loader

الإخوان في أوروبا.. زوايا أخرى للتغلغل والاختراق (1)

مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

خلال النصف الأخير من العام 2020، شهد الوجود الإخوانى في القارة الأوروبية الذي ظل مسكوتاً عنه لعقود حزمة من المتغيرات، أعلاها صوتاً جاء من باريس، التي تحدثت بخطاب واضح عبَّر عن انزعاجها من حجم التغلغل لتنظيم الإخوان المسلمين الدولي داخل مفاصل المجتمع الفرنسي للحد الذى وصفه الرئيس ماكرون باعتباره مهدداً حقيقياً لقيم الجمهورية الفرنسية. وربما دفع هذا المتغير إلى فتح الباب أمام إعادة تقييم للوجود الإخوانى فى عديد من دول الاتحاد الأوروبي، وممن هم خارج الاتحاد. لذلك شهدت الأشهر الأخيرة من العام المنصرم كثيراً من الأوراق والتقارير البحثية التي بدأت تدق نواقيس الخطر حول طبيعة المكون الإخوانى وأنشطته التي بدت…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

خلال النصف الأخير من العام 2020، شهد الوجود الإخوانى في القارة الأوروبية الذي ظل مسكوتاً عنه لعقود حزمة من المتغيرات، أعلاها صوتاً جاء من باريس، التي تحدثت بخطاب واضح عبَّر عن انزعاجها من حجم التغلغل لتنظيم الإخوان المسلمين الدولي داخل مفاصل المجتمع الفرنسي للحد الذى وصفه الرئيس ماكرون باعتباره مهدداً حقيقياً لقيم الجمهورية الفرنسية. وربما دفع هذا المتغير إلى فتح الباب أمام إعادة تقييم للوجود الإخوانى فى عديد من دول الاتحاد الأوروبي، وممن هم خارج الاتحاد. لذلك شهدت الأشهر الأخيرة من العام المنصرم كثيراً من الأوراق والتقارير البحثية التي بدأت تدق نواقيس الخطر حول طبيعة المكون الإخوانى وأنشطته التي بدت في أغلبها ليست فوق مستوى الشبهات.

أحدث هذه التقارير صدر عن مشروع مشترك بين مركز جلوبسيك (GLOBSEC) الذي يقع في سلوفاكيا، ومشروع مكافحة التطرف (CEP) الأشهر أوروبياً في هذا المجال. أهمية التقرير أنه يضيء منطقة ظلت معتمة لسنوات، رغم أن مواقعها الجغرافية قريبة الصلة بالمكون الأوروبي بل وتقع في القلب منه، فهو يتناول أنشطة جماعة الإخوان وفروعها في كل من مقدونيا الشمالية والبوسنة والهرسك. يقدم التقرير أشكال ومدى التقدم الذي أحرزه تيار الإسلام السياسي في بلدين أوروبيين، اعتبرهما الفريق البحثي الذي عمل عليه يمثلان نموذجاً متكرراً في دول أخرى، لكن في كل الأحوال تظل منطقة البلقان تتمتع بميزة وأوضاع استثنائية في مجمل معادلات التأثير الأوروبية، فيما تشكله من أهمية بالنسبة إلى تيار الإسلام السياسي الذى يعتبرها إحدى مناطقه التاريخية التي تستلزم الدأب الذى قد يصل لحد القتال من أجل تثبيت أقدامه فيها وتأمين مصالح عناصره والمنتمين إلى التيار بوجه عام.

فيما يخص البوسنة والهرسك، دخل الإسلام إليها لأول مرة في القرن الخامس عشر بعد أن استولى العثمانيون على القسطنطينية، وما أعقبها من اجتياح تركي سريع لمنطقة البلقان لتعتبر البوسنة ولاية رسمياً في العام 1463. وظلت على هذه الوضعية إلى أن جرى ضمها إلى مملكة الصرب والكروات والسلوفينيين، فيما أعيدت تسميتها «يوغوسلافيا» منذ 1929 لتحكم تحت هذا الشكل، إلى أن انهار هذا الاتحاد واستقلت الدول الأعضاء فيه عام 1991. أسوأ مظاهر هذا التفكك دار على أرض البوسنة في الحرب التي وقعت ما بين عامي 1992 و1995، وما صاحبها من عمليات قتل جماعي وتشريد واسعة مثَّلت فرصة مثالية للإسلامويين كي يشدوا الرحال إليها، ويقدموا الدعم إلى حكومة الرئيس البوسني «على عزت بيجوفيتش». وقد عزز تجنيس الجهاديين الأجانب أثناء الحرب وبعدها، فضلاً عن دخول وتوسع الجمعيات الخيرية الإسلامية لإعادة بناء البلاد، ترسيخ تيار متطرف ظل يتنامى في البوسنة، حيث شكل المنتمون لجماعة «الإخوان» وعناصر «الإيرانيين» المكون الأبرز لهذا التيار.

التقرير المشار إليه ذكر أن نفوذ الإخوان المسلمين في البوسنة قديم ويعود لفترة التأسيس، فقد كان عزت بيجوفيتش، أول رئيس للبوسنة المستقلة، عضواً في منظمة «الشبان المسلمين»، وهي منظمة أُسست على غرار جماعة الإخوان المسلمين عندما تم إنشاؤها في البوسنة عام 1939. المثير أن هناك واقعة منسية ذكرها التقرير تخص فترة أربعينات القرن الماضي، لها دلالة هامة فيما تمثله من تشابه مع أحداث جرت في بلداننا العربية في ذات التوقيت، فقد اعتقد معظم اليوغوسلاف أن منظمة «الشبان المسلمين» قد تفككت في فترة الأربعينيات، بعد أن حوكم معظم قادتها بتهمة التعاون مع النازيين، غير أن الجماعة بقيت وعملت تحت الأرض بجد لكسب الأتباع والنفوذ، وإنشاء شبكات تمتد إلى ما وراء يوغوسلافيا. إحدى أهم أذرع تلك الشبكات تكشَّف أنه قام بنسج التواصل ما بين الجماعة وجمهورية إيران الإسلامية الجديدة في ذلك الوقت من أوائل الثمانينات، وهو الذي لفت انتباه الحكومة اليوغوسلافية وأدى إلى صدور قرار باعتقال عزت بيجوفيتش وغيره من قادة المنظمة.

ظل بيجوفيتش في السجن إلى أن بدأ الحكم الشيوعي في الانهيار، حيث أُفرج عنه في العام 1990 ليعود بنشر إعلانه الإسلامي ويخوض حرب الاستقلال والسيطرة على السلطة، لكن ظل المراقبون في البوسنة يعتبرون أطروحته الأيديولوجية وثيقة الصلة لحد التطابق مع المنهج الإخوانى الدولي، مما أثار مساحة كبيرة من الجدل العام، خاصة مع بدء سيطرة جماعة الإخوان المسلمين في البوسنة على المناصب العليا. كما يوثق التقرير الدلائل التي تربط الشخصيات البارزة في البوسنة والهرسك، مثل الدكتور مصطفى سيريتش، مفتي البوسنة السابق، بجماعة الإخوان المسلمين وقيادتها، فالدكتور سيريتش عضو في «المجلس الأوروبي للفتوى والبحوث» المرتبط عضوياً بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، إلى جانب يوسف القرضاوي وغيره من الشخصيات البارزة في جماعة الإخوان. وخارج المؤسسات الرسمية يأتي التأثير الإخواني الأبرز متمثلاً في «جمعية الثقافة والتعليم والرياضة» المعروفة بـ(AKOS)، التي لها صلة وثيقة بـ«اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا (FIOS)، وهي منظمة إخوانية مقرها العاصمة البلجيكية «بروكسل». التقرير أورد أن المتابعة الأمنية الأوروبية للموقع الإلكتروني لجمعية الثقافة والتعليم البوسنية أوضحت أنه يحظى بآلاف الزيارات يومياً من داخل البوسنة وخارجها، حيث يُعد بوابة نشطة لجلب الأشخاص إلى تيارات الإسلام السياسي بوجه عام، وإلى صفوف الإخوان فى حال توافر أفرع للجماعة في بلدان الزائرين للموقع الإلكتروني.

هذا التقرير الأوروبي أورد واقعة تخص مصر في طيات حديثه عن الصراع الداخلي الذي تموج به الساحة البوسنية، فقد استقبل السيد «بكير»، ابن عزت بيجوفيتش وخليفته، وفداً من الإخوان المسلمين المصريين في قصر الرئاسة، ونشرت الصحف حينها صورة لبكير عزت بيجوفيتش عليها رمز «رابعة»، وهي إشارة معروفة عن جماعة الإخوان المسلمين. وتسبَّب ذلك في عاصفة سياسية في البوسنة، مما اضطر «بكير» إلى الادعاء بأنه لا يعرف أن الوفد ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين! هذا عن البوسنة ونموذجها، ونظل في استكمال عرض هذا التقرير الهام الأسبوع القادم بمشيئة الله.

نقلا عن “جريدة الوطن”، الإثنين ٤ يناير ٢٠٢٠.

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب