وحدة الدراسات الأفريقية

جمهورية إفريقيا الوسطى: انتخابات في أوضاع مضطربة

في السابع والعشرين من ديسمبر 2020 توجَّه نحو 1.8 مليون ناخب في جمهورية إفريقيا الوسطى إلى مراكز الاقتراع لاختيار رئيس البلاد وأعضاء الهيئة التشريعية، حيث خرج الناخبون بأعداد كبيرة في العاصمة بانجي، بينما ذهب عدد أقل من الناخبين في أجزاء أخرى من البلاد بسبب مخاوف من العنف أو المقاطعة من قِبل تحالف الجماعات المُسلحة الذي عُرف باسم تحالف الوطنيين من أجل التغيير (CPC). ومن المتوقع صدور النتائج الأولية للانتخابات في الرابع من يناير 2021، ولكن من غير المتوقع ظهور نتائج نهائية قبل الثامن عشر من يناير 2021، حيث خاض هذه الانتخابات ستة عشر مرشحًا للرئاسة من بينهم ثلاث سيدات، وأكثر…

نسرين الصباحى
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية

في السابع والعشرين من ديسمبر 2020 توجَّه نحو 1.8 مليون ناخب في جمهورية إفريقيا الوسطى إلى مراكز الاقتراع لاختيار رئيس البلاد وأعضاء الهيئة التشريعية، حيث خرج الناخبون بأعداد كبيرة في العاصمة بانجي، بينما ذهب عدد أقل من الناخبين في أجزاء أخرى من البلاد بسبب مخاوف من العنف أو المقاطعة من قِبل تحالف الجماعات المُسلحة الذي عُرف باسم تحالف الوطنيين من أجل التغيير (CPC).

ومن المتوقع صدور النتائج الأولية للانتخابات في الرابع من يناير 2021، ولكن من غير المتوقع ظهور نتائج نهائية قبل الثامن عشر من يناير 2021، حيث خاض هذه الانتخابات ستة عشر مرشحًا للرئاسة من بينهم ثلاث سيدات، وأكثر من 1500 مُتنافس على 140 مقعدًا التي تُشكّل الجمعية الوطنية. وفي حالة عدم حصول أي مرشح على أكثر من 50٪ من الأصوات في الجولة الأولى، فستُجرى جولة ثانية للإعادة في الرابع عشر من فبراير 2021، ولن يتم شغل مناصب الرئيس الجديد والجمعية الوطنية قبل انتهاء الفترة الانتقالية في الحادي والثلاثين من مارس 2021. 

السياق الأمني المضطرب 

جرت الانتخابات العامة في إفريقيا الوسطى في سياق أمني بالغ الاضطراب، حيث اندلعت الحرب الأهلية في إفريقيا الوسطى منذ الإطاحة بالرئيس السابق “فرنسوا بوزيزيه” من قبل تحالف جماعات مُسلحة تُعرف باسم “سيليكا” عام 2013، تلتها اشتباكات بين مُسلحي جماعة سيليكا والميليشيات المعارضة لها. وحتى بعد فترة من توقيع الحكومة وأربع عشرة جماعة مُسلحة مُتمردة على اتفاق السلام في فبراير 2019، تواجه البلاد حالةً من انعدام الأمن والتوترات السياسية والتأخيرات الإدارية في الفترة التي سبقت الانتخابات. 

وتشهد الأزمة في إفريقيا الوسطى موجات متعاقبة من العنف على خلفية تفكك الدولة والانقسامات العرقية من الجماعات المُسلحة بما في ذلك الفصائل المتنافسة المعروفة باسم أنتي بالاكا وسيليكا. ومما يزيد من تعقيد الصراع المتنامي بين الجماعات المُسلحة البعد الطائفي البارز، حيث يُنظر إلى مقاتلي سيليكا على أنهم حماة المسلمين ومقاتلو مُكافحة بالاكا باعتبارهم مدافعين عن المجتمعات المسيحية. 

وتسبب العنف والمخاوف من هجمات الجماعات المُسلحة إلى نزوح مئات الآلاف من السكان منذ اندلاع الصراع، فوفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية (OCHA)، نزح أكثر من 55000 شخص، مما زاد من ضعفهم، واعتماد أكثر من نصف السكان على المساعدات الإغاثية. وعلاوةً على ذلك يحتاج 2.8 مليون شخص إلى المساعدة والحماية، حيث تتطلب خطة الاستجابة الإنسانية 444.7 مليون دولار لمساعدة 1.8 مليون شخص لعام 2021. وعلى الرغم من امتلاك البلاد الثروة المعدنية الطبيعية الهائلة، مثل الماس والذهب والأخشاب واليورانيوم، إلا أنها تُعدُّ واحدة من أفقر الدول في العالم.

وفي تحوّل غير مسبوق، في الخامس عشر من ديسمبر 2020، اتحد ست من أهم الجماعات المُسلحة في البلاد لمنع إجراء الانتخابات، بما فيهم جماعة “سيليكا” و”أنتي بالاكا” لتشكيل تحالف جديد حمل اسم تحالف الوطنيين من أجل التغيير (CPC). وقد أعقب هذا التحول تدهور الوضع الأمني بشكل ملحوظ، حيث اندلع القتال والعنف المُسلح في مناطق مختلفة من البلاد، في الخامس والعشرين من ديسمبر 2020 يوم عيد الميلاد. وقبل 48 ساعة من الانتخابات، هاجمت عناصر مجهولة الهُوية قوات الدفاع والأمن لجمهورية إفريقيا الوسطى وبعثة الأمم المتحدة (مينوسكا) في ديكوا (250 كيلومترًا شمال بانجي)، في محافظة كيمو، وفي باكوما (850 كيلومترًا شمال شرق بانجي) في محافظة مبومو، مما أسفر عن مقتل ثلاثة من جنود حفظ السلام البورونديين التابعين لبعثة الأمم المتحدة، وجُرح اثنان آخران في ديكوا. 

العملية الانتخابية 

ارتفع مستوى إقبال الناخبين على مراكز الاقتراع في العاصمة بانجي، حيث مضت دون حوادث كبيرة، لكنها تضررت بشدة من أعمال العنف في الأقاليم الطرفية، حيث ذكرت اللجنة الوطنية للانتخابات في إفريقيا الوسطى، أن أكثر من 14% من مراكز الاقتراع في البلاد لم تؤد مهمتها في الانتخابات؛ حيث فشل 800 من بين 5408 مركز اقتراع في فتح أبوابها للناخبين في ظل مجموعة من العوائق والتحديات التي سادت في العملية الانتخابية، وتمثلت في الآتي: 

  • العنف الانتخابي: اندلعت اشتباكات بين الجماعات المُسلحة وقوات الأمن في مناطق واسعة بما في ذلك الضواحي القريبة من بانجي، حيث أدت الجماعات المُسلحة إلى زعزعة الاستعدادات للانتخابات من خلال أعمال العنف. 
  • مشكلات توزيع بطاقات وتسجيل الناخبين: أطلقت الهيئة الوطنية للانتخابات في التاسع عشر من ديسمبر 2020 حملة لتوزيع بطاقات الناخبين انتهت قبل موعد الانتخابات بأربعة أيام في الثالث والعشرين من ديسمبر 2020، ولكن في بعض المناطق عطلت الجماعات المُسلحة عمليات تسجيل الناخبين من خلال منع الوصول إلى أعضاء الهيئة الوطنية للانتخابات (ANE)، أو بإقالة مسئوليها. كما عرقلوا حملة ما قبل الانتخابات لبعض المرشحين ووجهوا تهديدات ضد آخرين في الشمال الغربي والجنوب الشرقي ووسط البلاد. 
  • المشاكل المُتعلقة بالتصويت: تأخر افتتاح مراكز الاقتراع ونقص المواد الانتخابية والقضايا مع قوائم الناخبين في ظل انخفاض مستوى تسجيل الناخبين (1.85 مليون من أصل خمسة ملايين نسمة)، وهو ما يرجع في جزء كبير منه إلى حقيقة أن اللاجئين الذين يشكلون نحو ثُمن سكان البلاد لم يكونوا قادرين على التصويت. 

دور الشركاء الدوليين

في ظل الأوضاع الأمنية بالغة الصعوبة التي تسود في إفريقيا الوسطى، فإنه لا يعول على قدرة الفاعلين المحليين وحدهم في استعادة الاستقرار بالبلاد في أعقاب الإعلان عن النتيجة المنتظرة للانتخابات. وفي هذا الصدد، يبرز الدور الكبير للعديد من الأطراف الخارجية الإقليمية والدولية المنخرطة في إفريقيا الوسطى لتساعد مؤسسات الحكم الجديدة على تحقيق الاستقرار في البلاد. فلعدة سنوات، لعبت الجهات الفاعلة الدولية والإفريقية والوطنية الموجودة في البلاد دورًا دبلوماسيًا في الأزمة وزادت من الدعم اللوجستي، فقد أدى دعم الاتحاد الإفريقي والجماعة الاقتصادية لدول وسط إفريقيا (ECAAC) بشكل ملحوظ إلى إرسال بعثات لحفظ السلام وتحقيق الاستقرار، من عام 2003 إلى عام 2013، ومن خلال مُبادرة العديد من اتفاقيات السلام بما في ذلك اتفاقية عام 2019. وعلى المستوى الدولي، تعد باريس وموسكو الأكثر نفوذًا في إفريقيا الوسطى، حيث تتواجد فرنسا بعدة طرق سواء في مجال المساعدات التنموية والإنسانية وإصلاح قطاع الأمن. أما روسيا فحاضرة بشكل رئيسي في مجالات التعاون الأمني ​​والتعدين والغابات بدرجة أقل. كما لعبت دورًا رائدًا في إقناع الجماعات المُسلحة بالتوقيع على اتفاق السلام لعام 2019. 

وعلى الرغم من تباين مصالحهم في إفريقيا الوسطى، فقد أثبت الشركاء الدوليون في الماضي أنه يمكنهم تنحية خلافاتهم جانبًا عندما تتطلب الظروف ذلك. على سبيل المثال، دعمت الأمم المتحدة وفرنسا وروسيا، بعد ارتفاع مستوى العنف في جميع أنحاء البلاد عام 2018، وساطة الاتحاد الإفريقي والجماعة الاقتصادية لدول وسط إفريقيا التي أسفرت عن توقيع اتفاق السلام عام 2019. 

وأمام التحديات الراهنة فإنه من مصلحة جميع الشركاء الدوليين الحد من التوترات السياسية قبل وبعد الانتخابات لتجنب الصراع العنيف بعد ذلك. ولذا، يجب على الأطراف الإفريقية وأوروبا وفرنسا وروسيا تعزيز دبلوماسيتها الوقائية، وضمان الإعداد المناسب للانتخابات والاستعداد لدعم الوساطة الإفريقية بين الحكومة والمعارضة. وفي هذا الصدد، تعهد مختلف المرشحين باحترام أي قرار يصدر عن المحكمة الدستورية بشأن الانتخابات. 

باختصار، فإن انتخابات ديسمبر 2020 تمثل لحظة حاسمة لمُستقبل جمهورية إفريقيا الوسطى، ورغم ذلك لن تكون بطاقة الاقتراع وحدها قادرة على حل جميع مشاكل البلاد، لكنها توفر إمكانية ترسيخ الاستقرار والشفافية، وخطوة أساسية لاستعادة سلطة الدولة على المدى الطويل، وتحديد مصير اتفاق السلام في ظل انعدام الأمن والانقسامات الداخلية وتأثير الجهات الخارجية.

نسرين الصباحى
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية