loader

قصة أمريكتين

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

انتهت سريعا الأحداث التي شهدتها الولايات المتحدة يوم ٦ يناير، والتي وصلت ذروتها باقتحام أنصار للرئيس ترامب مبنى الكونجرس احتجاجا على نتائج الانتخابات الرئاسية. انتهت الأحداث خلال ساعات بانسحاب المقتحمين والقبض على بعضهم، وعودة الكونجرس للاجتماع مساء نفس اليوم للتصديق على انتخاب جو بايدن رئيسا للولايات المتحدة، بل وإعلان ترامب نفسه أنه سيتم انتقال منظم للسلطة للرئيس الجديد، رغم أنه لن يحضر حفل التنصيب الرئاسي فى ٢٠ يناير القادم. إذن انتهت أحداث ذلك اليوم بانتصار القانون والمؤسسات. وبالرغم من ذلك، فإن التعليقات على ما حدث لاتزال مستمرة سواء خارج الولايات المتحدة أو داخلها. التعليقات الخارجية غلب عليها إما التعبير عن…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

انتهت سريعا الأحداث التي شهدتها الولايات المتحدة يوم ٦ يناير، والتي وصلت ذروتها باقتحام أنصار للرئيس ترامب مبنى الكونجرس احتجاجا على نتائج الانتخابات الرئاسية. انتهت الأحداث خلال ساعات بانسحاب المقتحمين والقبض على بعضهم، وعودة الكونجرس للاجتماع مساء نفس اليوم للتصديق على انتخاب جو بايدن رئيسا للولايات المتحدة، بل وإعلان ترامب نفسه أنه سيتم انتقال منظم للسلطة للرئيس الجديد، رغم أنه لن يحضر حفل التنصيب الرئاسي فى ٢٠ يناير القادم. إذن انتهت أحداث ذلك اليوم بانتصار القانون والمؤسسات.

وبالرغم من ذلك، فإن التعليقات على ما حدث لاتزال مستمرة سواء خارج الولايات المتحدة أو داخلها. التعليقات الخارجية غلب عليها إما التعبير عن الصدمة والأسف لما تشهده الولايات المتحدة، أو الشماتة فيها بعد أن أصبحت الانتخابات بها محل احتجاج واتهام بالتزوير.

أما الجدل فى الولايات المتحدة، فقد تركز على اتهام ترامب بالمسؤولية عن الاقتحام من خلال تحريضه لأنصاره على القيام بذلك، وبالتالي الدعوة لإقالته من منصبه أو عزله أو محاكمته.

ومع أن أحداث يوم ٦ يناير قد انتهت سريعا، ومن المستبعد إقالة ترامب أو عزله قبل أن تنتهي ولايته ظهر يوم ٢٠ يناير القادم، كما ليس من المتوقع خروجه نهائيا من المشهد السياسي الأمريكي، فمازال يحظى بتأييد قاعدة شعبية واسعة.

إلا أنه بالرغم من ذلك، فإن اقتحام الكونجرس كان بمثابة قمة جبل الجليد، التي تخفى تحتها درجة عميقة من الانقسام السياسي والثقافي والاجتماعي والعرقي، والذي يمكن وصفه بأننا إزاء «أمريكتين» وليس أمريكا واحدة، أو شعبين فى بلد واحد. هذا الانقسام ظهر فى نتائج انتخابات الرئاسة، حيث فاز بايدن بنسبة ٥١٪ فقط من أصوات الناخبين، وبرغم هزيمة دونالد ترامب إلا أنه حصل على ٧٤ مليون صوت، أغلبهم ينظر الآن للرئيس المنتخب بايدن على أنه رئيس غير شرعي، ويصدقون اتهامات ترامب بأن الانتخابات سرقت منه.

الانقسام الأمريكي ظهر أيضا فى تفسير أحداث اقتحام الكونجرس، فبالرغم من الأدلة الدامغة على مشاركة أنصار ترامب فى الاقتحام، إلا أن هناك رواية أخرى تتردد فى قاعدته الانتخابية، وهي أن ما حدث هو جزء من مؤامرة، وأن المقتحمين هم متسللون من أعداء ترامب من اليسار، وبالرغم من أنهم كانوا يرتدون قمصانًا أو قبعات أو يحملون أعلامًا تحمل اسم ترامب، إلا أنه يتم تبرير ذلك بسهولة شراء هذه الملابس والأدوات من أي مكان. كما يتهم البعض الشرطة بإزالة الحواجز عندما اقترب المتظاهرون من الكونجرس كي تشجع اقتحامهم للمبنى، وبالتالي أوقعتهم فى هذا الفخ.

الانقسام ظهر أيضا فيما وصفه البعض بازدواج المعايير فى تعامل الشرطة مع المتظاهرين «البيض» أمام الكونجرس، والمتظاهرون فى الصيف الماضي فيما عرف باحتجاجات «حياة السود لها أهمية»، حيث كان مشهد تعامل شرطة الكونجرس فاترا ومتسامحا، مقارنة بمشهد نشر قوات الحرس الوطني، والشرطة على الخيول، واستخدام الرصاص المطاطي فى المظاهرات المطالبة بحقوق السود. ويخلص هؤلاء لنتيجة أن حياة البيض أهم من حياة السود.

إلا أن الانقسام الأكبر يعود إلى ما أحدثته العولمة فى المجتمع الأمريكي، والتي أدت إلى زيادة درجة عدم المساواة فى الدخل، وانتقال العديد من الصناعات الأمريكية إلى خارج الولايات المتحدة بحثا عن العمالة الرخيصة، وهو ما ساهم فى تبنى قطاع كبير من القوة العاملة – والتي تضررت من ذلك – للأفكار الشعبوية وشعار أمريكا أولا الذي رفعه ترامب.

وارتبط الأمر أيضا بإحساس الأغلبية البيضاء فى الولايات المتحدة بفقدانها «الحلم الأمريكي الأبيض» والتلاشي التدريجي للمزايا التي تمتعت بها استنادا للون، لذا كان تأييدها للخطاب المناهض للمهاجرين وللأقليات غير البيضاء.

ويضاف لما سبق، فقدان الثقة فى المؤسسات الأمريكية، والنظر إلى النخبة السياسية على أنها فاسدة وتسعى لتحقيق مصالحها الشخصية وليس مصالح المواطن العادي، وقد ظهر ذلك فى تعبير أحد المقتحمين للكونجرس بقوله إنه كدافع ضرائب كان يشارك فى استعادة هذه المؤسسة لأصحابها الحقيقيين.

هذه هي الأزمة الحقيقية والممتدة بالولايات المتحدة، وكان اقتحام الكونجرس تعبيرا عن حالة الانقسام العميق التي تعيشها، أو مجرد فصل فى «قصة أمريكتين».

نقلا عن “جريدة المصري اليوم”، الإثنين ١١ يناير ٢٠٢١.

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

خبراء مصر

img

رأي

التوك شو

img

رأي

مكانة مصر