loader

العملات الرقمية والبنوك المركزية (2)

تناولنا فى المقال السابق التطور الكبير فى أسواق العملات المشفرة وأشرنا إلى أن التحدي الأساسي فى الأسواق الدولية أصبح يتعلق بالصراع بينها وبين العملات المحلية وهو ما يمثل تحديا قويا أمام صانعي السياسة النقدية، والهادفة إلى التحكم في عرض النقود وأدواته، بما يتلاءم مع الأوضاع الاقتصادية المرغوبة، ويضمن التشغيل الكفء للموارد الاقتصادية، واستقرار مستويات الأسعار، درءا للتضخم وحفاظاً على قيمة العملة الوطنية. وبناء على ذلك فإن التوسع النقدي أو التوسع فى الائتمان المحلى يرتبط بالنمو الاقتصادي وسياسة سعر الصرف المتبعة. وهو ما يختلف كثيرا عن التعاملات بالعملات المشفرة.وقد ظهرت هذه المسالة بصورة واضحة خلال تعاملات الأسواق خلال الإسبوع المنصرم حيث…

عبد الفتاح الجبالي

تناولنا فى المقال السابق التطور الكبير فى أسواق العملات المشفرة وأشرنا إلى أن التحدي الأساسي فى الأسواق الدولية أصبح يتعلق بالصراع بينها وبين العملات المحلية وهو ما يمثل تحديا قويا أمام صانعي السياسة النقدية، والهادفة إلى التحكم في عرض النقود وأدواته، بما يتلاءم مع الأوضاع الاقتصادية المرغوبة، ويضمن التشغيل الكفء للموارد الاقتصادية، واستقرار مستويات الأسعار، درءا للتضخم وحفاظاً على قيمة العملة الوطنية. وبناء على ذلك فإن التوسع النقدي أو التوسع فى الائتمان المحلى يرتبط بالنمو الاقتصادي وسياسة سعر الصرف المتبعة. وهو ما يختلف كثيرا عن التعاملات بالعملات المشفرة.وقد ظهرت هذه المسالة بصورة واضحة خلال تعاملات الأسواق خلال الإسبوع المنصرم حيث نجحت البيتكوين فى تخطى مستوى الـ 35 ألف دولارا مع اقتحام أنصار الرئيس الأمريكي “ترامب” الكونجرس، إلى جانب الحديث عن الإغلاقات الجزئية لبعض الاقتصادات المتقدمة بسبب تداعيات فيروس كورونا. ومن المفارقات أن هذه الارتفاعات تزامنت مع تراجع الذهب والدولار الأمريكي وبعض عملات الملاذ الآمن كالفرنك السويسري والين الياباني، وهو ما أدى إلى تخارج رءوس الأموال من الملاذات التقليدية لتذهب للبيتكوين، وهكذا أصبحت هذه العملات تمثل ملاذا آمنا بجانب كونها مخزنا للقيمة. مع العلم بأن البيتكوين ليست العملة الرقمية الوحيدة إذ يوجد نحو 11 عملة أخري ولكنها العملة الوحيدة التي تحولت لأداة مضاربة وتضخمت بهذا الشكل (حيث تستحوذ على 55% من سوق هذه العملات يليها الاثيريوم بنحو 15% ثم البتكوين كاش 8% وريبل 4%).وقد اختلفت الآراء بشدة حول هذه العملات وآثارها على الاقتصاد العالمي إذ يري البعض أنها البديل الحديث والمتطور عن العملات الورقية أو البلاستيكية أو الرصيد البنكي. وإنها ستحل محلها فى المستقبل القريب. وذلك فى ضوء ما تتمتع به من مزايا فهي أداة مهمة لنقل السيطرة والرقابة إلى يد الأفراد بدلاً من الحكومات والبنوك التقليدية. وبالتالي فهي لا تحتاج لحسابات بنكية واشتراطاتها حيث يستطيع الأفراد حمل الملايين فى محفظتهم الإليكترونية أينما ذهبوا دون الحاجة إلى النقد الورقي، كما انها عملة عالمية غير مرتبطة بدولة محددة، خاصة في ظل وجود أكثر من 2.5 مليار من سكان الأرض لا يمتلكون حسابات بنكية وهذه العملة الرقمية ستساعد كل فرد للحصول على منفذ للعمليات المالية دون الحاجة إلى وسيط وتعقيدات بيروقراطية. وتري كريستين لاجارد المدير التنفيذي السابق لصندوق النقد الدولي أن المشكلات التي تعانيها هذه العملات حاليا تتعلق بتحديات تكنولوجية يمكن التغلب عليها مستقبلا ومن ثم تلافي الآثار السلبية، وتري أنه ليس من الحكمة استبعادها لأنها ستصبح في يوم من الأيام أسهل في التعامل، وأكثر أمنا من الحصول علي العملات الورقية خاصة في المناطق النائية وهو ما يراه المؤيدون لهذه العملات لأن هذه المعاملات تتم مباشرة بين الأطراف المختلفة وغالبا ما تكون عابرة للحدود وبالتالي فهي أقل تكلفة وأسهل وقليلة المخاطرة فلا يوجد تسجيل مركزي ولا حسابات يتم الرجوع إليها وغيرها من الأمور. فهي أداة دفع مرنة وسهلة، كما انها تتميز بالبساطة فما علي المواطن إلا التعامل دون السؤال عن الاسم والعنوان أو رقم الهاتف وغيرها من الأسئلة التي يراها أنها تدخل في شئونهم الخاصة.وقد سعى البعض إلى جذب مراكز التمويل الإسلامية والمنتشرة فى البلدان الخليجية وجنوب شرق آسيا للاستثمار فى هذه العملات عن طريق إقناعهم بأنها أداة لا تتعارض مع الشريعة الإسلامية لأنها من منتجات الهندسة المالية وموضع مضاربة شرعية، وإنها لا تختلف كثيرا عن الذهب الذي كان من أوائل أشكال النقود فى المجتمعات الإسلامية. وهو ما أثار جدلا واسعا بين العلماء حيث أفتى البعض بتحريمها مثل دار الافتاء المصرية التي رأت أنه لا يجوز شرعا تداول عملة البيتكوين والتعامل من خلالها بالبيع والشراء والاجارة وغيرها بل يمنع الاشتراك فيها، بينما تحفظ البعض عليها لحين متابعة مستجداتها ودراستها بعمق كما جاء فى البيان الختامي لمؤتمر الدوحة الرابع للمال الإسلامي. لذلك يرون أن الأفضل هو المنع. قراصنة فيروس الفدية الذي ضرب الحكومات والشركات والمؤسسات الخدمية حيث تم سداد الفدية بهذه العملة، كما دعت حركة حماس عبر ذراعها العسكرية إلى تمويلها عن طريق البيتكوين لتخطى الحظر على وصول الأموال لديها. كما أصبحت هذه العملات جذابة لجرائم الإنترنت إذ تشير الإحصاءات إلى أن الهاكرز قد استولوا على نحو 2 مليار دولار من هذه العملة خلال السنوات العشر الماضية. بل وواجهت بعض الشركات مشكلة الوصول إلى هذه الحسابات عند وفاة مؤسس الشركة التى تتعامل فيها مثلما حدث فى أكبر الشركات الكندية. وهكذا تبرز العديد من المخاطر الجديدة التي تهدد الاستقرار المالي والنقدي الدوليين مع زيادة عدم اليقين في المؤسسات الاقتصادية والأجهزة المصرفية والقواعد التنظيمية بشكل عام وكلها أمور تقوض الاستقرار المالي العالمي.

نقلا عن “جريدة الأهرام”، الأربعاء ١٣ يناير ٢٠٢١.

عبد الفتاح الجبالي

مقالات أخرى للكاتب