وحدة الدراسات الاقتصادية

صفقة الاستحواذ على بنك عودة – مصر.. الدوافع والمآلات

يتصدر بنك عودة ترتيب البنوك اللبنانية بحسب إجمالي الحسابات المصرفية الرئيسية لديه، كما يُعتبر من أقدم البنوك بالمنطقة وأولها ببلده، حيث تأسس بنك عودة عام 1830 قبل أن يتم تسجيله بعد أكثر من قرن كامل عام 1962 كشركة مساهمة خاصة ذات مسئولية محدودة. ويمتاز البنك بتملكه فروعًا عدة يقدم من خلالها خدماته المالية والتجارية للشركات والأفراد بدول مختلفة، منها مصر والأردن والمملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة والعراق وتركيا وفرنسا وسويسرا ودول أخرى. ومع نهاية سبتمبر من عام 2020، بلغ إجمالي أصول البنك 35.2 مليار دولار أمريكي، وإجمالي ودائع العملاء 26.5 مليار دولار، وإجمالي القروض 8.5 مليارات دولار، وبلغ…

د. عمر الحسيني
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

يتصدر بنك عودة ترتيب البنوك اللبنانية بحسب إجمالي الحسابات المصرفية الرئيسية لديه، كما يُعتبر من أقدم البنوك بالمنطقة وأولها ببلده، حيث تأسس بنك عودة عام 1830 قبل أن يتم تسجيله بعد أكثر من قرن كامل عام 1962 كشركة مساهمة خاصة ذات مسئولية محدودة. ويمتاز البنك بتملكه فروعًا عدة يقدم من خلالها خدماته المالية والتجارية للشركات والأفراد بدول مختلفة، منها مصر والأردن والمملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة والعراق وتركيا وفرنسا وسويسرا ودول أخرى. ومع نهاية سبتمبر من عام 2020، بلغ إجمالي أصول البنك 35.2 مليار دولار أمريكي، وإجمالي ودائع العملاء 26.5 مليار دولار، وإجمالي القروض 8.5 مليارات دولار، وبلغ إجمالي حقوق المساهمين 3 مليارات دولار.

دوافع البيع

برغم نشاط البنك في الدول التي يعمل بها، إلا أن استراتيجيته التوسعية كانت تتضمن التركيز على ثلاثة أسواق رئيسية هي: مصر، ولبنان، وتركيا. إذ دخل البنك للسوق المصري عام 2006 بادئًا برأس مال مقداره 100 مليون دولار أمريكي، وشهد هذا الرقم ارتفاعات تدريجية حتى بلغ مع نهاية عام 2015 (347) مليون دولار. كما شهد زيادة في عدد الفروع بداية من ثلاثة فروع حتى تعدى عددها أكثر من 53 فرعًا. كما شهد عام 2019 نموًا بما يفوق 10% بقليل في إجمالي الأصول وودائع العملاء وصافي الربح مقارنة بعام 2018. كما ازداد معدل نمو القروض والسلفيات في نفس الفترة لنحو 16.37%.

ولكن مع الأزمة الاقتصادية الطاحنة بلبنان تأثر الوضع المادي للبنك، وهو ما أجبره على اللجوء لعرض فروع البنك في مصر للبيع، لا سيما بعد شروط البنك المركزي المصري الخاصة بضم البنوك بهدف زيادة رؤوس أموالها. ومع الأشهر الأولى لعام 2020، ازدادت شدة الحاجة لعملية البيع بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية الناتجة عن وباء (كوفيد-19)، وتم توقع وصول عروض مختلفة للشراء، خاصة وأن عمليات الاستحواذ تُعتبر هي الطريقة الوحيدة حاليًا للدخول إلى القطاع البنكي المصري، حيث لم يمنح البنك المركزي المصري تراخيص جديدة لسنوات.

ويبدو أن ظروف الضائقة الاقتصادية بلبنان لم تصب بنك عودة فقط، حيث أكد بنك بلوم اللبناني أنه يتطلع لبيع أصوله في مصر استجابة للأزمة المالية، محاولًا التأقلم مع عواقبها بعد انخفاض أرباحه بنسبة 77% خلال عام واحد. وأعلن البنك في بيانه أن البنك المركزي المصري وافق على طلب ببدء إجراءات العناية الواجبة بشأن صفقة قد تصل قيمتها إلى 250-300 مليون دولار. وأشار البنك إلى أي اتفاق سيخضع لموافقة مجلس إدارة البنك والبنك المركزي المصري. وكان بنك الإمارات دبي الوطني أول المهتمين بشراء فروع بنوك بلوم بمصر البالغة 41 فرعًا كي يضيفها لفروعه.

عرض أبو ظبي الأول للاستحواذ على عودة – مصر

وبعد تردد وتضارب من تقارير بنك عودة بصدد عملية الانسحاب من مصر وبيع فروع عودة – مصر، أكد المدير المالي للبنك “تامر غزالة” أن البنك يتطلع للخروج من مصر، وتنفيذ انسحابه بسبب الضغوط المالية في لبنان. جاء ذلك بعد أشهر قليلة من اقتراب بنك عودة من الاستحواذ على البنك الأهلي اليوناني NBG بمصر قبل الأزمة.

ومع بداية عام 2020، بدأت العروض للشراء من عدة جهات تصل للبنك، وبالتحديد في النصف الثاني من شهر يناير، حيث أرسل بنك أبو ظبي الأول FAB طلبًا رسميًا إلى البنك المركزي المصري بإتمام تقييم كامل لوضع بنك عودة، وذلك بالتزامن مع إبراز نية البنك بدء عملية الاستحواذ على بنك عودة بمصر. وصرح آنذاك “جمال نجم” نائب محافظ البنك المركزي، أن بنك عودة أبدى الاستعدادات الواضحة واللازمة لإتمام الصفقة، كما عين المجموعة المالية هيرميس كمستشار مالي للصفقة. 

وفي نهاية يناير 2020، قام البنك المركزي بإعطاء الضوء الأخضر لبنك أبو ظبي الأول بشأن التقييم الرسمي والإجراءات الواجبة لشراء ذراع بنك عودة في مصر قبل عملية استحواذ محتملة. ورغم أن بنك أبو ظبي الأول يعد واحدًا من أصل ثلاثة بنوك أبدت رغبتها في شراء عودة – مصر، إلا أنه تم تفضيل عرضه من قبل إدارة بنك عودة.

وصرح مسئولون من بنك أبو ظبي في فبراير من العام نفسه بأنه طبقًا لعملية مراقبة الاندماج والاستحواذ، من المتوقع أن يمضي البنك قدمًا في صفقة الشراء، وذلك على الرغم من الاضطرابات الاقتصادية الناجمة عن جائحة الكورونا. وجاءت أغلب التصريحات وقتها متفائلة بإنهاء عملية الاستحواذ خلال الربع الثاني من عام 2020 بعد إتمام جميع إجراءات العناية الواجبة. وقام بنك أبو ظبي بتعيين بنك UBS كمستشار مالي للصفقة. كما ذكر أن قيمة الاتفاقية قد تبلغ 700 مليون دولار أمريكي.

توقف صفقة البيع

ولكن وقبل نهاية الربع الثاني، وبالتحديد في مايو 2020، أوقف بنك أبو ظبي الأول خطته للاستحواذ على أصول بنك عودة في مصر، وأرجع البنك السبب وقتها إلى ظروف السوق وتأثير أزمة الوباء على الاقتصاد الإماراتي، وذلك على الرغم من إعلان البنك قبل تصريح وقف الصفقة بأيام عن استكماله إجراءات العناية الواجبة، وأنه بصدد الانتهاء من عرضه؛ إلا أن بنك أبو ظبي قرر إعطاء الأولوية لتحركاته المالية في دعم اقتصاد الإمارات العربية المتحدة للتعافي من آثار الجائحة.

وخلال الشهر نفسه، وبعد بيان مشترك من البنكين، تبين أنه تم الاتفاق على أن قرار وقف المفاوضات سيكون مؤقتًا بسبب عدم القدرة على وضع توقعات مؤكدة وسط الظروف العالمية غير المسبوقة، إلا أن البيانات المعلنة أعطت أملًا في إمكانية استكمال المفاوضات بعد فترة، استثمارًا للتقدم الكبير فيها. كما أوضح البيان أن قرار وقف المحادثات يصب في مصلحة المساهمين والعملاء والموظفين.

أرباح 2020 ودخول مفاوضين جدد

وعلى الرغم من الأزمة الاقتصادية، إلا أن بنك عودة مصر استطاع خلال النصف الأول من 2020 تحقيق أرباح قبل خصم الضرائب بلغت 975 مليون جنيه مصري. كما سجل صافي ربح البنك 651 مليون جنيه خلال الفترة نفسها، مما عكس استمرار تحقيقه للنمو على الرغم من التحديات الناجمة عن جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19). وعلى النهج نفسه بلغ إجمالي أصول البنك بمصر نحو 77 مليار جنيه مع نهاية السنة المالية 2019-2020، مع ارتفاع حقوق الملكية الخاصة به إلى 7 مليارات جنيه. كما بلغت محفظة الخدمات المصرفية للأفراد بالبنك ما يقارب 9 مليارات جنيه مقارنة بحوالي 8 مليارات جنيه بنهاية عام 2019، بزيادة قدرها 13٪ خلال 6 أشهر فقط. كما سجلت محفظة ودائع البنك قرابة 67 مليار جنيه بزيادة قدرها 2٪ في نفس عدد الأشهر.

ويبدو أن هذه التقارير الإيجابية، بالإضافة لوضع الأصول الجيد الخاص، وتوقف المفاوضات مع بنك أبو ظبي الأول؛ شجع بنك الإمارات دبي الوطني لأن يتطلع هو الآخر للاستحواذ على بنك عودة مصر، إلى جانب بنك بلوم ولبنان والمهجر التي تخطت مراحل متقدمة في التفاوض وقتها؛ وذلك في محاولة منه لتعزيز وجوده في السوق المصرية من خلال شراء أصول بنوك عدة بمصر. ورغم نفي إدارة بنك عودة خبر هذه المفاوضات، إلا أن العديد من المصادر تحدثت بهذا الصدد خلال فترة توقف المفاوضات مع بنك أبو ظبي الأول الذي بدأ في مفاوضة بنوك أخرى بنفس التوقيت.

استئناف المفاوضات من جديد

وبعد فترة صمت امتدت قرابة خمسة أشهر، صرح “محمد بدير” الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لبنك عودة – مصر، أنه سيتم استكمال المفاوضات القائمة بين بنك عودة لبنان وبنك أبو ظبي الأول FAB، بخصوص الاستحواذ على بنك عودة – مصر والمباحثات الجارية للمصادقة على الفحص، وتوقيع العقود، والحصول على موافقة الجهات المعنية، وعلى رأسها موافقة البنك المركزي المصري. واعتزم بنك أبو ظبي الأول هذه المرة تقديم العرض المالي للاستحواذ على وحدة مجموعة بنك عودة اللبناني في مصر قبل نهاية 2020، وهو ما تم اشتراطه في اتفاقية الاستحواذ الحصري الموقعة بين البنكين.

ومع انتهاء المفاوضات التي طال أمدها طوال عام كامل، سينتهي تواجد بنك عودة داخل واحد من أهم أسواقه المصرفية بمنطقة الشرق الأوسط. ومن المتوقع أن تتم بقية مفاوضات الاستحواذ على البنوك اللبنانية الأخرى بمصر تباعًا مع نجاح هذه الصفقة وكذلك صفقة بيع فروع بنك بلوم، وتزايد عدد عروض المشترين المختلفة الآتي أغلبهم من دولتي الإمارات والبحرين.

د. عمر الحسيني
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة