تنمية ومجتمع

“الحماية الاجتماعية”: انخفاض معدلات الفقر في عام الجائحة

تَتَابع على الاقتصاد المصري عددٌ من الأحداث التي كان من شأنها التأثير على مستوى معيشة المواطن؛ فمنذ عام 2016 بدأ الاقتصاد المصري في تنفيذ خطة الإصلاح الاقتصادي، وذلك باتخاذ عدد من السياسات لتصحيح الاختلالات الهيكلية والتشوهات المالية وإصلاح النظام النقدي. ومن المعروف أنه دائمًا ما تؤثر برامج الإصلاح الاقتصادي على النواحي الاجتماعية ومستوى معيشة الأفراد قبل حصد ثمار تلك الإصلاحات. وما لبث الاقتصاد المصري في جني ثمار خطة الإصلاح الاقتصادي، حتى شهد العالم بأسره تداعيات جائحة كورونا التي هزت الاقتصادات المختلفة منذ أواخر عام 2019، وقد أثرت تلك الجائحة على مؤشرات الاقتصاد الكلي عالميًا ومحليًا، الأمر الذي ينعكس على مستويات…

أسماء رفعت

تَتَابع على الاقتصاد المصري عددٌ من الأحداث التي كان من شأنها التأثير على مستوى معيشة المواطن؛ فمنذ عام 2016 بدأ الاقتصاد المصري في تنفيذ خطة الإصلاح الاقتصادي، وذلك باتخاذ عدد من السياسات لتصحيح الاختلالات الهيكلية والتشوهات المالية وإصلاح النظام النقدي. ومن المعروف أنه دائمًا ما تؤثر برامج الإصلاح الاقتصادي على النواحي الاجتماعية ومستوى معيشة الأفراد قبل حصد ثمار تلك الإصلاحات. وما لبث الاقتصاد المصري في جني ثمار خطة الإصلاح الاقتصادي، حتى شهد العالم بأسره تداعيات جائحة كورونا التي هزت الاقتصادات المختلفة منذ أواخر عام 2019، وقد أثرت تلك الجائحة على مؤشرات الاقتصاد الكلي عالميًا ومحليًا، الأمر الذي ينعكس على مستويات الدخول ومستوى معيشة الأفراد ومعدلات الفقر. إلا أن مؤشرات الفقر في مصر جاءت إيجابية؛ إذ انخفض معدل الفقر ليسجل 29.7% خلال عام 2019/2020 مقارنة بنحو 32.5% خلال عام 2017/2018، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بما يثير تساؤلًا حول كيف تمكّن الاقتصاد المصري من تحقيق التنمية الاجتماعية وتحسين جودة الحياة للمواطنين في ظل جائحة كورونا خلال عام 2020.

السياسة المالية للدولة ودعم الحياة الاجتماعية

نجحت إجراءات الإصلاح الاقتصادي في الدولة المصرية منذ أواخر عام 2016 في التخفيف من حدة التداعيات التي فرضتها جائحة كورونا عام 2020؛ إذ انقسم برنامج الإصلاح الاقتصادي إلى أربعة محاور رئيسية، شملت الجوانب النقدية، والمالية، والاجتماعية، والإصلاحات الهيكلية. وقد هدف البرنامج في الشق الاجتماعي إلى تقليل معدلات الفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية تماشيًا مع الهدف الأول والعاشر من الأهداف الإنمائية للتنمية المستدامة.

ومن بين أهم السياسات التي شملها برنامج الإصلاح الاقتصادي إلغاء دعم الطاقة تدريجيًا، وإصلاح منظومة الدعم السلعي لضمان وصوله إلى مستحقيه، وفرض ضريبة القيمة المضافة على جميع السلع والخدمات باستثناء السلع الأساسية لتوسيع القاعدة الضريبية كبديل لضريبة المبيعات. وقد نتج عن تلك السياسات خفض النفقات العامة، وزيادة الإيرادات العامة لينخفض عجز الموازنة العامة، وبالفعل ترتب على ذلك تحقيق فائض أولي، وهو الفرق بين الإيرادات العامة والمصروفات العامة بدون نفقات خدمة الدين، إذ بلغت نسبة الفائض الأولي إلى الناتج الإجمالي 2% عام 2018/2019، ونحو 1.8% عام 2019/2020. 

وقد تمكنت الدولة بفضل تلك السياسات وما ترتب عليها من نتائج إيجابية من تخصيص 100 مليار جنيه مصري في بداية الموجة الأولى من فيروس كورونا، وقد تم توجيه ذلك الدعم إلى القطاع الطبي، وتخفيف العبء المالي على المواطنين، وتخفيف العبء المالي على الصناعات الأكثر تضررًا.

فأمّا بالنسبة لدعم القطاع الطبي فكانت له الأولوية لمكافحة فيروس كورونا، والحدّ من انتشاره بين المواطنين؛ فتمّ توجيه الدعم لتلبية احتياجات القطاع من المستلزمات الطبية والوقائية، ووصل إجمالي المبالغ الإضافية المتاحة لدعم القطاع بمختلف مساراته على مستوى الجمهورية خلال الموجة الأولى وبداية الموجة الثانية لفيروس كورونا لنحو 14.4 مليار جنيه.

أما بالنسبة لإجراءات تخفيف حدة تداعيات الأزمة على المواطنين، فقد تم إقرار علاوة دورية بنسبة 7٪ من الأجر الوظيفي للمخاطبين بقانون الخدمة المدنية، و12٪ من المرتب الأساسي لغير المخاطبين في موازنة عام 2020/2021، وزيادة حد الإعفاء الضريبي للأشخاص الطبيعيين من 8 آلاف جنيه إلى 15 ألف جنيه، بالإضافة لتطبيق الإعفاء الشخصي وفقًا لقانون 91 لسنة 2005 ولائحته التنفيذية وتعديلاتهما بقيمة 9 آلاف جنيه سنويًا للأشخاص الطبيعيين ليصبح الدخل السنوي الذي يبلغ أو يقل عن 24 ألف جنيه معفى من الضرائب. كما تمّت مراجعة واستحداث شريحة ضريبية للدخول من 15 ألفًا إلى 30 ألف جنيه بسعر ضريبي 2.5%، وإقرار علاوة دورية بنسبة 14٪ لأصحاب المعاشات، وضم العلاوات الخمس بنسبة 80٪ من الأجر الأساسي.

ومن جهة أخرى، تمت إضافة 100 ألف أسرة جديدة من الفئات الأولى بالرعاية لبرنامج تكافل وكرامة مع بداية الأزمة، وصرف المساعدات النقدية لهم اعتبارًا من منتصف أبريل 2020، ليصل إجمالي عدد الأسر المستفيدة من برنامج تكافل وكرامة 3.4 ملايين أسرة. كما تم توجيه الدعم للعمالة غير المنتظمة وذلك بتدبير نحو 2.6 مليار جنيه لصرف المنحة الاستثنائية المقدرة بمبلغ 500 جنيه، والتي كان مقررًا صرفها لمدة ثلاثة شهور، ثم تم مدها ثلاثة شهور أخرى. فضلًا عن زيادة عدد الأسر المستفيدة من برامج معاش الضمان الاجتماعي، وزيادة المبالغ الشهرية المخصصة لقيادات المجتمع النسائي في المناطق الريفية من 350 جنيهًا إلى 900 جنيه شهري. كما تم إتاحة 77.3 مليار جنيه للهيئات السلعية والخدمية خلال الفترة من يناير إلى نوفمبر 2020، و44 مليار جنيه لهيئة السلع التموينية لتلبية احتياجات المواطنين من السلع الغذائية الأساسية.

وعلى مستوى دعم القطاعات الأكثر تضررًا فقد تم توجيه 5 مليارات جنيه لدعم قطاعي السياحة والطيران المدني، ودعم قطاع الصناعة من خلال خفض أسعار الغاز والكهرباء للقطاع الصناعي وتبني عدة مبادرات، منها مبادرة السداد النقدي والفوري، والتي تضمنت صرف 28 مليار جنيه من متأخرات الدعم الذي تقدمه الدولة للمصدرين. كما تم تقديم تيسيرات ضريبية لمساندة قطاع الأعمال؛ فتم تأجيل دفع الضريبة العقارية للمصانع المتضررة والمنشآت السياحية والفندقية، وتوحيد وتخفيض سعر الغاز الطبيعي للصناعة من 7 دولارات لكل مليون وحدة حرارية إلى 4 دولارات ونصف دولار لكل مليون وحدة حرارية لخفض تكاليف المصنعين، وخفض أسعار الكهرباء للصناعة للجهد الفائق والعالي والمتوسط بقيمة 10 قروش للكيلو وات ليبلغ 1.08 جنيه.

وقد ترتب على ذلك زيادة المصروفات ببعض بنود الموازنة خلال الفترة (يوليو – نوفمبر 2020) مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2019، على النحو التالي: 48.6% زيادة في استثمارات أجهزة الموازنة، 27.4% زيادة في مخصصات الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية، 8.1% زيادة في الأجور وتعويضات العاملين، و5.2% زيادة في مصروفات قطاع الصحة.

وقد تضمنت موازنة عام 2020/2021 عددًا من الإجراءات الإصلاحية لدعم الحياة الاجتماعية للمواطنين في ظل مواجهة الموجة الثانية من فيروس كورونا، من بينها زيادة مخصصات الإنفاق على التعليم والصحة والتنمية البشرية، وتخصيص مبلغ 5.7 مليارات جنيه لتمويل إسكان محدودي الدخل، وزيادة مخصصات التغذية التي تشمل التغذية المدرسية بنسبة 18.4%، وزيادة الأجور بنسبة 11.3%، وزيادة قدرها 12% لدعم التامين الصحي وعلاج غير القادرين على نفقة الدولة، بالإضافة إلى مخصصات الأدوية، وزيادة قدرها 2.7% في مخصصات الدعم النقدي المتمثل في معاش التضامن الاجتماعي وبرنامج تكافل وكرامة.

معدلات الفقر وتحسن مستوى المعيشة خلال عام 2020

كان لمجمل السياسات التي اتبعتها الدولة لمواجهة الجائحة، على صعيد دعم القطاع الطبي ودعم المواطنين وقطاع الأعمال، أثرها على المؤشرات الاقتصادية الكلية عامة، وعلى مؤشرات الفقر بصفة خاصة. فقد أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء انخفاض معدل الفقر لنحو 29.7% خلال عام 2019/2020 مقابل 32.5% خلال عام 2017/2018، فضلًا عن انخفاض الفقر المدقع حيث سجل 4.5% عام 2019/2020 مقابل 6.2% خلال عام 2017/2018. ويُمكن إرجاع ذلك إلى سياسة زيادة الأجور وخفض الضرائب التي من شأنها زيادة الدخل المتاح للإنفاق، وتشير البيانات إلى ارتفاع متوسط الدخل السنوي الصافي للأسرة على مستوى الجمهورية من 64 ألف جنيه عام 2018/2017 إلى 69 ألف جنيه عام 2019/2020، فضلًا عن انخفاض معدلات التضخم التي أدت -بدورها- إلى ارتفاع القوة الشرائية للدخل. كما أدى زيادة إنفاق الدولة على قطاع الصحة إلى خفض إنفاق الأسرة على بند الصحة، وساهم دعم الغذاء في خفض معدلات الفقر بنسبة 3%.

ومن جهة أخرى، ساهم انخفاض معدل البطالة في تحسن معدلات الفقر؛ إذ بلغ معدل البطالة نحو 7.3% خلال الربع الأول من عام 2020/2021 مقارنة بنسبة 9.6% خلال الربع الرابع من عام 2019/2020. ويرجع انخفاض معدل البطالة إلى السياسات التي اتبعتها الدولة لدعم قطاع الأعمال وتخفيض نفقات الإنتاج لتقليل فرص تسريح العمالة خلال الجائحة، فضلًا عن تطبيق إجراءات الحظر الجزئي بدلًا من الكلي لزيادة فرص الإنتاج والتشغيل، كما ساهمت المشروعات القومية الكبرى التي قامت بها الدولة في زيادة التشغيل. 

وعلى الرغم من تحسن معدلات الفقر، إلا أنه يلاحظ التأثير السلبي للزيادة السكانية في التهام النتائج الإيجابية للتنمية. فعلى المستوى الجزئي يلاحظ زيادة نسب الفقر مع زيادة حجم الأسرة، فتعتبر الأسرة كبيرة العدد أكثر عرضة للفقر، الأمر الذي يتطلب ضبط معدلات النمو السكاني لرفع مستوى معيشة الأفراد.

أخيرًا، على الرغم من تأثير جائحة كورونا على مجمل الأوضاع الاقتصادية والصحية والاجتماعية، إلا أن سياسة التوازن بين الشق الاقتصادي والجانب الصحي التي اتبعتها الدولة المصرية أدت إلى رفع قدرة الدولة على مواجهة الأزمة وتقديم المساندة والدعم الكافي لقطاع الصحة والقطاعات الإنتاجية والفئات الأكثر احتياجًا، بما أدى إلى الحفاظ على مكتسبات برنامج الإصلاح الاقتصادي، وتحقيق نتائج اقتصادية إيجابية، مع تقليل التداعيات السلبية على المواطنين وزيادة قدرة الدولة على استكمال مسيرة التنمية.

أسماء رفعت