وحدة الدراسات الاقتصادية

تحوّل رقمي: نحو زيادة كفاءة النظام الضريبي

يُعد النظام الإداري الضريبي من الركائز الأساسية للتنمية الاقتصادية، وتساهم زيادة كفاءة النظام الضريبي ووضوحه في زيادة قدرة الحكومة على تحصيل الإيرادات الضريبية بأقل تكلفة، والحد من التهرب الضريبي. إضافة إلى ذلك، تساهم كفاءة النظام الضريبي في تحسين بيئة الأعمال، الأمر الذي يساهم في جذب الاستثمار المحلي والاستثمار الأجنبي المباشر.  إحدى الآليات التي تساهم في زيادة تسهيل وتحسين الخدمات الضريبية وكفاءة النظام الضريبي هي رقمنة الضرائب. وتدل رقمنة الضرائب على التحول الرقمي لإدارة الضرائب (الإدارة الإلكترونية)، حيث إن رقمنة الضرائب جزء من الجهود الحكومية لتطبيق الحوكمة الرقمية في تقديم الخدمات، واستخدام البيانات العامة والشخصية، ودعم تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي لأتمتة…

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

يُعد النظام الإداري الضريبي من الركائز الأساسية للتنمية الاقتصادية، وتساهم زيادة كفاءة النظام الضريبي ووضوحه في زيادة قدرة الحكومة على تحصيل الإيرادات الضريبية بأقل تكلفة، والحد من التهرب الضريبي. إضافة إلى ذلك، تساهم كفاءة النظام الضريبي في تحسين بيئة الأعمال، الأمر الذي يساهم في جذب الاستثمار المحلي والاستثمار الأجنبي المباشر. 

إحدى الآليات التي تساهم في زيادة تسهيل وتحسين الخدمات الضريبية وكفاءة النظام الضريبي هي رقمنة الضرائب. وتدل رقمنة الضرائب على التحول الرقمي لإدارة الضرائب (الإدارة الإلكترونية)، حيث إن رقمنة الضرائب جزء من الجهود الحكومية لتطبيق الحوكمة الرقمية في تقديم الخدمات، واستخدام البيانات العامة والشخصية، ودعم تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي لأتمتة وظائف وأنشطة القطاع العام.

أولًا- مفهوم رقمنة الضرائب:

أحد أسباب التهرب الضريبي هو الأنظمة الضريبية المعقدة التي تعمل كعبء أيضًا على قدرة الدولة على جمع المعلومات عن دافعي الضرائب. ووفقًا لمقال بعنوان “4 طرق تستطيع البلدان منخفضة الدخل أن تعزز بها إيراداتها الضريبية دون الإضرار بالنمو” لمارسيلو استيفاو على مدونات البنك الدولي في أكتوبر 2019؛ فإن انخفاضًا بنسبة 10% في عدد المدفوعات الضريبية والوقت اللازم للامتثال للمتطلبات الضريبية قد يساهم في الحد من التهرب الضريبي بنسبة 9.64%، وتشجيع العديد من الأعمال في القطاع غير الرسمي على الانضمام إلى القطاع الرسمي. إضافة إلى ذلك، يساهم تسهيل الإجراءات الضريبية -التي تشمل رقمنة الضرائب- في تحسين بيئة الأعمال، حيث إنه وفقًا لمؤشر ممارسة أنشطة الأعمال 2019، فإن أحد أهم أسباب رفع مرتبة مصر إلى 114 في 2019 من إجمالي 190 دولة بمجموع 60.1 نقطة من 100 نقطة من المرتبة رقم 128 في 2018 بمجموع 56.22 نقطة؛ هو تسهيل الدولة دفع الضرائب من خلال تطبيق نظام عبر الإنترنت لتقديم ودفع ضريبة دخل الشركات وضريبة القيمة المضافة. وقد ساهمت هذه الجهود -كما قال وزير المالية الدكتور محمد معيط- في تعزيز المراكز الضريبية للشركات بوضعها فى قائمة المخاطر الضريبية المنخفضة، وتبسيط إجراءات التسوية بين الشركات من خلال التبادل اللحظي لبيانات الفواتير المميكنة.

ووفقًا لبحث “نحو رقمنة إدارة الضرائب” لماريا فوكوفيتش ونوفي ساد، في يوليو 2018، بمركز التميز المالي “Center of Excellence in Finance (CEF)”، تشمل رقمنة الضرائب العديد من الخدمات و/أو المهام، أولًا: استخدام النموذج الإلكتروني الموحد لتقديم الإقرارات الضريبية المطلوبة أو الاختيارية وبيانات الدخل الأخرى التي تشمل كشوف المرتبات. ثانيًا: إرسال بيانات المحاسبة أو مصادر أخرى لدعم الإيداعات مثل الفواتير وأرصدة المراجعة. ثالثًا: استخدام البيانات مثل الكشوف المصرفية في مطابقتها عبر أنواع الضرائب المختلفة. إضافة إلى ذلك: توفير التدقيق الإلكتروني من قبل الجهات الحكومية. وأخيرًا: توفير التقييم الإلكتروني، والسماح لدافعي الضرائب بوقت محدود لتدقيق الضرائب المحسوبة من قبل الحكومة.

إضافةً إلى ذلك، وفقًا لمقال بعنوان “رقمنة الإدارات الضريبية ومستقبل العمل عن بعد” للباحث “ألفريدو كولوزا” على موقع الضرائب المالية لمجلس التعاون الخليجي “GCC Fintax” في يونيو 2020؛ فإن أهم مزايا الإدارة الإلكترونية تتمثل في زيادة الشفافية، وانخفاض تكاليف جمع الضرائب، ومكافحة التهرب الضريبي، وزيادة الإيرادات الضريبية، مما يُساهم في كفاءة وفاعلية النظام الضريبي، وتعزيز المساءلة التي ستساهم في انخفاض الفساد، ورفع المساواة الضريبية بين الشركات، وخلق منافسة عادلة بين الشركات، والقدرة على تبادل المعلومات، ومعرفة الوضع الضريبي والمالي لدافعي الضرائب.

ثانيًا- حجم الإيرادات الضريبية:

يزداد حجم الإيرادات الضريبية عامًا بعد عام. ووفقًا لتقرير “برنامج الإصلاح الاقتصادي وتحقيق الاستقرار في مصر” المقدم من وزارة المالية في سبتمبر 2019، فإن حجم الإيرادات الضريبية من إجمالي الناتج المحلي -والتي تشمل الإيرادات الضريبية غير السيادية والسيادية- ارتفع من 12.5% في العام المالي 2014/2015 إلى 14% في العام المالي 2018/2019، كما توقعت نفس النسبة للعام المالي 2019/2020. في حين استهدفت الحكومة بلوغ الإيرادات الضريبية من إجمالي الناتج المحلي 14.3% في العام المالي 2020/2021، و14.5% في العام المالي 2021/2022. إضافة إلى ذلك، قال وزير المالية إن الحكومة تستهدف رفع هذه النسبة بحوالي 2.5% في خمسة أعوام لتصل إلى 16.5%.

شكل (1): الإيرادات الضريبية وضريبة القيمة المضافة (2015/2016-2019-2020) 

بالمليون جنيه

 المصدر: أحدث بيانات البنك المركزي.

وبناء على الشكل رقم (1)، فإن إجمالي حجم الإيرادات الضريبية ارتفع سنويًا ليبلغ حوالي 736 مليار جنيه في العام المالي –والذي يبدأ في 1 يوليو وينتهي في 30 يونيو- 2018/2019 من حوالي 352 مليار جنيه في العام المالي 2015/2016 بزيادة بنسبة 109%، حيث كانت أعلى زيادة بين العامين الماليين 2016/2017 و2017/2018 بزيادة بنسبة 36%، بينما كانت أقل زيادة بين العامين الماليين 2017/2018 و2018/2019 بزيادة بنسبة 17.2%. أما بالنسبة للفترة من يوليو 2019 إلى مارس 2020، فقد بلغ إجمالي حجم الإيرادات الضريبية حوالي 475 مليار جنيه. ولكن على الرغم من تأثر إجمالي الإيرادات الضريبية بجائحة كورونا مع توقف الأعمال وفقد العديد من الأشخاص وظائفهم، وبالتالي تأثير الإيرادات الضريبية على الشركات وعلى الدخل الشخصي، بالإضافة إلى التسهيلات الضريبية، وتجميد تحصيل الضرائب والإعفاءات الضريبية التي قدمتها الحكومة لمساعدة الشركات على النجاة من الجائحة؛ إلا أن الجائحة ساهمت في تسريع التحول الرقمي، مع اضطرار أصحاب الأعمال إلى تبني سياسات العمل عن بعد، مما أدى إلى زيادة استخدام الموقع الإلكتروني والتطبيق الحكومي لتخليص الخدمات الضريبية، والذي وفقًا لوزير المالية ساهم في تسهيل إجراءات الفحص الضريبي للشركات، وتخفيض الوقت اللازم لإنهائها، وفحص ملفات فواتير البيع والشراء وتسهيل إجراءات رد الضريبة.

شكل (2)- الهيكل الضريبي لعام 2018

المصدر: تقرير “إحصائيات الإيرادات في إفريقيا- مصر” لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، 2020.

أما بالنسبة إلى الإيرادات من ضريبة القيمة المضافة على السلع والخدمات، فمصر لديها ثاني أكبر مساهمة في إجمالي الإيرادات الضريبية بنسبة 23% بعد ضريبة الدخل على الشركات (28%)، فقد اتخذت أيضًا الاتجاه نفسه في الارتفاع السنوي لتصل إلى حوالي 351 مليار جنيه في العام المالي 2018/2019 من حوالي 141 مليار جنيه في العام المالي 2015/2016 بزيادة حوالي 150%. إضافة إلى ذلك، كانت أعلى زيادة على أساس سنوي بين العامين الماليين 2015/2016 و2016/2017 بزيادة حوالي 48.5% بينما كان أقل زيادة على أساس سنوي بين العامين الماليين 2017/2018 و2018/2019 بزيادة حوالي 19.3% فقط، وهي أقل من الزيادة بين العامين الماليين 2016/2017 و2017/2018 بحوالي النصف، حيث بلغت 40.8%. 

أما بالنسبة إلى الفترة من يوليو 2019 وإلى مارس 2020، فقد بلغت إيرادات ضريبة القيمة المضافة حوالي 251 مليار جنيه. وقال وزير المالية الدكتور محمد معيط إن الإقرارات الإلكترونية أسهمت في رفع كفاءة الفحص والتحصيل الضريبي، مما أدى -في النهاية- إلى زيادة الإيرادات عن إقرارات ضريبة القيمة المضافة من يوليو إلى نوفمبر 2020 بنسبة 15% على أساس سنوي. كما ساهمت في زيادة أعداد المسجلين على منظومة تقديم هذه الإقرارات بنسبة 45% مقارنة بشهر يوليو 2018، وزيادة أعداد مقدمي الإقرارات الإلكترونية للقيمة المضافة شهريًا بأكثر من 30% عن الفترة نفسها.

وأخيرًا، فإن الاتجاه التصاعدي للإيرادات الضريبية والتي تشمل ضريبة القيمة المضافة على السلع والخدمات يشير إلى نجاح جهود الدولة في تسهيل إجراءات التحصيل الضريبي، ومساهمة رقمنة الضرائب في رفع كفاءة النظام الضريبي الحكومي.

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة