وحدة الإرهاب والصراعات المسلحة

“النجاح المر”: حصاد إرهاب “داعش” خلال عام 2020

على الرغم من مقتل “أبي بكر البغدادي”، زعيم تنظيم “داعش” السابق، على يد الولايات المتحدة في أواخر أكتوبر 2019؛ إلا أن التنظيم استطاع تجاوز فقدانه زعيمه، ونجح خلال عام 2020 في الاستمرار في نشاطه مستغلًا الثغرات الأمنية الناتجة عن تفشي فيروس “كورونا” من جهة، والتداعيات الاقتصادية المرتبطة به من ناحية أخرى، الأمر الذي ترتب عليه قيامه بتنفيذ حوالي (2914) عملية في الفترة من 1 يناير 2020 حتى 23 ديسمبر 2020. خليفة جديد لـ”داعش” في نهاية أكتوبر 2019 عَيّن التنظيم “أبا إبراهيم الهاشمي القرشي” زعيمًا له ليخلف “أبا بكر البغدادي” وذلك بعد مقتل الأخير. وعلى الرغم من استمرار الغموض الذي يحيط…

تقى النجار
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة

على الرغم من مقتل “أبي بكر البغدادي”، زعيم تنظيم “داعش” السابق، على يد الولايات المتحدة في أواخر أكتوبر 2019؛ إلا أن التنظيم استطاع تجاوز فقدانه زعيمه، ونجح خلال عام 2020 في الاستمرار في نشاطه مستغلًا الثغرات الأمنية الناتجة عن تفشي فيروس “كورونا” من جهة، والتداعيات الاقتصادية المرتبطة به من ناحية أخرى، الأمر الذي ترتب عليه قيامه بتنفيذ حوالي (2914) عملية في الفترة من 1 يناير 2020 حتى 23 ديسمبر 2020.

خليفة جديد لـ”داعش”

في نهاية أكتوبر 2019 عَيّن التنظيم “أبا إبراهيم الهاشمي القرشي” زعيمًا له ليخلف “أبا بكر البغدادي” وذلك بعد مقتل الأخير. وعلى الرغم من استمرار الغموض الذي يحيط بالأول، إلا أنه خلال شهر سبتمبر عام 2020، ظهرت وثائق استخباراتية نشرها مركز مكافحة الإرهاب الدولي في الأكاديمية العسكرية الأمريكية “ويست بوينت”. وتحتوي تلك الوثائق على ملخصات لاستجوابه من قبل القوات الأمريكية بعد ضبطه في الموصل عام 2008، بجانب جُملة من المعلومات عنه.

فهو “أمير محمد سعيد عبدالرحمن المولى”، من مواليد أكتوبر عام 1976، وُلد في قرية “المحلبية” التي تقع في منطقة “تلعفر” في العراق. تزوج من سيدة تدعى “إسراء عبدالرحمن” وأنجب ولدًا واحدًا. وقد خدم كجندي في الجيش العراقي في الفترة من 2001 إلى 2002. وفي يناير 2007 حصل على درجة الماجستير في الدراسات الإسلامية من جامعة الموصل، وعمل بعد ذلك كإمام لمسجد الفرقان في الموصل.

انضم لتنظيم “دولة العراق الإسلامية” التابع لتنظيم “القاعدة” في عام 2007، وشهد عام 2007 تقدمًا سريعًا له داخل التنظيم؛ حيث بدأ في تدريس الشريعة لأعضاء التنظيم في مارس. ثم عُيّن قائدًا شرعيًا عامًا للتنظيم في مدينة الموصل في يوليو. وبحلول أكتوبر أصبح نائبًا لزعيم المدينة. وفي نوفمبر عاد قائدًا شرعيًا عامًا للمدينة ذاتها. وبحلول عام 2008 تم القبض عليه من قبل قوات الجيش الأمريكي.

شارك في عدد كبير من ممارسات وأنشطة التنظيم؛ حيث توسط في النزاعات مع الجماعات المسلحة الأخرى، وعمل على تعيين القضاة داخل التنظيم، وأشرف على النشرات الإعلامية الصادرة عن التنظيم، كما تولى إصدار أحكام قانونية ملزمة فيما يتعلق بالشريعة الإسلامية في عدد من القضايا. وخلال جلسات الاستجواب تخلى عن العشرات من زملائه، حيث ذكر أسماء 68 عضوًا من رفاقه، بالإضافة إلى أوصافهم، والمهام الموكلة إليهم، ومناصبهم داخل التنظيم. وقد شمل هؤلاء عناصر مسئولين عن الأقسام العسكرية والإدارية والإعلامية والشرعية والأمنية.

ومن ثم، تُشكل تلك المعلومات عدسة مُهمة يمكن من خلالها فهم شخصية قائد تنظيم “داعش”، حيث تعطي مزيدًا من التبصر في تاريخه. وعلى الرغم من قيمة تلك المعلومات؛ إلا أن هناك فجوات كبرى في سيرته الذاتية التي يغيب عنها الكثير من المعلومات.

ملامح نشاط “داعش”

يُمكن الوقوف على أبرز ملامح نشاط التنظيم عبر استعراض عملياته في معاقله الرئيسية، وكذلك إلقاء الضوء على نشاط أبرز فروعه في إفريقيا وآسيا، ومنها:

١. المعاقل الرئيسية:

صَعّد التنظيم عملياته خلال عام 2020 في العراق وسوريا، مستغلًا غياب الاستقرار، والقيود المفروضة على قوات الأمن بسبب تفشي فيروس “كورونا”، والأزمة الاقتصادية. فبالنسبة للعراق، نفذ التنظيم حوالي (1416) عملية في الفترة من 1 يناير 2020 حتى 23 ديسمبر 2020، وتركزت معظمها في محافظة ديالي التي شهدت حوالي (491) عملية، تلتها محافظة كركوك التي شهدت حوالي (237) عملية، ثم محافظة الأنبار التي شهدت حوالي (201) عملية. واستهدفت معظم العمليات قوات الجيش العراقي، والحشد الشعبي، والحشد العشائري، بجانب استهداف عدد من المسئولين الحكوميين.

أما بالنسبة لسوريا، فقد نفذ التنظيم حوالي (568) عملية في الفترة سالفة الذكر، وتركزت معظم عملياته في محافظة دير الزور التي شهدت حوالي (373) عملية، ثم محافظة الرقة التي شهدت حوالي (51) عملية، ومحافظة الحسكة التي شهدت حوالي (38) عملية. واستهدفت معظم العمليات قوات سوريا الديمقراطية، وقوات النظام السوري، بجانب استهداف عدد من المدنيين المتعاونين مع القوات الأمنية.

٢. إفريقيا:

سعى التنظيم لهيكلة نهجه الإقليمي عبر نقل مركز ثقله إلى القارة الإفريقية، إذ عزّز من نشاط “ولاية غرب إفريقيا” باستهداف الدول الواقعة في محيط بحيرة تشاد (نيجيريا، والنيجر، والكاميرون، وتشاد) وذلك بتنفيذ حوالي (386) عملية في الفترة من 1 يناير 2020 حتى 23 ديسمبر 2020. ويعد الهدف الرئيسي له في منطقة غرب إفريقيا هو إنشاء “دولة” تتشكل بين ولايتي “برنو” و”يوبي”. ومن أجل ذلك الهدف، يعمل على تعزيز نفوذه، سواء بالعمليات الإرهابية أو التجنيد. كما عمل على إثبات وجود “ولاية وسط إفريقيا” عبر التوسع في تهديد موزمبيق والكونغو الديمقراطية، وذلك بتنفيذه حوالي (88) عملية في الفترة ذاتها. أما فيما يخص “ولاية شمال إفريقيا”، فقد تراجع نشاطه هناك، حيث نفذ حوالي (11) عملية فقط، منها (9) عمليات في ليبيا، وعملية واحدة في تونس، وكذلك عملية واحدة أيضًا في الجزائر، ولا يعني انخفاض نشاطه تراجع تهديده في شمال إفريقيا، فمن المرجح لجوؤه إلى الكمون الاستراتيجي مؤقتًا حتى يعيد ترتيب صفوفه.

٣. آسيا:

بالنظر إلى نشاط التنظيم في أفغانستان؛ يمكن القول إن فرع “ولاية خراسان” شهد صحوة عملياتية خلال الأشهر الأخيرة، حيث نفذ في الفترة من 1 يناير 2020 حتى 23 ديسمبر 2020 حوالي (81) عملية، وذلك على الرغم من الضربات التي تعرض لها، وفقدانه عددًا كبيرًا من قيادته. ومن المُرجح أن يتصاعد نشاطه في ضوء عاملين؛ أولهما: تولية “شهاب المهاجر” قيادة التنظيم، إذ إنه من أصل عربي، مما ينعكس على دعم القيادة المركزية للتنظيم من حيث الموارد المالية والعناصر المقاتلة. وثانيهما: رغبة التنظيم في إفشال الاتفاق بين الولايات المتحدة وحركة “طالبان”.

وعلى صعيد آخر، شهد فرع اليمن تراجعًا في نشاطه على الرغم من العمليات التي نفذها في اليمن في الفترة من 1 يناير 2020 حتى 23 ديسمبر 2020، والتي بلغت حوالي (66) عملية، إلا أنه لم يحظَ بالاستقرار في اليمن بسبب وحشيته وضعف علاقاته بالعشائر المحلية من ناحية، بجانب اندساس جواسيس إلى صفوفه من ناحية أخرى. ومؤخرًا تعرّض لهزائم شديدة في منطقة قيفة (محافظة البيضاء) على يد جماعة “الحوثي” التي سيطرت على معاقله هناك بعد مواجهات استمرت لعدة أيام، وأسفرت عن مقتل أمير التنظيم مع 40 آخرين.

شكل (1) 
عمليات “داعش” خلال عام 2020 

خطابات “داعش”

أصدر التنظيم خلال عام 2020 ثلاثة خطابات على لسان المتحدث الرسمي باسمه “أبي حمزة القرشي”، إذ جاء الخطاب الأول في 27 يناير 2020 تحت عنوان “دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها”، بالتزامن مع إعلان “خطة السلام الأمريكية”. وقد ركّز الخطاب على نقطتين رئيسيتين؛ يتعلق أولهما بتأكيده استمرار “خلافته” المزعومة على الرغم من التحديات التي تعرض لها في الآونة الأخيرة (وذلك في إشارة إلى مقتل البغدادي). وينصرف ثانيهما إلى إعلانه تدشين مرحلة جديدة من الإرهاب، من خلال دعوة أنصاره إلى استهداف إسرائيل، حيث حاول إضفاء الشرعية على الفعل الإرهابي، عبر توظيف قضية مهمة في العالم الإسلامي، هي قضية “القدس”. وتجدر الإشارة إلى أن التنظيم لم يقم بعمليات تستهدف إسرائيل منذ ذلك الخطاب حتى الآن.

أما الخطاب الثاني الذي أصدره التنظيم، في 28 مايو 2020، فجاء تحت عنوان “وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار”، ومن خلاله حاول التنظيم استعراض ملامح خطواته القادمة في وقت تصاعد فيه نشاطه في مختلف ولايته، حيث أشار الخطاب إلى ثلاثة موضوعات رئيسية؛ يتعلق أولها بإظهار الابتهاج والشماتة لتفشي فيروس “كورونا” في الغرب، وتصويره على أنه “انتقام من الله” لحصار عناصره في “سرت، والباغوز، والموصل”.

وينصرف ثانيها إلى تهديد حكومة “مصطفى الكاظمي” في العراق، متوعدًا الأخيرة “بمواجهة مفتوحة” بعد انسحاب القوات الأمريكية. ويتصل ثالثها بالصراع بين “داعش” و”القاعدة”، ولا سيما في منطقة غرب إفريقيا، إذ أكد الخطاب أن “ولاية غرب إفريقيا” قررت “تأجيل” المواجهة مع “القاعدة” هناك؛ إلا أن “مرتدي القاعدة” بادروا إلى قتال “داعش” “نيابة” عن دول وحكومات المنطقة، خاصة مالي، والنيجر، وبوركينافاسو، والجزائر.

أما الخطاب الثالث فجاء في 18 أكتوبر 2020 تحت عنوان “فاقْصُصِ القَصَصَ لعلّهم يتفكّرون”، وذلك بالتزامن مع ذكرى مقتل “أبي بكر البغدادي”، وتطرق إلى ثلاث نقاط رئيسية؛ يتعلق أولها بدعوة أنصاره إلى استهداف المصالح الاقتصادية في دول الخليج، وكذا استهداف المصالح الاقتصادية للدول الأوروبية في إفريقيا. وينصرف ثانيها إلى إرسال رسائل دعم لأفرعه المختلفة في إفريقيا وآسيا. ويدور ثالثها حول البيعات الجديدة التي قامت بها جماعات إرهابية للزعيم الجديد للتنظيم “إبراهيم الهاشمي القرشي”.

وباستعراض الخطابات الثلاثة سالفة الذكر، يمكن القول إن التنظيم ركّز على أربع قضايا رئيسية؛ أولها استهداف إسرائيل، وثانيها استغلال تفشي فيروس “كورونا” لتعزيز نشاطه، وثالثها الصراع مع تنظيم “القاعدة” في غرب إفريقيا، ورابعها (وهي القضية التي كانت حاضرة في الخطابات الثالثة) ضرورة تحرير الأسرى من السجون؛ إذ تُعد تلك القضية أولوية من أولوياته في المرحلة الحالية، سعيًا إلى إعادة تشكيل صفوفه بهدف استعادة نشاطه مرة أخرى. وبالفعل، قام باستهداف عدد من السجون خلال عام 2020 في إطار ما يُعرف باستراتيجية “هدم الأسوار”.

“داعش” وكورونا

اتسم تعامل التنظيم مع فيروس “كورونا” بالبراجماتية الشديدة، حيث عمل على استغلال وتوظيف الفيروس على المستوى الإعلامي والعملياتي واللوجيستي. فعلى المستوى الإعلامي، سعى إلى مهاجمة خصومه عبر تصوير تفشي الفيروس كغضب من الله، حيث أشارت مقالة في العدد 220 من صحيفة “النبأ” (الصادر في 6 فبراير 2020) جاءت تحت عنوان “إن بطش ربك لشديد”، إلى أن انتشار الوباء في الصين مرتبط بممارسات الأخيرة تجاه التنظيم. وفي السياق ذاته، سلطت افتتاحية العدد 223 من صحيفة “النبأ” (الصادر في 27 فبراير 2020) التي جاءت تحت عنوان “ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إلّا إيّاه”، الضوء على تفشي الفيروس في مدينة “قم” الإيرانية، وأكدت أن هذا الوباء عقاب إلهي من الله لمن يعبدون غيره.

وفي مرحلة لاحقة غيّر التنظيم تعاطيه مع الفيروس، إذ سعى إلى تعزيز شرعيته عبر انتهاجه نهج الدول في تعامله مع عناصره، وذلك بتقديمه نصائح لهم لتجنب الإصابة بالفيروس، حيث خصص الصفحة الأخيرة من العدد 225 من صحيفة “النبأ” (الصادر في 12 مارس 2020) لنشر قائمة شرعية بالتوجيهات لتجنب الأمراض المعدية. وقد تضمنت هذه القائمة عددًا من الإرشادات مثل: تجنب مخالطة المصابين، وغسل اليدين قبل الأكل، وتجنب السفر للمناطق الموبوءة.

أمّا على المستوى العملياتي، فقد دعا عناصره إلى استغلال تفشي الفيروس للقيام بعمليات إرهابية، فجاءت افتتاحية العدد 226 من صحيفة “النبأ” (الصادر في 19 مارس 2020) تحت عنوان “أسوأ كوابيس الصليبيين” لتحثّ عناصره على القيام بعمليات إرهابية داخل المدن الأوروبية استغلالًا للضغط الذي تتعرض لها الأخيرة على المستويين الطبي والأمني. وفي السياق ذاته، لفتت افتتاحية العدد 227 من الصحيفة ذاتها (الصادر في 25 مارس 2020) والتي جاءت تحت عنوان “لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا.. كورونا نموذجًا” إلى الدور الذي لعبه الفيروس في كشف ضعف الولايات المتحدة وعجزها عن التنبؤ به ومواجهته.

وارتباطًا بما سبق، حرص التنظيم على استغلال إجراءات الحظر التي اتبعتها الدول في ظل أزمة “كورونا”، وعمل على تصعيد عملياته في مختلف ولاياته، ولا سيما العراق وسوريا، حيث سجلت زيادة في نشاطه بمعاقله الرئيسية بالتزامن مع تصاعد الإصابات فيهما، وذلك في شهور مارس وإبريل ومايو (انظر الشكل 2).

أما على المستوى اللوجيستي، فقد نشرت “لاوري ميلوري” (وهي باحثة أمريكية متخصصة في شئون الإرهاب) مقالًا تحت عنوان “داعش تحتفظ بموارد مالية ضخمة” في 25 سبتمبر 2020، وقد تناول المقال الموارد المالية للتنظيم، وكان من بين تلك الموارد استغلال التنظيم وباء “كورونا” لجني الأرباح، إذ أسس “مورات تشاكار” (أحد أنصار التنظيم في تركيا) موقعًا على الإنترنت وأربع صفحات مبيعات على شبكة فيسبوك لبيع أقنعة الوجه وغيرها من معدات صحية، ثم قام بتحويل أرباح المبيعات للتنظيم فتحول الوباء إلى مصدر مالي للتنظيم.

(الشكل 2)

الصراع مع “القاعدة”

تميزت العلاقة بين تنظيمي “القاعدة” و”داعش” في منطقة الساحل بحالة من الاستثنائية، حيث التعايش المشترك، والتمدد بلا صراع، وذلك على عكس التناحر السائد بينهما في العراق وسوريا واليمن. إلا أنه مع مطلع عام 2020، شهدت منطقة الساحل عدة اشتباكات بين الطرفين، تطورت إلى قتال، ثم تحولت إلى حرب شاملة.

فقد سعى تنظيم “داعش” إلى إيجاد مناطق نفوذ جديدة بعد تراجعه في سوريا والعراق، لذلك كان الانتقال الاستراتيجي للتنظيم إلى غرب إفريقيا (منطقة الساحل والصحراء على وجه الخصوص)، لما يتوافر بتلك المناطق من عوامل محفزة للإرهاب والتطرف؛ حيث الصراعات الطائفية، والانقسامات العرقية، والتباينات الدينية. غير أن ذلك التحول التكتيكي له أسفر عن مواجهات مفتوحة مع تنظيم “القاعدة”.

ومع مطلع عام 2020، بدأ تنظيم “داعش الصحراء الكبرى” في التمدد في مالي، حيث المناطق الخاضعة لنفوذ “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” التابعة لتنظيم “القاعدة”. وفي البداية، استطاع الأول تحقيق نجاحات أولية في منطقة “جورما” على جانبي الحدود بين مالي وبوركينافاسو. وفي المقابل، جاء رد “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” على تحركات “داعش” خلال شهري مارس وإبريل 2020، حيث شنت الأولى هجومًا مضادًا نجحت من خلاله في استعاده سيطرتها على مناطق نفوذها وطرد تنظيم “داعش” إلى جنوب شرق بوركينافاسو على الحدود مع بنين.

وبالتوازي مع عمليات “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” ضد “داعش”، بدأ الأخير في شن هجوم إعلامي على الأولى عبر صحيفة “النبأ” الأسبوعية. وفي المقابل، طور الأول من منتجاته الإعلامية بإصدار صحيفة “ثبات” الأسبوعية التي حاولت الرد على هجوم الأخير من خلال أعدادها. وعلى مدار عام 2020 استمر الصراع العملياتي والإعلامي بين التنظيمين في محاولة من “داعش” لتعزيز صورته الجهادية من جهة، وإعادة التموضع في ساحات بديلة من جهة أخرى. في مقابل سعي تنظيم “القاعدة” للحفاظ على نفوذه بمعاقله الرئيسية من ناحية، وتأكيد قدرته على الصمود أمام منافسه التقليدي من ناحية أخرى.

ويُمكن القول إن تصاعد المنافسة بين التنظيمين في منطقة الساحل سيفتح الباب أمام زيادة تدفق المقاتلين الأجانب في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وتكمن خطورة هؤلاء في نقل خبراتهم التكتيكية والعملياتية إلى التنظيمات التي ينضمون إليها، مما يزيد من قدرة التنظيمات على شن هجمات إرهابية متطورة، ومن ثمّ زيادة موجة العنف الموجه للمدنيين.

ملاحظات أساسية

هناك جُملة من الملاحظات الأساسية المتعلقة بنشاط التنظيم خلال عام 2020، والتي يمكن استعراضها على النحو التالي:

الملاحظة الأولى: تتعلق بما يواجه التنظيم من تحدٍّ على مستوى قيادته؛ إذ لا تزال حالة الغموض تحيط بالمدعو “أبي إبراهيم الهاشمي القرشي” (زعيم التنظيم الجديد)، حيث لم يظهر لأتباعه حتى الآن. ويمكن تفسير ذلك في ضوء عاملين؛ يتعلق أولهما بمحاولة حمايته من أي هجوم أو استهداف، وينصرف ثانيهما إلى التأكيد على أن “داعش” كتنظيم يتجاوز مجرد قائد التنظيم. وبعبارة أخرى فإن التنظيم قائم على فكرة وليس على أشخاص. إلا أن استمرار حالة الغموض تلك من المُرجح أن تقوض شرعيته على المديين المتوسط والطويل.

الملاحظة الثانية: تُشير إلى التمدد الجغرافي للتنظيم، إذ تجادل التحليلات بأن “إفريقيا ستكون ساحة الإرهاب العالمية خلال السنوات العشرين المقبلة”. ويمكن تفسير ذلك في ضوء جملة من المتغيرات؛ يتعلق أولها ببحث تنظيم “داعش” عن ساحات بديلة للتمدد. وينصرف ثانيها إلى احتمالية تقليص الوجود العسكري الفرنسي في منطقة الساحل. ويتصل ثالثها بانعكاسات جائحة (كوفيد-19) على القطاعين الصحي والأمني لدول منطقة الساحل. وعليه، تمثل تلك المعطيات محفزات أساسية لتعزيز نشاط التنظيمات الإرهابية، ولا سيما تنظيم “داعش” في القارة الإفريقية.

الملاحظة الثالثة: تتعلق بقدرة التنظيم على تنويع تكتيكاته، إذ اتبع تكتيكات مختلفة، تنوعت ما بين استخدام العبوات الناسفة، واتباع نمط الاغتيالات، بجانب التعويل على الهجوم متعدد المحاور، حيث وظف تكتيكاته بما يتماشى مع السياق الذي ينشط فيه. ومن جهة أخرى، نجح في الاحتفاظ بخلايا نائمة عَمِلَ على توظيفها تمهيدًا لتصعيد وتيرة عملياته الإرهابية في مناطق نفوذه التقليدية، سواء في العراق أو سوريا. من جهة ثالثة، عمل على إعادة تشكيل قدراته في ضوء ما يتمتع به من مرونة وديناميكية وقدرة على التكيف. ومن ثم نجح في الصمود والتكيف على الرغم من الضغط العسكري عليه الذي أفقده عددًا كبيرًا من عناصره.

الملاحظة الرابعة: تدور حول اختلاف تعاطي “داعش” مع فيروس “كورونا” عن غيره من التنظيمات الإرهابية، ولا سيما تنظيم “القاعدة”. فمع تفشي فيروس “كورونا” أصدر الأخير بيانًا بتاريخ 31 مارس 2020، تحت عنوان “السبيل لخروج البشرية من بطن الحوت: وصايا ومكاشفات بشأن وباء كورونا”، وهدف من خلاله إلى دعوة الغرب إلى الدخول في الإسلام. ويستند في هذه الدعوة إلى اعتبار الإسلام “دينًا وقائيًا نظيفًا”. وفي المقابل، كانت هناك دعوات من الأول إلى استغلال انشغال العالم بهذا الوباء لشن الهجمات وإطلاق سراح السجناء.

ومن ثم، سعى التنظيمان إلى الاستثمار في الأزمة، غير أن استراتيجية تنظيم “القاعدة” قائمة على الاستثمار طويل المدى من أجل كسب حاضنة شعبية، وتقديم نفسه كحركة مسئوليتها إرشاد العالم إلى الإسلام الحقيقي. بينما كانت استراتيجية تنظيم “داعش” قائمة على الاستثمار اللحظي، من أجل تأكيد حضوره ووجوده.

الملاحظة الخامسة: تنصرف إلى الصراع بين “القاعدة” و”داعش”؛ إذ جادل البعض بأن الصراع بين التنظيمات الإرهابية يُعد مشهدًا إيجابيًا لمكافحة الإرهاب، غير أن من الممكن أن ينخرط التنظيمان في عملية تسمى “المزايدة”، حيث يهدف كل منهما إلى إظهار قدرة أكبر على محاربة العدو من المنافسين عبر تصعيد الهجمات الإرهابية. بعبارة أخرى، يمكن أن يقود الصراع بين التنظيمين إلى محاولة التفوق على بعضهما بعضًا بهجمات مذهلة بشكل متزايد على المدنيين، الأمر الذي ستنصرف تداعياته إلى الوضع الأمني ​​المضطرب في منطقة الساحل من خلال زيادة مستويات العنف.
مجمل القول، إن من يتتبع تاريخ تنظيم “داعش” يجد أن لديه قدرة على التعلم والاستفادة من دروس الماضي؛ إلا أن عام 2020 أظهر جوانب جديدة لدى التنظيم يتعلق أولها بنجاحه في تجاوز تحدياته الهيكلية، حيث لم يتأثر نشاطه على الرغم من عدم ظهور قائده الحالي. وينصرف ثانيها إلى قدرته على استغلال الأزمات من أجل تحقيق أهدافه، إذ أحسن استغلال تفشي فيروس كورونا من أجل تصعيد عملياته في ساحات مختلفة. ومن ثم نجح في استغلال التحولات التي شهدها العالم، واستمر في نشاطه بفضل قدرته على التكيف، مما يتطلب في المقابل جهودًا متطورة مختلفة للمكافحة من جهة، بجانب تعمق أكثر في دراسة واستيعاب التحولات التي طرأت عليه من جهة أخرى.

تقى النجار
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة