وحدة الدراسات الأمريكية

مرحلة جديدة: الديمقراطية الأمريكية على المحك

في مشهد مثّل مفاجأة -إن لم يكن صدمة- اقتحم محتجون مؤيدون للرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” مبنى الكونجرس الأمريكي رفضًا لنتائج الانتخابات واعتراضًا على التصديق عليها؛ ما بدا كحلقة ضمن سلسلة من التشابكات والتعقيدات التي تشهدها الساحة الأمريكية، الأمر الذي أرسل إشارة جديدة على أن المعركة السياسية التي تدور حاليًا بشأن الانتخابات الرئاسية لن تتوقف بمجرد إعلان الفائز أو حتى تنصيبه في 20 يناير الجاري، وإنما قد تستمر إلى أبعد من ذلك بطريقة قد تمثل تهديدًا حقيقيًا للنموذج الأمريكي.  تحريض وفق صيغة رسمية بداية، تجدر الإشارة إلى أن “ترامب” تبنى خطابًا قائمًا على التشكيك في نزاهة الانتخابات قبل أن تبدأ، مؤكدًا…

مها علام
باحث بوحدة الدراسات الأمريكية

في مشهد مثّل مفاجأة -إن لم يكن صدمة- اقتحم محتجون مؤيدون للرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” مبنى الكونجرس الأمريكي رفضًا لنتائج الانتخابات واعتراضًا على التصديق عليها؛ ما بدا كحلقة ضمن سلسلة من التشابكات والتعقيدات التي تشهدها الساحة الأمريكية، الأمر الذي أرسل إشارة جديدة على أن المعركة السياسية التي تدور حاليًا بشأن الانتخابات الرئاسية لن تتوقف بمجرد إعلان الفائز أو حتى تنصيبه في 20 يناير الجاري، وإنما قد تستمر إلى أبعد من ذلك بطريقة قد تمثل تهديدًا حقيقيًا للنموذج الأمريكي. 

تحريض وفق صيغة رسمية

بداية، تجدر الإشارة إلى أن “ترامب” تبنى خطابًا قائمًا على التشكيك في نزاهة الانتخابات قبل أن تبدأ، مؤكدًا في أكثر من مناسبة على أن خسارته تعني تزوير الانتخابات لصالح منافسه الديمقراطي “جو بايدن”، ثم اتجه إلى التوسع في هذه الادعاءات مع بدء الانتخابات واتجاه بوصلتها صوب “بايدن”. ولم يتوقف التشكيك عند هذا الحد، وإنما تطور إلى موجة متكررة من التأكيدات على تزوير الانتخابات، وأن الفرصة لم تنتهِ بعد، وأن نتيجة الانتخابات ستتغير لصالحه، وسيحصل على فترة رئاسية ثانية.

وبالاستناد إلى ذلك، يتضح أن عملية التأجيج والتحفيز التي يتعرض لها الشارع الأمريكي على يد “ترامب” كانت قد بدأت مبكرًا بطريقة قد تكون ساهمت في اتساع تأثيرها. وقبل بضعة أيام، أعلن “ترامب” عن مفاجأة كبرى في يوم الأربعاء 6 يناير 2020 الذي سيتم فيه تصديق الكونجرس على نتائج الانتخابات، وارتبط مضمون المفاجأة بقيام نائبه “مايك بنس” برفض التصديق على نتائج الانتخابات كإجراء موازٍ للإجراء المرتبط بتكوين حشد من أعضاء الكونجرس الجمهوريين لرفض النتائج أثناء جلسة الكونجرس.

ولإحكام الخناق حول الجمهوريين داخل الكونجرس -بمن فيهم “بنس”- لرفض النتائج، قام بدعوة أنصاره للاحتشاد في واشنطن العاصمة أثناء تصويت الكونجرس للتنديد بنتائج الانتخابات، والضغط على الكونجرس لرفض التصديق عليها. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، وإنما خرج في خطابٍ تحفيزي -يمكن وصفه بالتحريضي– لتأجيج المحتجين، مؤكدًا مجددًا على تزوير الانتخابات، ورفض نتائجها، وداعيًا “بنس” بشكل علني لرفض التصديق على النتائج، ومطالبًا المحتجين بالزحف نحو الكونجرس و”عدم الاستسلام”.

وبالفعل، استجاب المحتجون لدعوة “ترامب”، واتجهوا صوب الكونجرس، ولم تكد أعمال جلسة الكونجرس تبدأ حتى اقتحم المحتجون قاعاته محطمين الحواجز وعابثين في غرف المبنى سارقين محتوياته، مما تسبب في خروج الأعضاء ووقف عمل الجلسة. 

وعلى الرغم من ذلك، لم تنجح محاولات “ترامب” عبر الدفع بالمحتجين إلى ثني الكونجرس عن عمله، فبعد توقف لعدة ساعات، استأنف الكونجرس بغرفتيه (الشيوخ والنواب) صباح يوم 7 يناير عملية المصادقة على فوز “بايدن” بالانتخابات الرئاسية.

استهجان واسع

على الرغم من التحركات الحثيثة لـــ”ترامب” لتغيير نتائج الانتخابات الرئاسية، إلا أن تحركاته أدت لنتائج عكسية، إذ ساهمت في تراجع بعض الجمهوريين عن دعمه. فقد رفض نائبه “بنس” الاستجابة لدعوته بشأن عدم التصديق على نتائج الانتخابات، كما ندد بالاحتجاجات العنيفة”، داعيًا إلى معاقبة من قاموا بذلك. ومن جهته، قال “ميتش ماكونيل”، رئيس الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ: “لن يتم إرهابنا، وسنقوم بعملنا الليلة”، مضيفًا أن “ما حدث هو تمرد فاشل، والسلوك الإجرامي لن يسيطر على الكونجرس”.

علاوة على ذلك، فقد دفعت أحداث العنف 4 أعضاء جمهوريين في مجلس الشيوخ إلى التصديق على نتائج الانتخابات رغم أنهم أبدوا سابقًا اعتراضهم عليها، قائلين إن العنف دفعهم لإعادة النظر. ومن أبرز المواقف في هذا السياق، تراجع السيناتور الجمهورية عن ولاية جورجيا “كيلي لوفلر” عن موقفها المعارض للتصديق على نتائج ولاية أريزونا، فقد أوضحت أنها كانت تنوي الاعتراض على نتيجة الانتخابات، لكن بعد أعمال العنف غيرت موقفها، علمًا بأنها من أشد المؤيدين لــــ”ترامب”، فضلًا عن خسارتها مقعدها في مجلس الشيوخ قبل ساعات فقط من اقتحام المتظاهرين.

وفي المقابل، لم تغير أعمال العنف موقف بعض أعضاء الكونجرس الجمهوريين من محاولة دعم جهود “ترامب” لرفض نتائج الانتخابات؛ فقد قالت “هايد سميث” إنها صوتت ضد التصديق على نتائج الانتخابات؛ لأن الأشخاص الذين تمثلهم لا يعتقدون أن الانتخابات الرئاسية كانت دستورية. وصوت أغلبية أعضاء مجلس النواب، صباح 7 يناير الجاري، برفض اعتراض بعض الجمهوريين على تأكيد فوز “بايدن” بولاية بنسلفانيا، التي مثلت محاولة أخيرة لتأجيل المصادقة على النتيجة.

وتعليقًا على المشهد قال “بايدن”، إن اقتحام الكونجرس “اعتداء على شعبنا وديمقراطيتنا وعلى من يحميها، وعلى أقدس المؤسسات الأمريكية”، داعيًا “ترامب” للظهور على وسائل الإعلام ومناشدة مؤيديه. وبالفعل ظهر “ترامب” مجددًا ودعا المحتجين للعودة إلى منازلهم، لكنه استمر في خطاب التشكيك ورفض نتائج الانتخابات. وعليه، اعتبرت مواقع التواصل الاجتماعي أن خطاب “ترامب” لا يشجع على وقف العنف، وبه الكثير من المغالطات والادعاءات الزائفة بتزوير الانتخابات، وعلى إثرها علقت إدارة المواقع حسابات “ترامب”. وفي خطوة تأخرت كثيرًا، تعهد “ترامب” بـ”انتقال منظم للسلطة”؛ إلا أنه استمر في التأكيد على رفض نتائج الانتخابات، مشيرًا إلى أن الأمر “مجرد بداية معركتنا من أجل أن نعيد لأمريكا عظمتها”. 

مشهد مركب

جرت الانتخابات الرئاسية، حتى قبل أن تبدأ رسميًا في 3 نوفمبر 2020، في مشهد أمريكي شديد التعقيد والتشابك، الأمر الذي جعلها تحمل -بقدر كبير- ملامح متمايزة عن أغلب –إن لم يكن كل- الانتخابات الماضية، ما جعلها –وفقًا لأغلب التحليلات- انتخابات استثنائية بامتياز. ومع تصارع وتيرة الأحداث واتجاهها للتزايد، يتضح وجود عدد من الملامح التي باتت تغلف المشهد الأمريكي، يدور أبرزها حول:

تعاظم الاستقطاب: على الرغم من أن حالة الاستقطاب كانت قد اتسعت بسبب التداعيات السلبية لجائحة كورونا وحادثة مقتل “جورج فلويد”؛ إلا أن حالة الاستقطاب الجديدة تبدو مركبة، ويرجع السبب في ذلك لتراجع دور المعتدلين في المعسكرين (الديمقراطي والجمهوري) لصالح الأقل اعتدالًا، حيث يتصدر التقدميون المعسكر الديمقراطي، بينما يتصدر المحافظون المعسكر الجمهوري.

فقدان الثقة: يبدو أن الانتخابات الرئاسية الحالية لن تمر دون أن تنال من ثقة الشارع الأمريكي في مؤسسات الدولة، وقد يتم ذلك على أكثر من مستوى، يأتي في مقدمتها خطاب التشكيك الذي عمد “ترامب” إلى تبنيه طوال معركته السياسية مع “بايدن”، وفي المقابل فليس لدى بعض مؤيدي “بايدن” ثقة في المؤسسات التي تعاونت مع “ترامب” طيلة أربع سنوات، كما أن لدى بعض مؤيدى التيار التقدمي تشكك في المؤسسات كونها المسئولة عن اتساع حدة التفاوتات في المجتمع الأمريكي.

تراجع النموذج: يمكن القول بشكل عام إن صورة النموذج الأمريكي بدأت تهتز مع وصول “ترامب” لسدة الحكم، واتجهت للانحسار طوال مدة رئاسته، ولكن المشهد الانتخابي الأخير أضر بصورة واضحة ومباشرة بالنموذج الأمريكي، كونها لم تبد أنها تسير كعملية سياسية منظمة وفقًا للدستور والقانون في جو سياسي احترافي يديره سياسيون محنكون، وإنما بدت كعملية مضطربة يطالها الجدل القانوني والدستوري في كل خطوة مع اعتماد متزايد على التشكيك والعنف. 

صراع المؤسسات: ليس هناك دليل واضح أو معلومة مؤكدة على وجود صراع بين المؤسسات الأمريكية، ولكن تحليل المشهد يؤشر -بقدرٍ ما– على هذا الأمر. بعبارة أوضح، قد تكون حالة الاستقطاب المركبة –السابق الإشارة إليها- ألقت بظلالها على المؤسسات الأمريكية؛ فمن غير المتوقع أن تكون كل تصرفات “ترامب” المثيرة للجدل قد تمت بغير دعم بعض المؤسسات، كما أن هناك علامات استفهام بشأن زحف المحتجين باتجاه الكونجرس بل واقتحامه دون وجود تعزيرات أمنية كافية في يوم يحمل كل هذا القدر من الأهمية.

تزايد العنف: على الرغم من أن اقتحام المحتجين للكونجرس مثّل مرحلة متقدمة وغير متوقعة من العنف، إلا أن هذا المشهد لم يأتِ من فراغ، حيث مثّل مجرد حلقة ضمن سلسلة العنف المستمرة التي بدأت مع بداية الانتخابات واستمرت طيلة الفترة التي تلتها. ومن المفارقات الواضحة أن الداعين للعنف ليسوا فقط من مؤيدي “ترامب” ولكن من معارضيه أيضًا. ومن المتوقع أن تتحول حالة التحفيز والشحن الكثيفة التي قام بها “ترامب” إلى موجات من العنف بعد هزيمته، كما قد تتجه الجماعات اليسارية إلى التوسع في العنف حال لم يتم وضع أفكارها موضع التنفيذ على أرض الواقع.

ماذا بعد؟

وبالاستناد إلى ملامح المشهد السابق الإشارة إليه، يتضح أن الساحة الأمريكية لا تزال مرشحة لتفجر المزيد من الأزمات والمشكلات حتى في أعقاب تنصيب “بايدن” في 20 يناير الجاري؛ أي إن تنصيب الرئيس الجديد لن يُنهي هذا المشهد المركب، بل على العكس، قد يدفع بموجات جديدة من التشابك. وعليه، يتضح أن المستقبل سيحمل مزيدًا من التعقيدات لعدد من الأسباب، أبرزها:

– أن فقدان الثقة واتساع نطاق التشكيك قد يتطلب بعض المراجعات السياسية، بل وربما إعادة النظر في النظام السياسي بشكل عام، والنظام الانتخابي بشكل خاص، بطريقة قد تدفع باتجاه بعض التعديلات في هيكل النظام، بل وربما تدفع باتجاه تشكيل نخب سياسية جديدة.

– أن هزيمة “ترامب” قد مثلت فشلًا لنبوءات قادة الأصولية من الإنجيليين الذين أكدوا فوز “ترامب”، واعتبروا الانتخابات الرئاسية “معركة الرب ضد الشيطان”، وبالتالي سيشهد المستقبل دورًا أوسع لهم للتأكيد على أن السياسات الشيطانية سَرقت الدولة وعليهم العمل لإرجاعها. 

– أن سيطرة الديمقراطيين على البيت الأبيض والكونجرس بغرفتيه يُنذر بحالة احتقان مستمرة في المشهد الأمريكي، لا سيما مع اتجاه “بايدن” لتبني أجندة تقدمية واختيار فريقه وفق هذه الأجندة، ما يعني أن الجمهوريين لم يعد لديهم متنفس يسمح لهم بتنفيذ سياساتهم، الأمر الذي قد يدفع أنصار الجمهوريين إلى اعتبار النزول للشارع هو متنفسهم الوحيد، إلا إذا تغير الأمر خلال انتخابات التجديد النصفي.

– وفي حالة تمت محاكمة “ترامب” في أعقاب مغادرته البيت الأبيض قد ينفجر الشارع الأمريكي من جديد، وبالأخص مع تزاوج حالة الشحن التي لديهم بحالة اليأس وفقدان الأمل، ما يعني وقوع قطاع كبير من المجتمع الأمريكي أسير حالة السخط والرفض.

– بالإضافة إلى ما سبق، فإن وفاة “بايدن” تعني تولي نائبته “كمالا هاريس” منصب الرئيس، في خطوة قد ترفضها قطاعات واسعة من الشارع الأمريكي الذي لم يختر على مدار تاريخه امرأة واحدة لتولي منصب الرئاسة، فكيف يمكن أن تكون أول امرأة تتولى هذا المنصب هي امرأة سمراء ترجع أصولها إلى الهند وجامايكا.

في هذا السياق، يمكن القول إن الولايات المتحدة على أعتاب مرحلة جديدة تحمل مهددات عميقة للدولة والنموذج في آن واحد، كما قد تُنذر بأفول عصر الهيمنة الأمريكية، ولكن حال استطاعت الولايات المتحدة أن تجتاز هذه المرحلة بنجاح فقد تخرج أقوى بكثير مما هي عليه الآن.

مها علام
باحث بوحدة الدراسات الأمريكية