل لكل العالم الذي تابع هذه المشاهد…

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

في واحد من أسوأ أيام الديمقراطية في امريكا، واثناء موعد دستوري هام، وفي مكان يمثل مركز الديمقراطية الامريكية، اقتحم عدد من المحتجين مبنى الكابيتول لمنع تصديق مجلسي الكونجرس على انتخاب الرئيس الجديد، بتحريض من الرئيس المنتهية ولايته.  وهو الرئيس الذي خسر الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ. والرئيس الذي أحدث شروخا كبيرة داخل الحزب الجمهوري. والرئيس الذي يرفض تسليم السلطة ويكرر مزاعمه حول سرقة الانتخابات ويحرض على العنف. والرئيس الذي تتعالى المطالب لعزله قبل أسبوعين من انتهاء ولايته، ومحاسبته جنائيا عما حدث.

صور المحتجين وهم يقتحمون مبنى الكونغرس لم تشكل صدمة فقط للشعب الأمريكي، بل لكل العالم الذي تابع هذه المشاهد صوتا وصورة. وكأننا نتابع موسما جديدا من المسلسل الأمريكي الشهير “Designated Survivor”، لكن هذه المرة بأحداث واقعية، وبسيناريو فاق كل التوقعات. اما الابطال فليسوا سوى اتباع الرئيس ترامب، من القوميين البيض، والنشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي والمؤيدين لنظرية المؤامرة، وحمل السلاح. وبعد ثلاث ساعات من الفوضى وانتهاك حرمة المكان انتهت مشاهد هذه اليوم الاسود في تاريخ أمريكا بخروج المقتحمين من المبنى واستئناف جلسات الكونجرس، لكن بالتأكيد لم تنته تداعيات هذا الحادث، والذي يمكن ان تمتد الى خارج حدود أمريكا، كما يقول التاريخ في احداث سابقة غيرت مجرى التاريخ.

احتجاجات يوم الاربعاء 6 يناير واقتحام مبنى الكابيتول كشف حجم التحديات التي باتت تواجه النظام السياسي الأمريكي برمته. فالانقسامات والتصدعات السياسية التي أفرزتها نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة سيكون لها تداعيات كبيرة، ليس فقط داخل الحزب الجمهوري الذي يواجه مخاطر التفكك، لكن داخل المجتمع الأمريكي ككل المهدد بالانقسام، خاصة أن بعض المقتحمين حملوا راية الانشقاق (الكونفيدريت) وهم يهاجمون كرسي الحكم. 

أمريكا تعاني، منذ نشأتها، من النزاعات العرقية التي لم تستطع كل التشريعات المستحدثة القضاء على اشكالها، لكن، خلال السنوات الأخيرة، شهد المجتمع الأمريكي استقواء ونشوة غير مسبوقة لليمين المتطرف وصعود جماعات “تفوق العرق الأبيض” التي دعت بوضوح إلى إقامة دولة عرقية مناهضة للمهاجرين. في المقابل بدا هناك احتقان كبير ومتزايد لدى الأقليات العرقية، ولا سيما ذوي الأصول الأفريقية. وبعد مقتل مواطنين من أصول إفريقية على يد الشرطة الامريكية، بدأت تتوسع بذور الانقسام تدريجيا، وبدأ الوعي الأمريكي يتشرذم عرقيا، واصبحت الأفكار العنصرية اكثر انتشارا وتفاعلا بين الناس على أرض أمريكا الملغومة اجتماعيا.

الاسوأ ان الرئيس ترامب لم يخف يوما دعمه لأفكار المتطرفين البيض، دون اكتراث لما يعنيه ذلك من تهديدات لاستقرار أمريكا ولوحدة شعبها، وهو ما عبر عنه وزير الدفاع السابق جيمس ماتيس بالقول ان ترامب “أول رئيس أراه في حياتي لا يحاول توحيد الأمريكيين، ولا يحاول حتى التظاهر بالقيام بذلك، عوضا عن ذلك هو يحاول أن يفرقنا”. والنتيجة ان الشارع الأمريكي بات اليوم منقسما على نفسه، اكثر من أي وقت مضى. مما يطرح تساؤلات عن إمكانية استمرار أمريكا كدولة قوية موحدة، ام ان تاريخ 6 يناير سيشكل بداية الافول؟

هذا السيناريو ربما يكون محتملا داخل مجتمع يعاني شروخا عرقية عميقة، تسبق حتى وصول ترامب للبيت الابيض. وقد تفاقم الوضع اليوم بعد ان أصبحت أمريكا العظمى تعاني ضغوطا عنصرية، وانقسامات سياسية، وأزمة اقتصادية جراء الجائحة، وما خلفته من صدمة لدى المواطن الأمريكي الذي بات مهددا في حاضره ومستقبله. ولا اعلم اذا كانت الإدارة الامريكية الجديدة ستستطيع تجاوز هذا الوضع الهش وتحد من حدة الانقسامات باتخاذ قرارات وإجراءات تقوي مناعة الجسد الأمريكي وتعيد إليه توازنه المبني على مؤسسات دولة القانون ومبدأ احترام حقوق المواطنة، ام ان العقد قد انفرط، وان اقتحام الكابيتول سيكون البداية وليس النهاية.

المستقبل مفتوح على كل الاحتمالات، والنظام الأمريكي على المحك بعدما تعرض لتلك المحنة. والديمقراطية الامريكية لم تعد كما كانت تقدم نفسها للعالم، بل بات مشكوكا في امرها. ولعل هناك حاجة اليوم للأمريكيين للقيام بنقد ذاتي وللمبادرة بإصلاح النظام من الداخل لتجاوز تداعيات الازمة الراهنة. فأمريكا مطالبة ربما بالقيام بخطوات جريئة تتمثل في تعديل النظام السياسي، بداية من تقييد صلاحيات الرئيس، وإيجاد آليات لمنع حدوث ارتباك في أداء النظام، مرورا بالمراجعة الداخلية داخل الأحزاب نفسها.

إن ما حدث داخل أمريكا من انقسامات، وما يحدث في أوروبا من صعود لتيارات اليمين المتطرف، وما يترتب عن ذلك من تقسيم المجتمعات الى جماعات متنافرة، يطرح مجموعة من التساؤلات بخصوص الديمقراطية بشكلها القائم. فهل لا تزال تشكل أفضل أنواع الحكم وبالتالي الشكل النهائي لتنظيم شؤون المجتمعات؟ ام انها تحتاج الى إصلاحات ونظم جديدة تعمل على تقويتها باستمرار؟

من المؤكد ان الديمقراطية في العالم اجمع في حاجة الى إصلاح، والا ستتعثر اكثر وستختنق بمشاكلها وثغراتها الى ان تتحول الى نظام سيشكل مزيجا من الاستبداد والفوضى، في وقت يحتاج فيه العالم الى تعزيز التعددية وقبول الاخر.

ـــــــــــــــ

نقلا عن “جريدة الأهرام”، الخميس ١٤ يناير ٢٠٢١.

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب