وحدة الدراسات الاقتصادية

“استيعاب التداعيات”: النظام المالي المصري في مواجهة كورونا

شهد النظام المالي مستوى مرتفعًا من الاستقرار على مدار السنوات الماضية، كما شهد الأداء الاقتصادي تحسنًا نظرًا لنجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي خلال الفترة من 2016-2019، والذي تَمثل في قدرته على التعامل مع العديد من الأزمات واحتواء تداعياتها، وذلك دون الإخلال بدوره الرئيسي في القيام بالوساطة المالية. وقد ساهم كلٌ من استقرار النظام المالي وتحسن الأداء الاقتصادي في تحصين الاقتصاد المصري ضد الاضطرابات الناجمة عن جائحة كورونا، وكذلك الحد من احتمالية حدوث مخاطر نظامية تؤثر على استقرار النظام المالي. وفي ضوء ما سبق، ينشر البنك المركزي المصري تقريرًا سنويًا حول مدى استقرار النظام المالي، والذي يساهم استمرار استقراره في تيسير التوزيع…

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

شهد النظام المالي مستوى مرتفعًا من الاستقرار على مدار السنوات الماضية، كما شهد الأداء الاقتصادي تحسنًا نظرًا لنجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي خلال الفترة من 2016-2019، والذي تَمثل في قدرته على التعامل مع العديد من الأزمات واحتواء تداعياتها، وذلك دون الإخلال بدوره الرئيسي في القيام بالوساطة المالية.

وقد ساهم كلٌ من استقرار النظام المالي وتحسن الأداء الاقتصادي في تحصين الاقتصاد المصري ضد الاضطرابات الناجمة عن جائحة كورونا، وكذلك الحد من احتمالية حدوث مخاطر نظامية تؤثر على استقرار النظام المالي. وفي ضوء ما سبق، ينشر البنك المركزي المصري تقريرًا سنويًا حول مدى استقرار النظام المالي، والذي يساهم استمرار استقراره في تيسير التوزيع الكفء للموارد الاقتصادية من خلال تقديم خدمات الوساطة المالية.

تحليل أداء القطاع المصرفي

مع بدء انتشار فيروس كورونا، قام البنك المركزي باتخاذ العديد من الإجراءات الهادفة إلى تخفيف آثار الجائحة على قطاعي الأعمال والعائلي، حيث قرر خفض سعر الفائدة بمقدار 300 نقطة أساس في مارس 2020 لدعم النشاط الاقتصادي بكافة قطاعاته، فضلًا عن تأجيل جميع الاستحقاقات الائتمانية للأفراد والشركات لمدة ستة أشهر وعدم تطبيق غرامات على التأخر في السداد للحد من مخاطر التعثر، مع إطلاق العديد من المبادرات الخاصة لدعم قطاع السياحة والصناعة والزراعة.

ويظهر استقرار القطاع المصرفي في تحسن مؤشرات السلامة المالية، رغم تفاقم تداعيات كورونا الاقتصادية، مما انعكس في ارتفاع الملاءة المالية للبنوك، حيث سجل معدل كفاية رأس المال نحو 20.1٪ في يونيو مقابل 18.6٪ في مارس 2020، بدعم من تراجع نسبة القروض غير المنتظمة التي سجلت حوالي 3.9٪ في يونيو مقابل 4.1٪ في مارس 2020، هذا بالإضافة إلى مستوى مرتفع من السيولة، سواء بالعملة المحلية عند 54.3% أو الأجنبية بنحو 70.3%، وهو ما يدلل على كفاءة البنوك في إدارة كافة المخاطر الرئيسية المتمثلة في الائتمان والسوق والسيولة.

تطور أصول القطاع المصرفي

بلغ إجمالي أصول القطاع المصرفي نحو 5.3 ترليونات جنيه في العام المالي 2018/2019 بزيادة قدرها 292 مليار جنيه مقارنة بالعام السابق، كما استمر إجمالي الأصول في الزيادة خلال مارس ليسجل نحو 6.2 تريليونات جنيه، ويونيو مسجلًا 6.4 تريليونات جنيه. وتمثل نسبة أصول القطاع المصرفي 89.6٪ من إجمالي أصول النظام المالي، وتتوزع أصول القطاع المصرفي بشكل أساسي بين الاستثمارات المالية، والقروض، والأرصدة لدى البنوك. كما هو موضح بالشكل التالي:

الشكل (1): أهم بنود الأصول (%)

وفيما يتعلق بجانب الالتزامات؛ فإن القطاع المصرفي اعتمد على الودائع بشكل أساسي كمصدر للتمويل والتي سجلت ارتفاعًا بنحو 9.1% خلال 2018/2019، مقارنة مع 16.3% خلال العام السابق. ويرجع تباطؤ معدل نمو الودائع إلى انتهاج سياسة نقدية توسعية بعد احتواء الضغوط التضخمية. وتمثل ودائع القطاع العائلي بالعملة المحلية والأجنبية نحو 68% من إجمالي الودائع.

أرباح القطاع المصرفي

ارتفع صافي أرباح القطاع المصرفي محققًا معدل نمو بلغ نحو 32٪ في العام المالي 2018/2019 مقابل معدل نمو 2.4٪ خلال العام السابق، ويرجع ذلك بصفة أساسية الى زيادة عائد استثمار القطاع المصرفي في السندات الحكومية والتي تمثل نحو 50٪ من الزيادة في إيرادات القطاع المصرفي. وهو ما يحقق للقطاع المصرفي ربحية مستقرة نسبيًّا حتى مع إجراءات احتواء كورونا. وفيما يلي عرض لتطور أرباح القطاع المصرفي خلال 3 سنوات:

الشكل (2): تطور مؤشرات الربحية (%)

كما يتضح من الشكل أيضًا أنه يُمكن التعبير عن ربحية القطاع المصرفي عن طريق ثلاثة مؤشرات، هي: صافي هامش العائد، والعائد على متوسط الأصول، ومعدل العائد على حقوق المساهمين. وبالنظر إلى الشكل (2)، نجد أن معدل العائد على حقوق المساهمين قد حقق أكبر نسب للنمو خلال الثلاث سنوات السابقة؛ إذ وصل إلى 23.4% في 2019 مقارنة مع 1.8% سجلها العائد على متوسط الأصول و4.1% حققها صافي هامش العائد.

القروض غير المنتظمة

استقرت نسبة القروض غير المنتظمة إلى إجمالي القروض خلال الفترة بين عام 2018 وحتى مارس 2020، حيث سجلت النسبة 4.2٪ في نهاية العام المالي 2018/2019 مقابل 4.1% في العام المالي السابق، وهي نفس النسبة المحققة في مارس 2020، لتنخفض تلك النسبة إلى 3.9% خلال يونيو 2020.

هذا وشهدت المحفظة الائتمانية للمؤسسات انخفاض نسبة القروض غير المنتظمة لتسجل نحو 3.1% في نهاية يونيو 2020 مقارنةً مع 3.7% في نهاية ديسمبر 2019، أما بالنسبة لمحفظة القروض الاستهلاكية فقد سجلت 3.8% خلال يونيو 2020 مقابل 3.5% بحلول أواخر 2019، وهو ما يتضح من الرسم التالي:

الشكل (3): نسبة القروض غير المتعثرة لدى القطاع المصرفي

وتعد نسبة القروض غير المنتظمة لإجمالي القروض أفضل من متوسط النسبة المحققة في الدول المقارنة والبالغة 5.6%، كما يتبين من الشكل التالي:

الشكل (4): القروض غير المنتظمة إلى إجمالي القروض للقطاع المصرفي في بعض الدول (ديسمبر 2019)

تحليل تطور وأداء القطاع المالي غير المصرفي

تعد مؤسسات القطاع المالي غير المصرفي المكون الثاني للنظام المالي بإجمالي أصول بلغت 615.2 مليار جنيه في العام المالي 2018/2019، بما يمثل 10.4% من إجمالي أصول النظام المالي، ويستحوذ قطاعا البريد وشركات التأمين على 58٪ من أصول القطاع المالي غير المصرفي، كما يتضح من الرسم التالي:

الشكل (5): توزيع أصول أنشطة القطاع المالي غير المصرفي في العام المالي 2018/2019

وقد استمر القطاع المالي غير المصرفي في القيام بدوره في خلق وتعزيز مصادر التمويل لكافة الأنشطة الاقتصادية، إلى جانب تقديم خدمات الحماية للأفراد والممتلكات، كما تحسنت مؤشرات الأداء الرئيسية للأنشطة المالية غير المصرفية بشكل عام خلال العام المالي 2018/2019 والنصف الأول من 2020، الأمر الذي مكنها من احتواء تداعيات جائحة فيروس كورونا.

أداء قطاع التأمين

شهد أداء قطاع التأمين تحسنًا في معظم البنود المالية، حيث بلغ إجمالي أصول شركات التأمين 118.2 مليار جنيه في العام المالي 2018/2019، بمعدل نمو بلغ 5.1% مقارنةً بالعام المالي السابق، وتمثل استثمارات شركات التأمين 86.3٪ من إجمالي الأصول، وتتوزع تلك الاستثمارات على أذون الخزانة والسندات الحكومية، والأوعية الادخارية لدى البنوك، والأسهم والسندات غير الحكومية، وتستحوذ شركات التأمين على الأشخاص على نسبة 56.9٪ من صافي استثمارات القطاع. 

الشكل (6): توزيع استثمارات شركات التأمين في العام المالي 2018/2019

يتبين من الشكل السابق أن استثمارات شركات التأمين ترتكز في أذون الخزانة والسندات الحكومية بنحو 27.6%، يليه الاستثمار في الأوعية الادخارية في البنوك عند 23.9%.

أداء قطاع البريد

ارتفع عدد مكاتب البريد لتصل إلى 4035 مكتبًا في العام المالي 2018/2019 مقابل 4013 مكتبًا في العام السابق. ويقدم مكتب البريد خدمات الأوعية الادخارية متمثلة في صندوق التوفير والحسابات الجارية، وقد بلغت قيمة المدخرات لدى قطاع البريد 437.2 مليار جنيه في العام المالي 2018/2019، وتمثل ودائع صندوق التوفير الجانب الأكبر منها بنسبة 69.7%، هذا وقد ارتفعت قيمة أرصدة العملاء بصندوق البريد بمعدل نمو 1.9% مقارنةً بالعام السابق، في حين ارتفعت الحسابات الجارية بمعدل 21.2%.

وقد اتخذت وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات عدة إجراءات للحد من انتشار فيروس كورونا، ومنها زيادة عدد مكاتب البريد التي تعمل لفترة مسائية لمنع التزاحم، إلى جانب تشجيع سداد الفواتير من خلال مكاتب البريد، بالإضافة إلى تيسير صرف معونة العمالة غير المنتظمة من خلال مكاتب البريد.

الشمول المالي والبنية التحتية المالية

اتخذ البنك المركزي العديد من الخطوات في سبيل تعزيز الشمول المالي منذ إنشاء الإدارة المركزية للشمول المالي، والتي تقوم بدور محوري في التنسيق على المستوى المحلي والإقليمي والدولي بهدف توحيد الجهود الرامية لتعزيز الشمول المالي.

وتمثلت أهم خطوات المركزي الهادفة لتعزيز مفهوم الشمول المالي في إطلاق مبادرات لإتاحة التمويل اللازم للشركات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، وتشجيع البنوك على ضخ تمويلات للمشروعات الصغيرة والمتوسطة بأسعار عائد مخفضة، بالإضافة إلى استمرار الضمانة المصدرة من البنك المركزي في عام 2018 بقيمة ملياري جنيه لشركة ضمان مخاطر الائتمان لقيام الشركة بتغطية جزء من المخاطر المصاحبة لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، مما ساهم في تحفيز البنوك على منح التسهيلات الائتمانية لتلك الفئات. وقد استفاد من تلك المبادرات أكثر من مليون و44 ألف مستفيد بنحو 181 مليار جنيه منذ ديسمبر 2015 وحتى مارس 2020.

كما يسعى البنك المركزي لتطوير منصة المشروعات الصغيرة والمتوسطة بالتعاون مع جهاز تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وكذلك ربط النظام الآلي لكافة مراكز تطوير الأعمال بالمنصة وتطويره لاستخراج تقارير تحليلية تفصيلية بالخدمات غير المالية المقدمة. وبلغ عدد المستفيدين من خدمات مراكز تطوير الأعمال حوالي 9600 عميل بتقديم أكثر من 21 ألف خدمة في الفترة من يوليو 2019 وحتى يونيو 2020.

وفي النهاية، فقد تمكن القطاع المصرفي من استيعاب تبعات جائحة كورونا على موارد العملة الأجنبية، وهو ما ساهم في خفض الضغط على سعر الصرف، وانخفاض مخاطر السوق للقطاع المصرفي، الأمر الذي عزز الاستقرار المالي دون لجوء للسياسة الاحترازية الكلية لتفعيل أدواتها.

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة