loader

إقليم واحد وليس دوائر ثلاث

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

لعقود طويلة كان التفكير في سياسة مصر الخارجية محكوما بنظرية الدوائر الثلاث: العربية والإسلامية والأفريقية. ربما استفدنا من التفكير في سياستنا الخارجية بهذه الطريقة لبعض الوقت، لكن مواصلة التفكير بالطريقة نفسها، بعد انتهاء صلاحية نظرية الدوائر الثلاث، إما أنه يعطل التفكير السليم، أو يعوق الحركة الفعالة، أو يعترضهما معا. ولدت نظرية الدوائر الثلاث في كتاب “فلسفة الثورة”، الذي ألفه الزعيم جمال عبد الناصر، ومنه نقتبس السطور التالية لبيان نظرية السياسة الخارجية لدى الزعيم الكبير. كتب ناصر “لقد مضى عهد العزلة…ولم يعد مفر أمام كل بلد من أن يدير البصر حوله خارج حدود بلاده ليعلم من أين تجيئه التيارات التي تؤثر…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

لعقود طويلة كان التفكير في سياسة مصر الخارجية محكوما بنظرية الدوائر الثلاث: العربية والإسلامية والأفريقية. ربما استفدنا من التفكير في سياستنا الخارجية بهذه الطريقة لبعض الوقت، لكن مواصلة التفكير بالطريقة نفسها، بعد انتهاء صلاحية نظرية الدوائر الثلاث، إما أنه يعطل التفكير السليم، أو يعوق الحركة الفعالة، أو يعترضهما معا.

ولدت نظرية الدوائر الثلاث في كتاب “فلسفة الثورة”، الذي ألفه الزعيم جمال عبد الناصر، ومنه نقتبس السطور التالية لبيان نظرية السياسة الخارجية لدى الزعيم الكبير. كتب ناصر “لقد مضى عهد العزلة…ولم يعد مفر أمام كل بلد من أن يدير البصر حوله خارج حدود بلاده ليعلم من أين تجيئه التيارات التي تؤثر فيه، وكيف يمكن أن يعيش مع غيره…ولم يبق مفر أمام كل دولة من أن تجيل البصر حولها تبحث عن وضعها وظروفها في المكان وترى ماذا تستطيع أن تفعل فيه وما هو مجالها الحيوي وميدان نشاطها ودورها الإيجابي في هذا العالم المضطرب…أستعرض ظروفنا وأخرج بمجموعة من الدوائر لا مفر لنا من أن يدور عليها نشاطنا وأن نحاول الحركة فيها بكل طاقتنا…هناك دائرة عربية تحيط بنا، وأن هذه الدائرة منا ونحن منها، امتزج تاريخنا بتاريخها، وارتبطت مصالحنا بمصالحها…هناك قارة أفريقية، شاء لنا القدر أن نكون فيها…هناك عالما إسلاميا تجمعنا وإياه روابط لا تقر بها العقيدة الدينية فحسب، وإنما تشدها حقائق التاريخ”.

السياسة الخارجية هي نشاط واع يستهدف تحقيق المصلحة الوطنية للدولة، فيما الدوائر الثلاث هي دوائر للهوية أكثر منها نطاقات للمصلحة. في هوية مصر الوطنية مكونات عربية وإسلامية وأفريقية، لكن هوية مصر أكبر من حاصل الجمع الحسابي لكل هذه المكونات، ولا يمكن استنباط مصالح مصر الوطنية تلقائيا من هذه المكونات المتداخلة. الهوية الوطنية هي بالتأكيد أحد العوامل التي تسهم في تشكيل السياسة الخارجية للدولة؛ لكن السياسة الخارجية للدولة، وأمنها القومي، ومصالحها الوطنية، هي أمر أعقد بكثير من هويتها. الأمن القومي والمصالح الوطنية شيء، والهوية شيء آخر، والدوائر الثلاث شيء ثالث، وإلا تشابهت السياسة الخارجية لكل الدول العربية الأفريقية الإسلامية، وهو ما نعرف يقينا أنه غير صحيح. 

دوائر المصلحة نادرا ما تتطابق مع دوائر الهوية. لمصر، بالتأكيد، مصالح في أفريقيا والعالمين العربي والإسلامي، ولكن المؤكد أيضا أن لها مصالح في مناطق وبلاد تقع خارج نطاق الدوائر الثلاث، بل إن مصالحها خارج الدوائر الثلاث قد تزيد أحيانا عن مصالحها ضمن هذه الدوائر. مصر دول نامية تعتمد على استيراد السلاح اللازم للدفاع عن أمنها من دول متقدمة تقع خارج نطاق الدوائر الثلاث. مصر هي المستورد الأكبر للقمح في العالم لزوم غذاء مائة مليون مصري، لم تعد موارد البلاد الزراعية كافية لإطعامهم؛ ويأتي كل القمح الوارد لمصر من خارج نطاق الدوائر الثلاث. 

الدوائر الثلاث شديدة الاتساع، ومصالح مصر في كل منها أبعد من أن تكون موحدة أو منسجمة. لمصر مصالح في العالم العربي، لكن مصالح مصر الأمنية والاقتصادية في ليبيا والخليج أكبر بكثير من مصالحها في الشمال الأفريقي. لمصر مصالح في العالم الإسلامي، لكن المؤكد أن مصالحها واهتماماتها، سلبا وإيجابا، في تركيا وإيران أكبر بكثير من اهتماماتها ومصالحها في تركمانستان وإندونيسيا. لمصر مصالح في أفريقيا، لكن مصالحها في حوض النيل أكبر بكثير من مصالحها في دول بعيدة في جنوب القارة مثل زيمبابوي و ناميبيا. تفاوت مصالح مصر داخل كل دائرة لا يسيء لها، ولا يجعلها أقل عروبة أو أفريقية أو إسلامية؛ فالدولة التي تتطابق مصالحها مع هويتها بشكل كامل لم تولد بعد. 

بالنسبة لأغلب دول العالم، وباستثناء الدول الكبرى فقط، فإن السياسة الخارجية للدولة هي بالأساس سياستها الإقليمية؛ ففي الإقليم توجد الفرص، ومنه تأتي التهديدات والمخاطر. صحيح أن لكل دولة شراكاتها وتحالفاتها خارج الإقليم، خاصة مع القوى الكبرى؛ لكن الدولة تختار شركائها وحلفائها غير الإقليميين وفقا لما يخدم مصالحها الإقليمية في المقام الأول. 

التفكير في السياسة الخارجية بطريقة الدوائر الثلاثة يعطل النظر في السياسة الخارجية باعتبارها سياسة إقليمية، وليست مجرد امتداد تلقائي للهوية ؛ ويعطل القدرة على رؤية الإقليم في تكامله وتعقيده، بعد أن يقسمه إلى دوائر، ليس لها سوى قيمة تحليلية محدودة، من وجهة النظر العلمية والمهنية للسياسة الخارجية. 

لمصر مصالح في إقليمها، وهو الإقليم المحيط بها في الاتجاهات الجغرافية الأربعة. إقليمنا هو، من وجهة نظر المصالح المصرية، إقليم واحد، يضم دولا عدة عربية وأفريقية، وإسلامية، بالإضافة إلى دول أخرى لا هي عربية ولا إسلامية ولا أفريقية. خذ الجارة الشقيقة ليبيا كمثال. ليبيا بلد عربي، وفيه تتصارع دول عربية وإسلامية وأوروبية، ودول كبرى، ودول أخرى أقل شأنا. في ليبيا تقف قطر العربية وتركيا الإسلامية على الجانب المعادي لنا، فيما تقف الإمارات وروسيا وفرنسا قريبة منا، ففي أي دائرة يمكن تصنيف البلد الشقيق، وما هي القيمة العملية للتفكير بالدوائر في الأزمة الليبية. خذ شرق المتوسط كمثال آخر. المصالح الاقتصادية الحيوية لمصر في شرق المتوسط  مؤكدة، وهناك نزاع كبير، قد يتطور إلى حرب، حول ترسيم الحدود واستغلال الثروات. اليونان وقبرص، العضوان في الاتحاد الأوروبي، هما أهم حلفاء مصر في المتوسط؛ فيما توظف تركيا وجودها في ليبيا لخدمة أغراضها في المتوسط، وترعى مصر منتدى غاز المتوسط، الذي يضم دولا عربية وأوروبية وإسرائيل والسلطة الفلسطينية؛ فما قيمة الدوائر الثلاثة في فهم كل هذه التشابكات. 

لمصر هوية متعددة الأبعاد، لكن لها سياسة خارجية واحدة، في إقليمها، الممتد من المتوسط حتى أعالي النيل، ومن الخليج حتى ليبيا. مناطق الجوار المباشر والقريب، بما فيه من فرص و تهديدات. 

ــــــــــ

نقلا عن جريدة الأهرام، ٧ يناير ٢٠٢١.

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب