تنمية ومجتمع

مكافحة كورونا: أهم الطرق ما زالت بعيدة عن ملايين البشر

النظافة، وغسل اليدين بالصابون؛ هي أرخص الوسائل وأكثرها فعالية في الحماية من خطر فيروس (كوفيد-19)، فضلًا عن العديد من الأمراض المعدية الأخرى، ومع ذلك فحتى تلك الخطوات الأساسية هي ببساطة بعيدة المنال لملايين الأفراد لصعوبة وصولهم للمياه النظيفة، مما قد يزيد الوضع سوءًا. فبينما تتم مواجهة جائحة (كوفيد-19)، أصبح الحصول على المياه النظيفة أمرًا بالغ الأهمية أكثر من أي وقت مضى لصحة الأفراد في جميع أنحاء العالم. على الصعيد العالمي، وبحسب منظمة الصحة العالمية، يفتقر أكثر من 844 مليون شخص لإمكانية الوصول للمياه النظيفة، ويستخدم ما لا يقل عن ملياري شخص على كوكب الأرض مصدر مياه ملوثًا بالفضلات. كما تقدر…

آلاء برانية
باحث بوحدة دراسات المرأة وقضايا الأسرة

النظافة، وغسل اليدين بالصابون؛ هي أرخص الوسائل وأكثرها فعالية في الحماية من خطر فيروس (كوفيد-19)، فضلًا عن العديد من الأمراض المعدية الأخرى، ومع ذلك فحتى تلك الخطوات الأساسية هي ببساطة بعيدة المنال لملايين الأفراد لصعوبة وصولهم للمياه النظيفة، مما قد يزيد الوضع سوءًا. فبينما تتم مواجهة جائحة (كوفيد-19)، أصبح الحصول على المياه النظيفة أمرًا بالغ الأهمية أكثر من أي وقت مضى لصحة الأفراد في جميع أنحاء العالم.

على الصعيد العالمي، وبحسب منظمة الصحة العالمية، يفتقر أكثر من 844 مليون شخص لإمكانية الوصول للمياه النظيفة، ويستخدم ما لا يقل عن ملياري شخص على كوكب الأرض مصدر مياه ملوثًا بالفضلات. كما تقدر مساحة الأراضي الزراعية في المناطق شبه الحضرية المروية بمياه الصرف الصحي غير المعالجة بحوالي 89 مليون فدان (ما يعادل مساحة ألمانيا)، وتقضي النساء والفتيات ما يُقدر بنحو 200 مليون ساعة يوميًا في نقل المياه النظيفة إلى منازلهن. وفي قطاع التعليم؛ تفتقر 47% من المدارس حول العالم إلى مرافق لغسل اليدين بالماء والصابون، مما يؤثر على 900 مليون طفل في سن المدرسة.

وبسبب تغير المناخ، وزيادة ندرة المياه، والنمو السكاني؛ تتعرض نظم إمدادات المياه لتحديات إضافية، حيث تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أنه بحلول عام 2025، سيعيش نصف سكان العالم في مناطق تعاني من الإجهاد المائي. وفي عام 2050، من المرجح أن يعيش شخص واحد على الأقل من بين كل 4 أشخاص في بلد يعاني من نقص مزمن أو متكرر في المياه النظيفة، وحوالي 2.3 مليار شخص يعيشون دون الحصول على خدمات الصرف الصحي الأساسية.

ندرة المياه النظيفة وانتشار الأوبئة

يرتبط غياب خدمات المياه النظيفة وسوء الصرف الصحي بانتقال الأمراض، مثل: الكوليرا، والإسهال، والدوسنتاريا، والتهاب الكبد أ, والتيفويد, وشلل الأطفال. ويُصاب الآلاف كل عام بأمراض المناطق المدارية المهملة، وهي أمراض شائعة في المناطق النامية في إفريقيا وآسيا والأمريكتين، مثل مرض دودة غينيا، وهو عدوى طفيلية تنتشر في مياه الشرب الملوثة وتسبب آلامًا مبرحة، والتراخوما، وهي عدوى تسبب العمى، والبلهارسيا.

على الصعيد العالمي؛ تشير إحصائيات مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها Centers for Disease Control and Prevention, إلى تسبب المياه الملوثة في وفاة ما لا يقل عن نصف مليون إنسان بالغ سنويًا, وما يقرب من 801 ألف طفل تقل أعمارهم عن 5 سنوات, بما يقدر بـ11٪ من 7.6 ملايين حالة وفاة للأطفال دون سن الخامسة، أي إن هناك حوالي 2200 طفل يموتون كل يوم نتيجة أمراض تنقلها المياه الملوثة“, كما يعاني أكثر من 160 مليون طفل في العالم من التقزم وسوء التغذية المزمن المرتبطين بنقص الوصول إلى المياه الصالحة للشرب والصرف الصحي.

ووفقًا لإحصائية قدمها معهد القياسات الصحية والتقييم (IHME) التابع لجامعة واشنطن، فقد بلغ عدد الوفيات نتيجة المياه غير الآمنة 1.2 مليون شخص في عام 2017, ويمثل هذا الرقم ثلاثة أضعاف عدد ضحايا جرائم القتل, ويساوي عدد المتوفين في حوادث الطرق على مستوى العالم في عام 2017. 

المصدر: معهد القياسات الصحية والتقييم 2018.

وجدير بالذكر أنه في العام نفسه، توفي ما يقرب من 1.6 مليون شخص من أمراض الإسهال على مستوى العالم، وهو أكثر من جميع الوفيات الناجمة عن جميع “الإصابات المتعمدة” مجتمعة في العام نفسه من “الانتحار، والقتل، والصراع، والإرهاب”

المصدر: معهد القياسات الصحية والتقييم 2018.

وكانت أعلى الدول في معدلات الوفاة نتيجة الأمراض المنتقلة من المياه هي دول إفريقيا جنوب الصحراء، وتتراوح أعداد الوفيات بها من 150-200 وفاة عن كل 100 ألف شخص, تليهم الهند بواقع 85 حالة وفاة من كل 100 ألف شخص في حين تدنت أعداد الوفيات جراء الأمراض المنتقلة من الماء في مصر ما بين 5-8 أفراد لعام 2017 بعد أن كانت 56 لكل 100 ألف فرد عام 1990.

هل يُساهم الماء غير الآمن في انتشار فيروس كورونا؟

أكثر الدول معاناة من ندرة المياه النظيفة هي “دول شرق، وجنوب آسيا، ودول إفريقيا جنوب الصحراء التي تتراوح بها معدلات عدم وصول المياه النظيفة من 40% إلى 80% من الأسر، يليها في ذلك أمريكا اللاتينية والتي يفتقر حوالي 33.43 مليون شخص بها للماء النظيف”.

وبمقارنة المناطق المتراجعة في نسبة توصيل الماء النظيف بمعدل الإصابات العالمية بفيروس كورونا, نجد أن 77 مليون شخص بدولة الهند الواقعة بجنوب آسيا يفتقرون للماء النظيف, في حين بلغ عدد الإصابات بها الثاني على مستوى العالم بواقع 10.187 ملايين إصابة. أما في دولة جنوب إفريقيا التي لا يصل بها الماء النظيف إلى أكثر من 3 ملايين شخص فهي الأكثر إصابة بفيروس كورونا بين دول إفريقيا جنوب الصحراء، بواقع 994.911 ألف إصابة حتى ديسمبر 2020.

وكانت البرازيل وكولومبيا الأكثر افتقارًا للماء النظيف في دول أمريكا اللاتينية، حيث لا يصل الماء الآمن إلى أكثر من 8 ملايين شخص، وكانتا أيضًا من أعلى الدول إصابة في العالم بواقع أكثر من 9.5 ملايين إصابة. أما على صعيد الدول العربية، فكان العراق هو الأكثر ندرة للمياه النظيفة، حيث لا تصل المياه النظيفة إلى أكثر من 5 ملايين مواطن، كما كان أكثر الدول العربية أيضًا إصابة بفيروس كورونا بواقع 590.779 ألف إصابة, تليه المملكة العربية السعودية بواقع ما يقرب من مليون شخص يفتقرون للماء الآمن، وكانت ثاني الدول العربية إصابة بالفيروس بإجمالي 362 ألف إصابة.

لذا يتضح أن هناك علاقة وثيقة بين الدول الأكثر ندرة للماء الآمن وبين تفشي فيروس كورونا، ربما لا يكون العامل الوحيد لتفشي الفيروس ولكنه أحد العوامل القوية.

الوضع المصري

بحسب الدراسة الصادرة عن معهد القياسات الصحية والتقييم لعام 2018, فإن واحدًا من كل عشرة تقريبًا من سكان العالم لا يمكنهم الوصول إلى مصدر مياه محسن. ووفقًا للدراسة، يشمل تعريف مصدر المياه المحسّن “توصيلات المياه المنزلية المنقولة بالأنابيب الموجودة داخل المسكن المستخدم أو قطعة الأرض أو الفناء، أو الصنابير العامة أو الآبار الأنبوبية والآبار المحفورة المحمية أو الينابيع المحمية وتجميع مياه الأمطار”. 

وتوضح الدراسة أن معظم الدول تمكنت من تحسين الوصول إلى الماء الآمن في أكثر من 90٪ من مرافقها عام 2015. وعلى الرغم من أنه لا يزال وصول الماء النظيف في أدنى مستوياته بقارة إفريقيا، إلا أن الدولة المصرية احتلت مرتبة مميزة في التقييم، فبلغت نسبة وصول الماء النظيف عام 1990 حوالي 93.40%، حيث افتقر حوالي 3.79 مليون شخص للماء الآمن, وتحسنت تلك النسبة لتصبح حوالي 99.40% عام 2015، ووصل عدد السكان الذين لا يصلهم الماء الآمن ما يقرب من 563 ألف نسمة، بفارق 3,23 ملايين شخص، وبنسبة تحسن حوالي 85%، وهي نسبة تزيد كثيرًا عن الدول الأخرى مثل: روسيا، والبرازيل، والمملكة العربية السعودية، وإيران، وتونس، وعمان.

التحسن في توفير الماء الآمن في دول مختارة

المصدر: معهد القياسات الصحية والتقييم 2018.

وفي هذا الصدد، كشف الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، في نتائجه حول تعداد سكان مصر لعام 2017، أن هناك نسبة 93% من إجمالي الأسر المصرية يصلها الماء النظيف، وأن هذه النسبة تصل إلى 97.2 % في الحضر، وإلى 89.8% في الريف. ويمكن إرجاع الاختلاف بين النسب العالمية والمحلية إلى أن الجهاز المركزي رصد في بيانه فقط الأسر المتصلة بشبكة المياه العامة، في حين قام الإحصاء العالمي برصد إجمالي عدد الأسر المتصلة بشبكة المياه العامة والمعتمدة على الآبار الجوفية والينابيع وحتى الصنابير العامة.

ختامًا, لا تزال التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية لفيروس كورونا ضخمة وتزداد سوءًا في العديد من الدول. ومن خلال الاستثمار في إدارة أفضل للماء الآمن، وتوسيع نطاق الوصول إليه؛ يمكن للدول أن تعزز بشكل فعال قدرتها على الصمود أمام تفشي الأمراض عامة، ومحاربة فيروس كورونا المستجد خاصة.

آلاء برانية
باحث بوحدة دراسات المرأة وقضايا الأسرة