وحدة الدراسات الأوروبية

“ضريبة الخروج”: بريطانيا والاتحاد الأوروبي وتداعيات البريكست

أعلن رئيس الوزراء البريطاني “بوريس جونسون” في الرابع والعشرين من ديسمبر 2020، أنه تم التوصل إلى اتفاق تجاري طال انتظاره بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، بعد خروج بريطانيا من الاتحاد، قبل أيام فقط من نهاية الفترة الانتقالية في 31 ديسمبر 2020. وذكرت هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) أن اتفاق التجارة الذي توصلت إليه بريطانيا والاتحاد الأوروبي لمرحلة ما بعد انفصال الجانبين يتجاوز اتفاقه مع كندا (من حيث حجم السلع ونطاق التجارة المشمولة بالاتفاق). ردود الأفعال أكد رئيس الوزراء البريطاني أن اتفاق مرحلة ما بعد البريكست سيصب في مصلحة الطرفين على ضفتي المانش، مشددًا على أن بلاده ستبقى حليف أوروبا وسوقها الأول،…

الشيماء عرفات
باحث بوحدة الدراسات الأوروبية

أعلن رئيس الوزراء البريطاني “بوريس جونسون” في الرابع والعشرين من ديسمبر 2020، أنه تم التوصل إلى اتفاق تجاري طال انتظاره بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، بعد خروج بريطانيا من الاتحاد، قبل أيام فقط من نهاية الفترة الانتقالية في 31 ديسمبر 2020. وذكرت هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) أن اتفاق التجارة الذي توصلت إليه بريطانيا والاتحاد الأوروبي لمرحلة ما بعد انفصال الجانبين يتجاوز اتفاقه مع كندا (من حيث حجم السلع ونطاق التجارة المشمولة بالاتفاق).

ردود الأفعال

أكد رئيس الوزراء البريطاني أن اتفاق مرحلة ما بعد البريكست سيصب في مصلحة الطرفين على ضفتي المانش، مشددًا على أن بلاده ستبقى حليف أوروبا وسوقها الأول، وأشاد جونسون بالاتفاق التجاري، وقال إن قيمته تبلغ سنويًا حوالي 660 مليار جنيه إسترليني (895 مليار دولار). كما أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين، أن لندن والاتحاد الأوروبي توصلا إلى “اتفاق جيد ومتوازن” و”منصف” للطرفين، و”يستحق المحاربة من أجله”. وقالت إن المملكة المتحدة تبقى “شريكًا موثوقًا” للاتحاد. وأضافت، أن الاتفاق “يسمح لنا بالتأكد أخيرًا بأن بريكست أصبح خلفنا”.

وقال كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي ميشيل بارنييه: “لم نعد مضطرين إلى مراقبة الوقت”، في إشارة إلى نهاية الفترة الانتقالية في عملية خروج بريطانيا من الاتحاد في الحادي والثلاثين من ديسمبر 2020. وأضاف بارنييه: “اليوم يوم للراحة، لكنها راحة ممزوجة بشيء من الحزن عندما نقارن ما توصّلنا إليه من قبل بما ينتظرنا في المستقبل”. وأشار بارنييه إلى بعض النقاط المثيرة لخيبة الأمل، مثل عدم مشاركة بريطانيا في البرنامج الطلابي “إيراسموس”، وعدم وجود اتفاق يحدد السياسة الخارجية والدفاع ومسائل التنمية.

وعلى مستوى قادة الاتحاد، قال رئيس الوزراء الأيرلندي “مايكل مارتن”، الذي كانت بلاده أكثر الدول التي ستعاني من خروج بريطانيا دون اتفاق، إن الاتفاق “مرحّب به جدًا”. كما أعربت المستشارة الألمانية “أنجيلا ميركل” عن “ثقتها” بأن الاتفاق “نتيجة جيدة” للمفاوضات في وقت سيتعيّن فيه الآن على الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي إقراره. كما أشاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بـ”وحدة وحزم” الاتحاد الأوروبي، مشيرًا إلى أن ذلك أثمر عن النجاح في التوصل إلى الاتفاق. وأشاد رؤساء وزراء هولندا وإسبانيا والنمسا وإيطاليا واليونان والسويد والبرتغال بالاتفاق، وأكدوا محورية التعاون بين الاتحاد ودوله المختلفة والمملكة المتحدة.

وفي الداخل البريطاني، أعلن زعيم حزب العمال البريطاني “كير ستارمر” أن حزبه سيصوّت لصالح الاتفاق عند عرضه بالبرلمان، مشيرًا إلى أن ذلك يصب في المصلحة الوطنية نظرًا إلى أن البديل سيكون مغادرة التكتل من دون اتفاق. لكنه انتقد الاتفاق مشيرًا إلى أنه “ليس الاتفاق الذي وعدت به الحكومة”، ووصفه بـ”الهزيل”. إلا أن الوصول لاتفاق لم يمنع رئيسة الوزراء الأسكتلندية “نيكولا ستورجن” من تجديد دعوتها لصالح الاستفتاء على الخروج من اتحادها في إطار رابطة المملكة المتحدة. فقالت في تغريدة إنه “من المهم التذكير بأن بريكست يجري ضد رغبة أسكتلندا. ولا يمكن لأي اتفاق على الإطلاق أن يعوّض عمّا أخذه بريكست منا. لذا حان الوقت لنرسم مستقبلنا الخاص كدولة أوروبية مستقلة”.

تطوّر المفاوضات

واجهت المفاوضات بين الطرفين -البريطاني والأوروبي- محطات فاصلة للوصول من وقت إعلان خروج المملكة المتحدة في 31 يناير 2020 إلى يوم 24 ديسمبر من العام نفسه، قبل أيام من انتهاء السنة الانتقالية لخروج المملكة رسميًا في 31 ديسمبر 2020، وقد كادت المفاوضات أن تتوقف ويصبح الطرفان أمام خروج دون اتفاق بنهاية هذا العام، وكان أبرز تلك المحطات: 

  • في 12 يونيو: أخبر وزير مكتب مجلس الوزراء مايكل غوف الاتحاد الأوروبي رسميًا بأن المملكة المتحدة لن توقع على تمديد الفترة الانتقالية، في وقت كانت المفاوضات فيه شبه معلقة بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد، لكنه تراجع عن خطط لإدخال عمليات تفتيش كاملة على الحدود على الفور مع الاتحاد الأوروبي في 1 يناير 2021. وأمام هذا التشدد البريطاني اتفقت المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي على تكثيف المحادثات وجهًا لوجه. وأشار الاتحاد الأوروبي إلى استعداده للتنازل عن اقتراحه السابق “المتشدد” بشأن وصول السفن الأوروبية غير المشروط لمصايد الأسماك البريطانية، كما ابتعد عن إصراره السابق على استمرار المملكة المتحدة في التوافق مع القواعد الحالية والمستقبلية الحاكمة لمساعدات الدولة لشركاتها. واستبدلها باقتراح يؤكد ضرورة وجود آلية لضمان “تكافؤ” قواعد المساعدة الحكومية، وتأكيدًا من المملكة المتحدة بأن تلك القواعد المرسومة حاليًا سيتم إنفاذها من قبل هيئة مراقبة مستقلة.
  • في نهاية يوليو: أشار الجانبان إلى حدوث بعض التحرك في مجال آلية فض النزاع والحكم. فقال كبير المفاوضين في المملكة المتحدة “ديفيد فروست” إن الاتحاد الأوروبي قد استمع إلى مخاوف المملكة المتحدة بشأن دور محكمة العدل الأوروبية. وعلى الجانب الآخر فإن المملكة المتحدة قد استمعت إلى مخاوف الاتحاد الأوروبي بشأن وجود اتفاقيات متعددة، وكانت على استعداد للنظر في هياكل تحكيمية أبسط من محكمة العدل الأوروبية.
  • في 10 سبتمبر: قامت المملكة المتحدة بخطوة جلبت لها الكثير من النقد الدولي، عندما أعلنت خططها لتشريع يمكنهم من تجاوز أحكام اتفاقية الانسحاب المتعلقة بأيرلندا الشمالية، في انتهاك للقانون الدولي. وحينها هددت المفوضية الأوروبية المملكة المتحدة باتخاذ إجراءات قانونية ضد هذا التشريع، الذي تراجعت عنه المملكة في وقت لاحق، ولكنه أثار تخوفات من تسميم للعلاقات بين الطرفين قد يُنذر بخروج دون اتفاق.
  • في 4 ديسمبر: أعلن كل من فروست وبارنييه بشكل مشترك أن شروط الاتفاق لم يتم الوفاء بها بعد، وسيتم تعليق المفاوضات مؤقتًا للسماح للقادة السياسيين بإجراء تقييم. وأتى هذا التعليق في سياق شكاوى من المملكة المتحدة من أن الاتحاد الأوروبي قد أدخل عناصر جديدة في المفاوضات. حيث تركز الخلاف على اقتراح الاتحاد الأوروبي بالسماح له باتخاذ إجراءات انتقامية إذا زاد من معاييره في “آلية اللعب المتكافئ”، ولم تحذُ المملكة المتحدة حذوه.
  • ما بين 9-13 ديسمبر: كانت هناك محادثات مكوكية بين جونسون وفون دير لاين بشأن ضرورة استئناف المحادثات. وإن خرج جونسون يوم 13 ديسمبر ليعلن أن هناك الآن “احتمالًا قويًا” بأن المملكة المتحدة ستُنهي الفترة الانتقالية في 31 ديسمبر دون اتفاق مع الاتحاد الأوروبي. إلا أن هناك تقارير أشارت إلى أنه كان هناك بعض التحرك بشأن الآلية المذكورة في الفقرة الماضية الخاصة باللعب المتكافئ. فقد وافق الاتحاد الأوروبي على أنه يجب تطبيق التعريفات الجمركية كعقاب فقط في حالة وجود دليل واضح على أن الاختلاف في اللوائح قد أدى إلى تشويه التجارة بشكل كبير.
  • في 20 ديسمبر: لم تتوصل فرق التفاوض بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة إلى الاتفاق بشأن مستقبل أساطيل الصيد التابعة للاتحاد الأوروبي في البحار البريطانية، وتفوت موعدًا نهائيًّا آخر للتوصل إلى اتفاق، وهو ما هدد بتوقف المفاوضات في اللحظات الأخيرة، واستمرت العروض المتبادلة بين الطرفين حتى تم إعلان الاتفاق يوم الرابع والعشرين من ديسمبر. 

بنود الاتفاق

وفرّ اتفاق “بريكست” على بريطانيا فوضى الخروج من الاتحاد الأوروبي على أساس قواعد منظمة التجارة العالمية. وكان من شأن ذلك، وفق تقديرات مكتب مراقبة الميزانية البريطاني، أن يكلف اقتصاد البلاد خسائر بأكثر من 80 مليار دولار (60 مليار جنيه إسترليني) ويؤدي إلى انكماش بنسبة 2%، وبالتالي فإن الاتفاق يعني عدم تحمل الأسر البريطانية زيادة في الأسعار قد تصل إلى 20% على بعض المواد الاستهلاكية. كما يوفر على الشركات العاملة في المملكة المتحدة التي تستورد مدخلات إنتاج من أوروبا أو تصدر إليها سلعًا وخدمات، رسومًا وجمارك تتراوح بين 5 و15%، كانت ستضاف إلى كلفة الإنتاج، وبالتالي كانت ستؤثر على الأسعار وتجعلها أقل تنافسية.

وبالرغم من أن الاتفاق الموقّع بين الطرفين هو اتفاق للتجارة الحرة، وهو مستوى يُعد أكثر انخفاضًا بكثير عن الاتحاد الجمركي أو السوق الموحدة التي كانت المملكة عضوًا بهما؛ إلا أن الاتفاق غطى جوانب أوسع وأعطى امتيازات أكبر وكذلك قواعد قانونية أقوى من الاتفاقات الأخرى للتجارة الحرة، التي سبق وأن وقّعها كلا الطرفين، وهو ما يُعد مفهومًا في ضوء حجم التدخل المعقد والكبير بين الطرفين. وتؤكد الاتفاقية على ما تم التوصل له نهاية العام الماضي من الوضع الخاص بأيرلندا الشمالية، والالتزامات المالية الخاصة بالمملكة المتحدة في الميزانية الأوروبية، وكذلك أوضاع المواطنين الأوروبيين في المملكة المتحدة والعكس.

وقد أوضح عددٌ من الخبراء لمجلة “فاينانشيال تايمز” بعد إعلان الاتفاق أبرز ما تم التوصل له على النحو التالي:

1- ضمان تكافؤ الفرص فيما يخص (المعايير ومساعدات الدولة)

 تفاوضت المملكة المتحدة وبروكسل بشق الأنفس على نظام يترك المملكة المتحدة حرة في وضع معاييرها الخاصة في مجالات، مثل المعايير البيئية وقانون العمل، ولكن مع خطر تقييد الوصول إلى السوق الأوروبية إذا كانت المعايير البريطانية بعيدة جدًا عن معايير الاتحاد. حيث ستسمح “آلية إعادة التوازن” لأي من الجانبين بحق فرض رسوم جمركية إذا تقرر أن أعمالهما كانت في وضع غير عادل. إلا أن من سيقرر تلك الرسوم سيكون لجنة تحكيم مستقلة وليس محكمة العدل الأوروبية كما طالب الاتحاد سابقًا. وهو ما سيسري على الشركات أيضًا، حيث ستكون الشركات في الاتحاد الأوروبي قادرة على الطعن بخصوص المساعدات الحكومية الممنوحة للمنافسين بالمملكة المتحدة في المحاكم الوطنية البريطانية إذا شعرت بأنها تنتهك المبادئ المشتركة المنصوص عليها في الصفقة التجارية، وستتمتع الشركات البريطانية بحقوق مماثلة في الاتحاد الأوروبي. وأكد الطرفان على إنشاء هيئة تحكيم مستقلة لفحص قانونية تلك المساعدات، وأحقية الأطراف في فرض تعريفات في حال قام الطرف الآخر بتشويه التجارة بينهما بسبب تلك المساعدات.

2- مصايد الأسماك:

كفل الاتفاق لأساطيل الصيد في الاتحاد الأوروبي فترة انتقالية مدتها خمس سنوات ونصف، يضمن بها الوصول إلى مياه المملكة المتحدة. ولكن خلال الفترة الانتقالية، سيتمّ تخفيض حقوق الصيد في مياه المملكة المتحدة (التي تبلغ قيمتها حاليًا حوالي 650 مليون يورو سنويًّا) بمقدار الربع، مع زيادة الحصص البريطانية بمقدار مماثل. وسيعزز هذا التحول الحصة الحالية لقوارب المملكة المتحدة من حقوق الصيد في المياه البريطانية من حوالي النصف إلى الثلثين.

وبعد ذلك، سيعتمد الوصول على المفاوضات السنوية وفقًا لحجم الأسماك. وتُعد هذه الاتفاقية مثل تلك التي عقدها الاتحاد الأوروبي مع النرويج. لكن الاتحاد الأوروبي سيكون لديه بعض النفوذ، فإذا ألغت المملكة المتحدة حق الوصول للسفن الأوروبية، فسيكون قادرًا على اتخاذ تدابير تعويضية.

3- الخدمات اللوجستية والنقل البري:

يُعد هذا البند من أكثر البنود المتساهلة بين الطرفين. فقد اعترف الجانبان بصلاحية تراخيص وتصاريح كل منهما، وأدرجا حقوق النقل الكاملة، مما يسمح للسائقين بعبور عدة بلدان داخل الاتحاد لتوصيل حمولاتهم. وكذا سيمكن ذلك الشاحنات الأيرلندية من استخدام المملكة المتحدة كـ”جسر بري” لتسليم البضائع للاتحاد الأوروبي.

ومع ذلك، فإن الاتفاقية تقصر توقف سائقي الشاحنات البريطانيين على إنزال واحد وتوقف واحد عندما يكونون في أوروبا، وهو تخفيض كبير من عضوية الاتحاد الأوروبي، حيث يمكن للسائقين القيام بثلاثة إنزالات داخل إحدى دول الاتحاد الأوروبي قبل العودة إلى الوطن.

4- الطيران والسفر:

يسمح الاتفاق بحقوق الطيران بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة بالاستمرار، لكن شركات الطيران البريطانية لن تكون قادرة على السفر بين نقطتين داخل الاتحاد الأوروبي. وبالنسبة للمسافرين، ستكون التأشيرات مطلوبة للزيارات التي تزيد مدتها عن 90 يومًا، وقد تكون هناك فحوصات إضافية لجوازات السفر. إلا أن أحكام الرعاية الصحية ستظل متاحة لزوار المملكة المتحدة من أوروبا والعكس صحيح.

5- تجارة التجزئة والأدوية:

نظرًا للاتفاق على “صفر جمارك صفر تعريفة” على السلع والتجارة بين الطرفين، فقد أبدى قطاع التجزئة ارتياحه للاتفاق، حيث قدر اتحاد التجزئة البريطاني في وقت سابق أن التعريفات في حالة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بدون صفقة ستضيف 3 مليارات جنيه إسترليني سنويًا إلى تكلفة المواد الغذائية للمستهلكين في المملكة المتحدة. وفي هذا السياق صرّحت الرئيسة التنفيذية للاتحاد “هيلين ديكنسون”: “بالنظر إلى أن أربعة أخماس واردات الغذاء في المملكة المتحدة تأتي من الاتحاد الأوروبي، فإن إعلان اليوم يجب أن يمنح الأسر في جميع أنحاء المملكة المتحدة تنفس الصعداء الجماعي”. 

بالإضافة أنه تم تحقيق هدف رئيسي في صناعة الأدوية، وهو أن الاختبارات والتفتيش على الأدوية التي يتم إجراؤها على جانب واحد من القناة الإنجليزية يجب اعتبارها صالحة من ناحية أخرى. فقد تضمنت الاتفاقية فقرات “الاعتراف المتبادل” التي ينبغي أن تعني أن مرافق التصنيع في المملكة المتحدة “لن تحتاج إلى الخضوع لعمليات تفتيش منفصلة في المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي”.

6- الخدمات المهنية والمالية:

يُعد هذا القطاع الأكثر تضررًا من الاتفاق، إلا أن هذا كان متوقعًا نظرًا لأنه من المعروف أن اتفاقات التجارة الحرة لا تغطي قطاع الخدمات. وعليه سيفقد مقدمو الخدمات المهنية قدرتهم على العمل تلقائيًا في الاتحاد الأوروبي. وهذا يعني أن المهن من الأطباء والأطباء البيطريين إلى المهندسين والمهندسين المعماريين يجب أن تكون مؤهلاتهم معترفًا بها في كل دولة عضو في الاتحاد الأوروبي حيث يريدون العمل. ومع ذلك، وكما أوضحنا سابقًا فإن هذا الاتفاق أوسع من اتفاقات للتجارة الحرة أخرى بين الطرفين. فالاتفاق أكد على أنه ستكون هناك أحكام لرحلات العمل قصيرة الأجل والإعارة المؤقتة للموظفين ذوي المهارات العالية. وهو ما سيسري بالتبعية على الخدمات المالية التي تُعد من أهم قطاعات الاقتصاد البريطاني. فالاتفاق ترك للطرفين تنظيم المعادلة ومنح الأذونات لوقت لاحق.

7- الأمن: أوضحت المجلة أنه سيتم عزل أجهزة الشرطة والاستخبارات البريطانية عن قواعد بيانات الجرائم الخاصة بالاتحاد، إلا أنه مع ذلك ستظل خدمات الأمن البريطانية قادرة على رؤية بيانات الركاب الجوية المهمة، ومعلومات السجل الجنائي، والحمض النووي، وبصمات الأصابع، وبيانات تسجيل المركبات، مع الوصول المستمر إلى ما يُسمى بقواعد بيانات PNR وPrüm. وهو ما يعني أن الطرفين سيظلان قادرين على العمل في التحقيقات المشتركة في الإرهاب وجميع أشكال الجريمة المنظمة، كما أنهما سوف يتعاونان في إطار وكالة تطبيق القانون الأوروبية “يوروبول”.

  • نقل الطاقة: ضمن الاتفاق استمرار تدفق الطاقة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، سواء من خلال شبكات الكهرباء والغاز الطبيعي. كما ألزم الاتفاق الجانبين بالتعاون في مجال الطاقة المتجددة، والتصدي لتغير المناخ ومجال الطاقة النووية. 

اتجاهات مستقبلية

بالرغم من أن التوصل لاتفاق تجاري بين الطرفين أنهى حالة من الجدل والاضطراب استمرت لسنوات؛ إلا أن القول بأن هذا الاتفاق يُعد شارة الختام لا يُعتبر قولًا صحيحًا إلى حد كبير. وهو ما يرجع لأمرين رئيسيين:

أولهما: ما يتعلق بشكل ومستقبل التعاون الدفاعي والخارجي بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي. فقد أصرت المملكة المتحدة بكل السبل على تنظيم العلاقات التجارية عن تلك الخاصة بتنظيم العلاقات الدفاعية والخارجية، وهو ما يمكن إرجاعه إلى رؤية حكومة “بوريس جونسون” بأن هناك القليل من القيمة المضافة في الترتيبات التعاقدية مع الاتحاد الأوروبي بشأن التعاون في السياسة الخارجية والأمنية والدفاعية. وتعتقد المملكة المتحدة أنه من الأفضل العمل بشكل ثنائي مع الدول الأعضاء الرئيسية في الاتحاد الأوروبي. وانطلاقًا مما يتم التوصل إليه ستتم مواءمته مع بقية الدول الأعضاء ومؤسسات الاتحاد الأوروبي، إلا أن هذا الطرح سيواجه صعوبات أكبر في الفترة القادمة، خاصة بعد أن بدأ الاتحاد في تطوير سياسة دفاعية مشتركة خاصة به، وبدأ في زيادة مخصصات إنفاقه الدفاعي. بالإضافة لالتفافه نحو مفهوم “السيادة الاستراتيجية” والذي برغم مواجهته للعديد من العقبات الآن إلا أنه طرح يعكس الطموح الأوروبي لقرار أكثر استقلالية عن السابق، مما سيعني أنه لن يكون سهلًا على المملكة المناورة بشكل أكبر للتأثير على الاتحاد.

وثانيهما: أن هذا الخروج سيمثل لحظة الحقيقة لرؤية بريطانيا العالمية، التي روج لها دعاة الخروج، وعلى رأسهم رئيس الوزراء “بوريس جونسون” الذي ارتفعت أسهمه بعد التوصل للاتفاق بعد أن تراجعت شعبيته بسبب أزمة (كوفيد-19). ومن ثمّ فإن تحرك المملكة على الصعيد الدولي، يزيد من فرص التوصل لاتفاق مع الولايات المتحدة، نظرًا لرفض إدارة “بايدن” أي خروج لبريطانيا يهدد اتفاقية الجمعة العظيمة، ويضعف كذلك العلاقات عبر الأطلسي، بعكس سلفه “ترامب” الذي لطالما ذكر هذا الاتجاه. 

أما تحركها لمحاصرة الدول المهددة للنظام الليبرالي العالمي، التي تروج لأن رؤية بريطانيا العالمية تهدف لتعزيزه، سواء من خلال تعظيم دور مجموعة “العيون الخمس” (أستراليا، وكندا، ونيوزيلندا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة)، أو تجمع الديمقراطيات العشر، أو توجهها نحو تعزيز نفوذها في منطقة “الأندو باسيفك” لمحاصرة النفوذ الصيني؛ كل هذا سيتم اختباره في المرحلة القادمة، هذا من جهة. ومن جهة أخرى سيكون اختبارًا داخليًا لحقيقة الادعاء بأن تلك الرؤية ستضمن للمملكة المتحدة اقتصادًا أقوى ورفاهية لشعبها أعلى مما كانت عليه وهي دولة عضو بالاتحاد الأوروبي.

أخيرًا، يمكن القول إنه على الرغم من محورية هذا الاتفاق في تاريخ العلاقات البريطانية الأوروبية، والذي لطالما كان يمثل طريقًا مليئًا بالتعرجات، إلا أن هذا الاتفاق أثبت للمتشككين في الاتحاد أن ضريبة الخروج ليست سهلة، كما أن التفاوض الجماعي والموحد يضمن للكتلة مصالحها، بعكس نهجها المشتت في قضايا أخرى والذي يضعف تأثيرها. إلا أن لحظة الحقيقة ستكون بعد سنوات عندما يتم اختبار أي من الطرفين كان على صواب، أهي المملكة المتحدة التي تعاملت مع الاتحاد كبناء غارق في البيروقراطية محدود التأثير، أو أن الاتحاد سيثبت للمملكة حقيقة أن تصورها عن ذاتها وتأثيرها هو وهم، وأن فاعلية أدواتها المختلفة تأتي في سياق عضويتها في الاتحاد.

الشيماء عرفات
باحث بوحدة الدراسات الأوروبية