وحدة الدراسات الاقتصادية

واقع وتحديات الصادرات المصرية

عانى الاقتصاد المصري خلال السنوات العشر الماضية من اختلالات هيكلية حادة، نجم عنها تدهور حاد في القطاعات الإنتاجية المصرية، نتيجة السيولة الأمنية وعدم استقرار الأوضاع السياسية في الفترة ما بعد أحداث 25 من يناير 2011، التي استوجب التصدي لها البدء الفوري في برنامج إصلاح هيكلي ضخم بشراكة موسعة مع صندوق النقد الدولي، وهو ما أفضى إلى قيام الحكومة المصرية بالبدء في برنامج إصلاح موسع للسياسات النقدية والمالية مصحوبًا ببرنامج بناء موسع لاستعادة كفاءة البنية التحتية المصرية التي أصابها العطب نتيجة تراكم سنوات الترك والإهمال، وهو ما أثر بالقطع على الاستثمارات العامة الموجهة للقطاع الصناعي، الأمر الذي من المُفترض أن يؤثر…

د. محمد شادي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

عانى الاقتصاد المصري خلال السنوات العشر الماضية من اختلالات هيكلية حادة، نجم عنها تدهور حاد في القطاعات الإنتاجية المصرية، نتيجة السيولة الأمنية وعدم استقرار الأوضاع السياسية في الفترة ما بعد أحداث 25 من يناير 2011، التي استوجب التصدي لها البدء الفوري في برنامج إصلاح هيكلي ضخم بشراكة موسعة مع صندوق النقد الدولي، وهو ما أفضى إلى قيام الحكومة المصرية بالبدء في برنامج إصلاح موسع للسياسات النقدية والمالية مصحوبًا ببرنامج بناء موسع لاستعادة كفاءة البنية التحتية المصرية التي أصابها العطب نتيجة تراكم سنوات الترك والإهمال، وهو ما أثر بالقطع على الاستثمارات العامة الموجهة للقطاع الصناعي، الأمر الذي من المُفترض أن يؤثر على الصادرات المصرية المُصنعة بشكل عام، ومُجمل الصناعات المصرية.

أولًا- أهم مكونات الصادرات المصرية

تُسيطر السلع الأساسية والمواد الخام على الصادرات المصرية، ففي عام 2019 صدرت مصر ما قيمته 30.6 مليار دولار، شكلت السلع العشرين الأولى الأكبر منها نحو 17.38 مليار دولار، كان أهمها: الزيوت والمواد البترولية بنحو 6.53 مليارات دولار، يليها ما يقدر بنحو 2.05 مليار دولار من الذهب، ثم 1.37 مليار دولار تقريبًا من الغاز، بالإضافة إلى عدد كبير من الفواكه والخضروات، وجميعها من المواد الخام والأولية. يأتي بعد هذه الصادرات في القيمة مجموعة من الصادرات ذات المكون التكنولوجي الأعلى على الإطلاق بين الصناعات المصرية، في حين تُعتبر مُنخفضة إلى مُنخفضة للغاية بالنسبة للصادرات الصناعية العالمية من بين أهمها: الأسمدة، وأجهزة الاستقبال مثل التليفزيونات، بالإضافة إلى الأسلاك الكهربية المعزولة، وتُشكل هذه المكونات الثلاثة معًا ما قيمته 2.53 مليار دولار، في حين تليها في القيمة بعض المواد الوسيطة وخاصة البوليمرات والمواد العطرية وتبلغ قيمتها معًا نحو 2 مليار دولار، وأخيرًا من حيث التصنيع تأتي مجموعة السلع تامة الصُنع مُنخفضة التكنولوجيا وعلى رأسها التشيرتات والبدل، ويأتي معها الحديد والفولاذ المُدرفل بقيمة 1.29 مليار دولار. ويوضح الشكل التالي أعلى 20 سلعة من حيث القيمة في 2019، وتوزيعها من حيث المكون التكنولوجي.

شكل (1(- السلع العشرون الأعلى من حيث القيمة بالمليار دولار وتوزيعها من حيث المكون التكنولوجي في عام 2019

ويتضح من الشكل تركز الصادرات المصرية في المواد الخام وبدائية الصُنع، أو تلك التي تعتمد على مواد خام تتمتع مصر في إنتاجها بميزة نسبية مثل الأسمدة التي تستند إلى الغاز الطبيعي كمكون أساسي، ثم المنسوجات التي تُصنع من القطن أو الخيوط الصناعية.

ولم يختلف الوضع كثيرًا في السنوات ما بين 2008 حتى 2019، حيث مثلت العشرون سلعة الأكثر تصديرًا نحو 146 مليار دولار من إجمالي قيمته 324 مليارًا، وجاء مُعظمها كذلك من المواد الأولية، مع انخفاض أكبر للعناصر المُصنعة في 2019 عنها، حيث انخفضت بشدة المُنتجات تامة الصُنع مُنخفضة المكون التكنولوجي في مجموع الأحد عشر عامًا لصالح المواد الخام في عام 2019، إذ شهدت كامل الفترة تصدير ما يقرب من 2.52 مليار دولار من بياضات الأسرة وأغطية المائدة، و1.4 مليار دولار من مُنتجات الحديد الأخرى غير المُنتجات المُسطحة والمُدرفلة، بالإضافة إلى نحو 3.3 مليارات دولار من الصفائح النحاسية، و1.78 مليار دولار من مساحيق ورقائق الألومنيوم، وأخيرًا 3.44 مليارات دولار من الأثاث وأجزائه، كما يوضح الشكل التالي:

شكل (2)- السلع العشرون الأعلى من حيث القيمة بالمليار دولار وتوزيعها من حيث المكون التكنولوجي في الفترة 2008 – 2019

الأمر الذي يعني في المُحصلة انخفاض الصادرات المصرية المُصنعة بسبب انخفاض الاستثمارات الموجهة إلى القطاع الصناعي بشكل عام، حيث تبين تأثر القطاع بشدة بالتقلبات السياسية والاقتصادية، فكُلما كانت الحالة السياسية أكثر استقرارًا اتجهت مؤشراته للنمو، والعكس، وهو ما أدى في العموم إلى تراجع نصيب مصر من الصادرات العالمية، رغم ارتفاع حصيلة الصادرات ذاتها كما يوضح الشكل التالي:

شكل (3)- يوضح تطور الحصيلة الإجمالي للصادرات المصرية والعالمية وحصة مصر منها

يتضح من الشكل ارتفاع حصيلة الصادرات المصرية من مستوى 26 مليار دولار في عام 2008 إلى مستوى 31.6 مليار في عام 2011، ثم اتجاهها إلى الانخفاض حتى عام 2015 لتصل إلى مستوى 22 مليار دولار مُتأثرةً بالتقلبات السياسية وعدم الاستقرار الأمني، ثم تعاود الارتفاع من جديد إلى 30.6 مليار دولار في عام 2019. وعلى الرغم من ذلك انخفضت حصة الصادرات المصرية من إجمالي الصادرات العالمية إلى 0.16% في عام 2019 بعدما كانت قد بلغت أقصاها في 2009 عند مُستوى 0.2%.

ثانيًا- أهم الصادرات الصناعية ذات المكون التكنولوجي

يتطرق الجزء التالي إلى تطور حصيلة الصادرات لأربعة أنواع من المُنتجات تامة الصُنع مع اختلاف المكون التكنولوجي فيها، على النحو السابق توضيحه، ويعرض أوضاع صادرات البلاستيك والملابس الجاهزة كصناعتين مُنخفضتي التكنولوجيا، ثم الأسمدة والمُسجلات والتليفزيونات كصناعتين متوسطتي التكنولوجيا.

صادرات الملابس الجاهزة

لعل أول ما يجب البدء به هو صناعة الملابس الجاهزة بحكم الميزة النسبية التاريخية لمصر فيها، بسبب وجود القطن المصري، والعدد الضخم من المصانع التي أُنشئت إبان ثورة 1952، حيث توسعت الدولة بعدها في استغلال ثرواتها من القُطن بعدما كان يُصدر كامل المحصول الخام إلى الخارج. ويُلاحظ أن الصادرات المصرية من الملابس الجاهزة تتكون من 34 صنفًا، أهمها معاطف الرجال والنساء والأولاد، والبدل والقمصان والبلوزات، والملابس الرياضية والداخلية، بالإضافة إلى رابطات العنق. ويوضح الشكل التالي تطور حصيلة الصادرات المصرية منها كلها، وحصة مصر الإجمالية من الصادرات العالمية:

شكل (4)- يوضح تطور حصيلة الصادرات المصرية والعالمية من جميع أنواع الملابس الجاهزة وحصة مصر الإجمالية منها

يُلاحظ من الشكل ارتفاع حصيلة الصادرات المصرية في الفترة من 2008 حتى 2011 من 770 مليون دولار وحتى 1.55 مليار دولار، ثم انخفاضها إثر أحداث يناير إلى مستوى 1.26 مليار دولار في 2012 واستمرارها عند مستويات أدنى من عام 2011 حتى عام 2018 على إثر تحرير سعر صرف الجنيه، مما أعطى الصادرات المصرية قُدرات تنافسية أعلى، حتى بلغت أعلى مُعدل لها خلال الفترة الموضحة عند مستوى 1.7 مليار دولار بعد التطورات التي تُجريها الحكومة على القطاع بغرض استعادة تنافسيته من جديد، وخاصة مشروع العشرين مليار دولار بغرض تحديث الآلات، واستجلاب أحدث التقنيات في مجال التصنيع. كما تجري إعادة هيكلة للشركة القابضة بشكل كامل، بحيث تندمج بعض الشركات، مما يُقلل مصاريف التشغيل.

وعلى الرغم مما سبق، يتبين هامشية حصة مصر في السوق العالمية والتي لم تبلغ حتى 0.5% خلال السنوات ما بين 2008 – 2019، علاوة على ذلك نُلاحظ اتجاه حصة مصر إلى الانخفاض مُنذ عام 2009، حيث انخفضت من 0.42% إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق في 2014 إلى مستوى أقل من 0.27%، ثم تعاود الارتفاع من جديد على إثر برنامج النهوض بالقطاع لتُحقق في عام 2019 مستوى 0.36%، وهو أعلى مستوى مُنذ عام 2011.

صادرات المواد البلاستيكية

يبدو وضع صادرات المواد البلاستكية أفضل من حيث تطور حصيلة الصادرات وحجمها، حيث لم تتعثر في عام 2011، حيث كانت الحصيلة الإجمالية للصادرات تبلغ نحو 870 مليون دولار في عام 2008، ثم ارتفعت لتصل على 1.65 مليار دولار في عام 2014، لتدخل في اتجاه هبوطي لعامين مُتتاليين على الأرجح مدفوعة بأزمة الطاقة الكهربية من ناحية، ومن ناحية أخرى انخفاض المُنتجات البترولية أساسًا بسبب تراكم ديون الشركاء الأجانب وعدم دفعها من جانب الدولة، مما جعلها تصل إلى 1.19 مليار دولار في عام 2016، لتعاود بعدها اتجاهها الصاعد من جديد لتصل إلى 2.02 مليار دولار في عام 2019. ويوضح الشكل التالي تطور حصيلة الصادرات من المواد البلاستكية في مصر والعالم، ونسبة الصادرات المصرية منها:

لكن بالنظر كذلك إلى إجمالي الصادرات في العالم، يتضح أنها نمت بنحو 147 مليار دولار، خلال السنوات 2008-2019، فيما نمت الصادرات المصرية بما إجماليه 1.15 مليار دولار خلال الفترة ذاتها، وهو ما أبقى حصة الصادرات المصرية هامشية من السوق العالمية، بحيث وصلت في أفضل حالاتها خلال عام 2019 إلى أقل من 0.5% من إجمالي الصادرات العالمية.

صادرات الأسمدة

تتطلب صناعة الأسمدة مزيدًا من المكون التكنولوجي، بالإضافة إلى اعتمادها على الغاز الطبيعي كمدخل أساسي في الإنتاج، وعلى عكس السلعتين السابقتين، تقتطع الصادرات المصرية حصة أكبر من 1% من الصادرات العالمية، ولعل هذا مرجعه إلى توافر الغاز الطبيعي في مصر، بالإضافة إلى دعم الطاقة الذي قُدم للصناعات المصرية قبل برنامج الإصلاح الاقتصادي وأُعيد جُزئيًا خلال جائحة كورونا، وذلك على الرغم من انخفاض حصيلتها، حيث كانت قد بلغت نحو 680 مليون دولار في عام 2008 لتصل إلى 1.44 مليار بحلول 2011، ثم تهاوت لتصل إلى 420 مليون دولار في عام 2015 تحت ذات الضغوط السابق الإشارة إليها بشأن المُنتجات البلاستكية، ويُضاف إليها شُح مصادر الغاز الطبيعي في ذلك الوقت، قبل اكتشاف حقل غاز ظُهر في 2017، وبداية تحقيق فوائض منه.

لذلك بلغت الصادرات المصرية ما إجماليه 1.39 مليار دولار في عام 2018 قبل أن تنخفض من جديد إلى 1.34 مليار في 2019 تحت ضغوط ارتفاع أسعار الكهرباء. ويوضّح الشكل التالي حصيلة الصادرات المصرية والعالمية، ونصيب مصر منها:

من الشكل السابق يتضح أن حجم الصادرات العالمي شهد كذلك تراجعًا كبيرًا من 74.47 مليار دولار في 2008، إلى 58.45 مليار دولار في 2019، ولذلك جاءت حصة مصر منه أعلى من السلعتين السابقتين على الرغم من انخفاض حصيلة الصادرات إذا ما قُورنت بها، بحيث ارتفعت حصة مصر من 0.91% في 2008 لتُسجل نسبة 2.79% بسبب الانخفاض الكبير الذي شهدته الصادرات العالمية إلى 40.9 مليار دولار، ثم بدأت في الانخفاض لتبلغ 0.68% في عام 2015 مُتأثرة بانخفاض الصادرات المصرية، لتعاود الارتفاع من جديد إلى نسبة 2.28% في 2019، مُنخفضة من 2.35% في 2018.

صادرات المُسجلات والتليفزيونات

بلغت حصيلة الصادرات من المُسجلات والتليفزيونات نحو 1.71 مليار دولار في عام 2019، ارتفاعًا من 0.79 مليار في 2008، فيما ارتفعت الصادرات العالمية من 1.92 تريليون دولار إلى 2.7 تريليون دولار في 2019 بزيادة قدرها نحو 800 مليار دولار. ويوضح الشكل التالي حصيلة الصادرات المصرية والعالمية:

يتضح من الشكل أن الصادرات المصرية تُمثل نسبًا هامشية للغاية تأتي كنسب من الألف، وهو ما يعني أن الاستهلاك العالمي من هذه السلع كثيف للغاية، بينما المُشاركة المصرية في التصدير لا تكاد تُذكر.

مُحصلة ما سبق -إذن- أن هيكل الصادرات المصرية لم يطرأ عليه أي تغيير مُنذ بداية القرن الحالي على الأقل، يُضاف إلى ذلك انخفاض المُنتج التكنولوجي في هذه الصادرات بشدة، وتمحورها أساسًا حول المواد الخام والصناعات شديدة الانخفاض في المكون التكنولوجي، وهو ما يجب أن يتغير عن طريق ضخ استثمارات كبيرة من القطاعين العام والخاص في المجالات الصناعية الجديدة، مثل الصناعات المُكملة للطاقة المُتجددة، وصناعة البطاريات، وغيرها من الصناعات التي ما زال السوق غير مُشبع بها، ويُمكن لصناعات وليدة أن تُساهم فيها.

د. محمد شادي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة